أولاً:
اختلف الفقهاء فيمن نوى بتيممه رفع الجنابة ، ثم أحدث حدثًا أصغر: هل يبطل تيممه عن الحدث الأصغر فقط ولا يعود جنبًا ، أم يبطل تيممه عن الحدثين (الأصغر والأكبر) فيعود جنبًا؟
القول الأول: أنه لا يعود جنبًا، بل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة.
انظر: المبسوط للشيباني (1 / 107) ، البيان (١/٣٢٠)، الإنصاف (1/ 290).
واستدلوا على ذلك: بالقياس على من اغتسل ونوى رفع الحدثين، أو نوى رفع الحدث الأكبر فقط، ثم أحدث حدثًا أصغر، فإن طهارته من الحدث الأكبر تبقى صحيحة، ولا تبطل إلا طهارته من الحدث الأصغر. فكذلك التيمم؛ إذ هو نائب عن الغسل، فإذا لم يكن الحدث الأصغر مبطلاً للغسل، لم يكن مبطلاً لما قام مقامه. المغني لابن قدامة (1/ 197).
القول الثاني: أنه يعود جنبًا، فيبطل تيممه للحدث الأصغر والأكبر، وهو قول المالكية.
انظر: حاشية الدسوقي" (1 / 158).
وينظر للفائدة: فتوى رقم (305664).
والراجح، والله أعلم: هو قول الجمهور؛ أن طهارته الكبرى لا تنتقض بالحدث الأصغر، ولا يعود جنبًا، بل يبطل تيممه للحدث الأصغر فقط. لما عللوا به.
وبناء عليه؛ فإذا تيممت (من الجنابة) وقت الفجر، وصليتَ الفجر، ثم بعد ذلك قضيت الحاجة، وجاء وقتُ الظهر، وما زلت غير قادر على الغُسل: فليس عليك إلا الوضوء؛ لأن حدثك الأكبر قد ارتفع في الفجر، ولا تعود جنباً بسبب الحدث الأصغر بقضاء حاجتك ببول أو غائط.
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله، كما في مجموع الفتاوى (10/201) :
"هل التيمم يُسقط عن الجنب الاغتسال بتاتا؟ وكم صلاة يمكن أن أصلي به؟
فأجاب:
التيمم يقوم مقام الماء، فالله جعل الأرض مسجداً وطهوراً للمسلمين، فإذا فقد الماءَ، أو عجز عنه لمرض: قام التيمم مقامه ، فلا يزال كافيا حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء، وجب عليه الغسل عن جنابته السابقة، وهكذا المريض، إذا برئ وعافاه الله يغتسل عن جنابته السابقة التي طهرها بالتيمم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ )، ثم قال: ( فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك ). رواه الترمذي ، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ورواه البزار ، وصححه ابن القطان ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
فإذا وجد الماء الجنب أمسه بشرته، أي : اغتسل بعد ذلك عما مضى.
وأما صلواته الماضية: فهي صحيحة بالتيمم عند فقده الماء أو عجزه عن استعماله، لمرض يمنعه من الماء ، حتى ينتهي المرض ويشفى منه ، وحتى يجد الماء إذا كان فاقدا له ، ولو طالت المدة" انتهى .
انظر: فتوى رقم (40204).
ثانياً:
الواجب على من أجنب أن يغتسل، فإن لم يجد ماء فإنه يتيمم .
فإن وجد ماء يكفي لبعض الطهارة، اختلف الفقهاء هل يلزمه استعمال الماء أولاً، ثم يتيمم أو لا يلزمه:
- ذهب الأحناف والمالكية: إلى أنه يترك الماء الذي لا يكفي إلا لبعض أعضائه ، ويتيمم.
انظر: "حاشية ابن عابدين" (1/232)، "مواهب الجليل" (1/487).
- وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يلزمه استعماله، ثم يتيمم.
انظر: "روضة الطالبين" (1/96)، "مطالب أولي النهى" (1/199)
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "عليه أن يستعمِلَ الماء أولًا، ثمَّ يتيمَّم للباقي؛ لأنَّه لو تيمَّم مع وجودِ الماء، لم يصدُقْ عليه أنَّه عادِمٌ للماء، ودليلُ ذلك قَولُ الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وقول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأْتُوا منه ما استطعتُم"، فإذا غسَلَ ما استطاع وانتهى الماءُ، فإنَّه بهذا الفِعلِ اتَّقى الله، وما بقِي فالماءُ متعذِّرٌ، فيرجِعُ إلى بدَلِه وهو التيمُّم". "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (11/235).
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: "إذا توفر الماء وهذا الماء يكفي للوضوء ولا يكفي لرفع الجنابة، فهل يجوز التيمم بالتراب لرفع الجنابة، والوضوء بالماء لكل صلاة؟
الجواب:
نعم؛ إذا كان الماء قليلًا لم يستطع أن يكمل به الغسل يتوضأ وضوء الصلاة، ويتيمم للباقي؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا معنى قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:16].
فإذا كان الماء قليل، توضأ به، وتيمم، ومن هذا قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه لما اشتد عليه البرد، وخاف من ذلك؛ توضأ ثم تيمم للجنابة، فهذا إذا كان الماء قليلًا توضأ منه، وتيمم للجنابة، وهكذا لو كان الماء عنده لا يكفيه إلا لشربه وأكله يتيمم للجنابة وغيرها ويكفي.
المقصود: أنه يعمل ما يستطيع إذا كان الماء قليلًا لا يتمكن من الاغتسال به توضأ منه، وإن كان الوضوء أيضًا قد يشق عليه؛ لأن الماء قليل لا يتوضأ، يخليه لشربه، ويتيمم، والحمد لله" انتهى من " فتاوى نور على الدرب" (5/306).
وينظر: فتوى رقم (264878).
ثالثاً:
اتفقت المذاهب الأربعة على أن من تيقن وجود الماء آخر الوقت يجوز له التيمم أول الوقت.
واختلفوا في الأفضل:
القول الأول: أن من تيقن أو غلب على ظنه وجود الماء آخر الوقت، فإن تأخير التيمم له أفضل، وهذا مذهب الجمهور: الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة .
انظر: "العناية" (1/135)، "كشاف القناع" (1/178).
وعند المالكية: المتردد في وجود الماء، يتيمم وسط الوقت؛ لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء، ما لم يخف فوات فضيلة أول الوقت. فإذا خاف فواتها: تيمم وصلى، لئلا تفوته الفضيلتان. "التاج والإكليل"(1/355)، "مواهب الجليل" (1/521).
ومثله من غلب على ظنه زوال المرض آخر الوقت. (أي: المرض الذي تيمم بسببه).
القول الثاني: التفريق: ففي حال التيقن، الأفضل تأخير التيمم، وعند غلبة الظن الأفضل تقديم التيمم (وهو الأظهر عند الشافعية). "المجموع" (2/260- 261)، "مغني المحتاج" (1/89).
رابعاً:
إذا دخل عليك وقت الصلاة، وكنت فاقدًا لشرط الطهارة بالماء؛ فلا تستطيع الاغتسال للجنابة بسبب المرض مثلاً ؛ فإنك تصلي المغرب بالتيمم، ولا تنتظر دخول وقت العشاء فتجمعها مع صلاة العشاء؛ بل تصلي صلاة المغرب في وقتها، سواء كان في أول الوقت أو في آخره، لقوله تعالى : إ(ِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ،؛ ولأنك غير قادر على استعمال الماء. مع وجوب صلاة الجماعة للرجال. وانظر: (8918).
كذلك لو كان هناك عذر يمنع من استعمال الماء في الوقت، كمرض أو نحوه، ويمكنك الاغتسال بعد خروج الوقت: فلا يجوز تأخير صلاة العشاء عن وقتها؛ أي بعد منتصف الليل، ؛ فالواجب حينئذ التيمم في وقت العشاء والصلاة في الوقت، وهذا الحكم عام في كل الصلوات؛ فتصلى كل صلاة في وقتها بحسب الاستطاعة، ولا تُؤخَّر عن وقتها بسبب العذر.
وقد روى مسلم (612) عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط".
وقد قيل: "الوقت سيد الشروط"، فلا يجوز تأخير الصلاة عنه، فإن عجزتَ عن الطهارة بالماء، فتيمم، وصلِّ في الوقت، ولا إعادة عليك ما دمت أديت الصلاة في وقتها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (22/ 35) :
"ومن كان مستيقظا في الوقت، والماء بعيد منه، لا يدركه إلا بعد الوقت؛ فإنه يصلي في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء.
وكذلك إذا كان البرد شديداً، ويضره الماء البارد، ولا يمكنه الذهاب إلى الحمام، أو تسخين الماء حتى يخرج الوقت، فإنه يصلي في الوقت بالتيمم" انتهى.
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها، كما لو اشتغل باستخراج الماء؟
فأجاب بقوله: الصواب أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقًا ، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت صلى على حسب حاله ، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط قريباً ، لقوله تعالى : ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) .
وكذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقّت أوقات الصلاة ، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها .
ولأنه لو جاز انتظار الشروط ، ما صح أن يشرع التيمم ؛ لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت ، ولا فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل أو إلى وقت قصير ؛ لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها . وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى " انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين" (12/ 20).
انظر: فتوى (331783).
والله أعلم.