صح أن يوم القيامة يكون على المؤمن: ( كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تغرب)، وظاهر الحديث الإطلاق، وأنه يتناول أحداث القيامة كلها من ساعة البعث إلى دخول الجنة، على اختلاف بين أهل العلم في تقدير ذلك، ومحله.
ما المقصود بحديث: (يَوْمُ الْقِيَامَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ)؟
السؤال 581426
ورد في الحديث الشريف أن يوم القيامة على المؤمن يكون (كقدر ما بين الظهر والعصر)، فهل المقصود بهذا التوقيت هو مدة الوقوف في أرض المحشر فقط؟ أم إن هذا الزمن يشمل كل ما يمر به المؤمن من لحظة البعث إلى دخول الجنة، بما في ذلك الحساب والميزان وتجاوز الصراط؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
هذا الحديث رواه الحاكم في "المستدرك" (1/84)، قال: حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِي الْجَوْهَرِيُّ بِمَرْوَ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَاسُويَهْ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَوْمُ الْقِيَامَةِ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ).
ثم قال الحاكم:
"هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ الْإِسْنَادِ عَلَى شرْطِ الشَّيْخَيْنِ، إِنْ كَانَ سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ حَفِظَهُ. عَلَى أَنَّهُ ثِقَة مَأْمُونٌ" انتهى.
لكن رواه عبدان، وهو ثقة، عن ابن المبارك موقوفا من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، ومقيدا بالمؤمن.
روى الحاكم في "المستدرك" (1/84)، قال: أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ، أخبرنا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أَنَبأنا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ).
ورواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك، كما في زوائد "الزهد" (الملحق/ 100)، قال عبد الله: أخبرنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (يُقَصَّرُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ كَوَقْتِ صَلَاةٍ).
ورجح البيهقي الموقوف، حيث قال رحمه الله تعالى:
"أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ ، أخبرنا الحَسَنُ بنُ محمد بن حَلِيْم، أخبرنا أبو المُوَجِّهِ، أخبرنا عَبْدَانُ، أخبرنا عَبدُ اللهِ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادَةَ، عَن زُرَارَةَ بنِ أَبِي أَوْفَى، عن أبي هريرة قال: (يَومُ القِيَامَة عَلى المُؤمِنِينَ، كَقَدْرِ مَا بَينَ الظُّهرِ والعَصْر).
هذا هو المحفوظ، وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى. "البعث والنشور" (ص245).
وقد صححه الشيخ الألباني، حيث ساقه مرفوعا وموقوفا من "المستدرك"، وساق تصحيح الحاكم له، ثم قال رحمه الله تعالى:
"ووافقه الذهبي على ما قال، وأرى أن الموقوف في حكم المرفوع، بل هو أوضح وأبين. والله أعلم. لكن سويدا ليس على شرط الشيخين، وإن كان ثقة، وهو راوية ابن المبارك" انتهى. "السلسلة الصحيحة" (5/584).
على أن في إسناده مقالا أيضًا؛ لأنه قد تفرد به معمر عن قتادة، وقد رأى بعض أئمة الحديث أن هناك وهنا وضعفا في رواية معمر عن قتادة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"وقال الدارقطني في العلل: معمر سيِّئُ الحفظ لحديث قتادة والأعمش.
وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: قال معمر: جلست إلى قتادة وأنا صغير، فلم أحفظ عنه الأسانيد" انتهى. "شرح علل الترمذي" (2/698).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"ولم يخرج [أي البخاري] له من روايته عن قتادة ولا ثابت البناني، إلا تعليقا، ولا من روايته عن الأعمش شيئا" انتهى. "هدي الساري" (ص444).
ومعمر قد تفرد بهذا الخبر، إسنادا ولفظا.
وقد ورد حديث أبي هريرة بلفظ آخر، بإسناد صحيح رواته ثقات.
رواه أبو يعلى في "المسند" (8/270)، وابن حبان "الاحسان" (16/328): عن الْوَلِيد بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تغرب).
وقد جوّد إسناده الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (4/515).
وقال الهيثمي رحمه الله تعالى:
"وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوم يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فيُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِن كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تغرب).
رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن عبد الله بن خالد، وهو ثقة " انتهى. "مجمع الزوائد" (10/337).
وقال محقق "الاحسان" عن إسناد ابن حبان: "إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عبد الرحمن بن إبراهيم، فمن رجال البخاري" انتهى.
وصحح إسناده الشيخ الألباني، حيث قال رحمه الله تعالى:
"أخرجه ابن حبان (2578) بسند صحيح عنه، بسياق آخر مختصرا بلفظ: (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، مِقْدَارَ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، يُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِن كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تغرب). لكن قوله: (نِصْف يَوْمٍ)، غريب ... " انتهى. "السلسلة الصحيحة" (6 / 768).
لكن هناك ما يشهد لمعناه.
فأما كون يوم القيامة بمقدار خمسين ألف سنة، فبه فسّر جمع من أهل العلم قول الله تعالى:
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ المعارج/4.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
"وقوله تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فيه أربعة أقوال: ...
القول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يوم القيامة. وإسناده صحيح.
ورواه الثوري عن سماك بن حرب، عكرمة فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يوم القيامة، وكذا قال الضحاك وابن زيد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم القيامة، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وقد وردت أحاديث في معنى ذلك" انتهى. "تفسير ابن كثير" (7 / 375 – 376).
ومن هذه الأحاديث التي أشار إليها ابن كثير، ما رواه الإمام مسلم (987): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ، وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَُرَى سَبِيلَُهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ...).
وأما أنه لا يأتي نصف اليوم أو النهار حتى يتم الحساب، وينزل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، فقد استنبط جمع من أهل العلم هذا المعنى من قوله تعالى:
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا الفرقان/24.
قال الثعلبي رحمه الله تعالى:
"قال المفسرون: يعني: أن أهل الجنة لا يمر بهم في القيامة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القيلولة، حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار...
وقال ابن عباس في هذِه الآية: الحساب من ذلك اليوم في أوله، وقَالَ القوم في منازلهم في الجنة" انتهى. "الكشف والبيان" (19/390).
ثانيا:
كون يوم القيامة يمر على المؤمن كتدلي الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب، أو كما بين الظهر والعصر، هو مطلق، وليس مقيدا بالوقوف أو بالحساب.
فالظاهر أنه من ساعة الوقوف إلى دخول الجنة يكون عليه خفيفا، كأنه بهذا المقدار من الوقت، كما يفهم من كلام بعض أهل العلم.
كقول ابن حبان رحمه الله تعالى في تبويبه على حديث أبي هريرة:
"ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا بِتَفَضُّلِهِ يُهَوِّنُ طُولَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى لَا يُحِسُّوا مِنْهُ إِلَّا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ" انتهى.
وبعض أهل العلم قد يفهم من كلامه أن هذا مخصوص بالوقوف في أرض المحشر، انتظارا للحساب.
قال السفاريني رحمه الله تعالى:
"اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، في مقدار مدة الوقوف بالمحشر وذلك لورود الآثار في ذلك...".
ثم ساق جملة من الأخبار منها خبر أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قال رحمه الله تعالى:
"فتحصّل لنا ستّة أقوال في المسألة: أربعون عاما، أو سبعون، أو ألف، أو خمسون ألفا، أو مائة عام، أو ثلاثمائة.
والظاهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص على حسب الأعمال، بدليل كونه على المؤمن أخفّ من الصلاة المكتوبة، واللهُ سبحانه وتعالى أعلم" انتهى. "البحور الزاخرة" (2 / 753 — 756).
وقول السفاريني رحمه الله تعالى، بأنه يكون على المؤمن أخفّ من الصلاة المكتوبة.
ورد ذلك في حديث إسناده لا يصح.
رواه الإمام أحمد في "المسند" (18 / 246)، وأبو يعلى في "المسند" (2 / 538)، وابن حبان "الاحسان" (16 / 329)، وغيرهم: عَنْ دَرَّاج، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا).
ومداره على دارج عن أبي الهيثم، وهذا إسناد ضعيف.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"دراج أبو السمح صاحب أبي الهيثم. قال أحمد، وغيره: أحاديثه مناكير. ووثقه ابن معين، وتركه الدارقطني" انتهى "المغني" (1/222).
وقال رحمه الله تعالى:
"دراج بن سمعان أبو السمح المصري، القاص مولى عبد الله بن عمرو…: وثقه ابن معين بس، وقال أبو داود، وغيره: حديثه مستقيم إلا ما كان عن أبي الهيثم" انتهى. "الكاشف" (1/ 383).
الخلاصة:
قد صح الإسناد إلى أبي هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يوم القيامة يكون على المؤمن:( كَتَدَلِّي الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ إِلَى أَنْ تغرب)، وظاهر هذا الحديث الإطلاق، وأنه يتناول أحداث القيامة كلها من ساعة البعث إلى دخول الجنة، على اختلاف بين أهل العلم في تقدير ذلك، ومحله.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟