كيف يدفع شر الحاسد، وهل الذبح سبب لدفع الحسد؟

السؤال: 588391

اقترحت علي إحدى الصديقات ذبح أرنب؛ نظرا لكثرة ما نمر به أنا وزوجي من تعب، خصوصا إني بعد شهرين من إجرائي لعملية وقعت علي رجلي في مدخل العمارة، وفي نفس الأسبوع زوجي تعب، ونقل للمستشفى، ومازلنا في إجراء الفحوصات له، صديقتي قالت لي: وارد يكون ما نمر به حسد، حاليا بنشغل سورة البقرة والرقية الشرعية بالبيت.
سؤالي عن ذبح الأرنب هل هو مستحب فعل هذا الشيء؟ وما الذي يجب علينا فعله لتجنب ما يحدث لنا؟
وأخيرا برجاء الدعاء لزوجي بالشفاء العاجل.

ملخص الجواب

لا يشرع الذبح بنية دفع الحسد لما فيه من مشابهة ذبائح المشركين.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

ذكر ابن القيم رحمه الله عشرة أسباب يندفع بها شرُّ الحاسد والعائن والساحر، نوجزها مختصرة فيما يلي:

1- التَّعَوُّذ بالله تعالى من شرِّه، والتَّحصُّن به تعالى، واللَّجَأ إليه.

2- تقوى الله تعالى، فإنَّ من أتقى الله تولى الله حفظه، ولم يَكِلْه إلى غيره، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: احفظِ اللهَ يحفَظْك احفظِ اللهَ تجده تُجاهك.

3- الصَّبْر على هذا العدوّ، وأن لا يحدِّثُ نفسَه بأذاه أصلًا، فما نُصِرَ على حَاسده وعدوه بمثل الصبر عليه، والتَّوَكّل على الله.

4- التوكل على الله، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، فإن التوكل من أقوى الأسباب التي يدفعُ بها العبد ما لا يُطيقُ من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، فإن الله حسبُهُ، أي: كافيه.

5- فراغ القلب من الاشتغال بهذا العدو والفكر فيه، وأن يقصدَ أن يمحوَه من باله، فلا يَلْتفت إليه ولا يخافه ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شرِّه.

6- الإقبالُ على الله والإخلاصُ له، وجعلُ محبَّته وتَرَضِّيه والإنابة إليه في محلِّ خواطر نفسه وأمانيها.

7- تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سَلَّطت عليه أعداءَه، فإن الله تعالى يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وقال لخير الخلق، وهم أصحاب نبيه، دونه صلى الله عليه وسلم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، فما سُلِّط على العبد مَنْ يؤذيه إلا بذنبٍ، يعلمُه أو لا يعلمُه، وما لا يعلمُهُ العبدُ من ذنوبه أضعافُ ما يعلمه منها، وما ينساهُ مما عمله وعلمه أضعاف ما يذكره.

8- الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإنَّ لذلك تأثيرًا عجيبًا في دَفْع البلاء، ودفع العين، وشرِّ الحاسد، فما يكادُ العينُ والحسد والأذى يتسلَّطُ على محسنٍ متصدِّقِ، وإن أصابه في شيءٌ ذلك كان معاملًا فِيه باللُّطفِ والمعونة والتأييد، وكانت له فِيه العاقبةُ الحميدةُ.

فالشكرُ حارس النعمة من كلِّ ما يكونُ سببًا لزوالها، ومن أقوى الأسباب حَسَد الحاسد والعائن، فإنه لا يفْتُرُ ولا يَنِي ولا يبردُ قلبهُ حتى تزولَ النعمةُ عن المحسود، فحينئذ يبردُ أنينُه وتنطفئُ نارُهُ - لا أطفأها اللهُ - فما حرس العبدُ نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها، ولا عَرَّضها للزَّوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله، وهو كُفرانُ النعمة، وهو باب إلى كُفران المنعم.

ويراجع للفائدة جواب السؤال: (539995)، و(335388).

9- إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي: بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذىً وشرًّا وبغيًا وحسدًا، ازددتَ إليه إحسانًا، وله نَصِيحةً، وعليه شفقة، لقوله عز وجل: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وقال: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.

10- وهو الجامعُ لذلك كُلِّه وعليه مدارُ هذه الأسباب، وهو: تجريدُ التوحيد، والتَّرَحُّل بالفكر في الأسباب، إلى المسبِّب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلاتٌ، بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محرِّكها وفاطرها وبارئها، ولا تضرُّ ولا تنفعُ إلا بإذنه، فهو الذي يمسّ عبدَه بها، وهو الذي يصرفُها عنه وحدَه لا أحد سواه، قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: واعلمْ أنَّ الأمَّةَ لو اجتمعوا على أن يَنفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كَتَبه اللهُ لك، ولو اجتمَعوا على أن يَضرُّوك لم يَضُرُّوكَ إلا بشيءٍ كَتَبه اللهُ  عليك.

فالتوحيد حِصنُ الله الأعظم؛ الذي من دخله كان من الآمنينَ، قال بعض السلف: من خاف الله، خافه كلُّ شيء، ومن لم يَخَفِ اللهَ أخافه من كلِّ شيء.

ثم ختم ابن القيم رحمه الله بقوله: "فهذه عشرةُ أسباب يندفعُ بها شرُّ الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفعُ من التَّوَجُّه إلى الله، وإقبالِهِ عليه، وتَوَكُّلِهِ عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيرَه، بل يكون خوْفه منه وحدَه، ولا يرجو سواه، بل يرجوه وحدَه، فلا يعلقُ قلبَه بغيره، ولا يستغيثُ بسواه، ولا يرجو إلا إيَّاه.

ومتى علَّق قلبَه بغيره ورجاه وخافه؛ وُكِلَ إليه وخُذِلَ من جهته، فمن خاف شيئًا غير الله، سُلِّط عليه، ومن رجا شيئًا سوى الله، خُذِل من جهتِه، وحُرِمَ خَيْرَهُ، هذه سُنَّةُ الله فِي خلقه وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"، انتهى من "بدائع الفوائد" (2/ 667).

وللفائدة يراجع جواب السؤال: (407875).

ثانيًا:

لا شكَّ أن حرصكم على سورة البقرة قراءة وسماعًا من خير ما يتخذ من الأسباب التي شرعها الله تعالى لدفع أذى الحاسد والعائن، وكذلك الحرص على الرقى المشروعة، وخيرها وأعظمها بركة ما كان من القرآن والسنة، والدعاء الثابت الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه لأمَّتِه.

كما روى مسلم (804) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، وقال بعض رواة هذا الحديث: "بلغني أن البطلة: السحرة".

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى"، انتهى من "فتح الباري" (10/ 195).

وتنظر هذه المادة للتفصيل والتوسع: أحكام الرقية من المس والسحر والعين

ويراجع كذلك جواب السؤال: (408289).

ثالثا:

وأما عن (ذبح أرنب) لأجل دفع شر الحاسد؛ فليس هو مما شرعه الله تعالى لدفع شر الحسد أو غيره، فهو بدعة مذمومة مردودة، وهو أشبه بذبائح المشركين التي أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم لما فيها من الشرك، وقد كان المشركون يتقربون بذلك إلى الجن، كما قال سبحانه في شأن استعاذة المشركين بالجن: وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً.

قال الشيخ السعدي رحمه الله:

"أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد الإنس الجنَّ رهقًا أي: طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم، ويستعيذون بهم ... فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه"، انتهى من "تفسيره" (ص890) باختصار.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذبح لغير الله، ونهى عن ذبائح الجنِّ، وكانوا يذبحون للجن"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (17/ 485).

وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله:

"ذبائح الجنِّ: أن يشتري الدارَ أو يستخرج العين [يعني: يستخرج عين الماء العذب للشرب ونحوه] وما أشبه ذلك؛ فيذبح لها ذبيحة للطيرة ...

ومعناه: أنهم يتطيرون إلى هذا الفعل، مخافة أنهم إن لم يذبحوا ويطعموا، أن يصيبهم فيها شيء من الجن يؤذيهم، فأبطل النبيُّ عليه السلام ذلك، ونهى عنه"، انتهى مختصرا من "غريب الحديث" (2/ 221).

فذبح أرنب أو غيره لدفع أذى العين أو الحسد أو نحوه: يشبه ذلك، ومن بابه.

وهذه المشابهة محرمة، ولو كانت في صورة الفعل، بدون قصد الشرك، والصورة هنا هي الذبح لدفع ضر العين والحسد.

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنها تطلع بين قرني شيطان)، ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله:

"ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت، لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة"، انتهى من "الرد على الإخنائي" (ص205).

وقال الشاطبي رحمه الله في شرح معنى الإخلاص وعدم التشريك في الأعمال التي اعتادها الناس"

"معنى ذلك: أن تكون معمولة على مقتضى المشروع، لا يُقصد بها عمل جاهلي، ولا اختراع شيطاني، ولا تشبُّهٌ بغير أهل الملة، كشرب الماء أو العسل في صورة شرب الخمر، وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود أو النصارى وإن صنعه المسلم، أو ما ذبح على مضاهاة الجاهلية، وما أشبه ذلك مما هو نوعٌ من تعظيم الشِّرك"، انتهى من "الموافقات" (2/ 346).

هذا؛ والحسد من الأمور التي ذكرها الله تعالى وذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم، وبينت الشريعة أسباب التخلص من الحسد ومن آثاره، وأسباب التعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد، فعلمنا بذلك عناية الشريعة بالحسد وأسبابه، فالعدول عن هذه (الأسباب الشرعية) إلى أسباب لم يشرعها الله تعالى - كذبح أرنب أو غيره - لا شك أنه من التقول على الله تعالى بغير علم، بشيء لا يُدَّعَى فيه معرفة بالحسّ ولا المشاهدة.

واعتقاد ما ليس سببا؛ أنه سبب في النفع أو دفع الضر، من غير برهان من الله ولا سلطان، من أصول الشرك والبدع، "وأصل الشِّرك والكفر هو القول على الله بلا علمٍ" كما قال ابن القيم رحمه الله في " مدارج السالكين" (1/ 573).

وقد سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، حفظه الله: "ما الحكم إذا ‌ذبح العبد ذبيحة، لأن الله قد شفى مريضه، وخرج من المستشفى؟

فأجاب: "هذا يرجع إلى نيته في ‌ذبح هذه الذبيحة، فإذا كانت بعد الانتهاء من المرض، وارتفاعه، وتعافى ذلك المريض، وشفي بفضل الله -جل وعلا - وبنعمته: فهذا يختلف حاله، فإذا قصد بالذبيحة أنها شكر لله - جل وعلا - وتصدق بلحمها: فهذا حسن؛ لأن المرض قد انتهى وارتفع، فهو لا يقصد بها الاستشفاء، وإنما هي نوع شكر لله - جل وعلا -، وكذلك: فلا بأس إن دعا إليها أحدا من أقربائه، أو ممن يحبون ذلك المريض ونحو ذلك، فهذا من باب الإكرام.

وأما إذا كانت مقاصده أو نياته في هذا ‌الذبح: أن يدفع رجوع هذا المرض مرة أخرى، أو أن يدفع شيئا من انتكاسات المرض، أو يدفع شيئا مما يخافه: فهذا غير جائز، سدا لذريعة الاعتقادات الباطلة".

وسئل: "جاء في بعض الكتب نقل معناه: أن الإنسان إذا خاف على ولده أو على نفسه العين، فإنه يضع على جبهته، أو جبهة ولده نقطة سوداء، لصرف العين ودفعها؟".

فأجاب: "اعتقادات الناس في ‌دفع ‌العين لا حصر لها، والجامع لذلك: أن كل شيء يفعله الناس مما يعتقدونه سببا، وليس هو بسبب شرعي ولا قدري: فإنه لا يجوز اتخاذه" انتهى، من "التمهيد لشرح كتاب التوحيد" (ص622).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (26952).

فالواجب الاقتصار على ما شرعه الله تعالى من الأسباب لدفع ما تظنونه من الحسد أو العين، ونسأل الله تعالى رب الناس أن يشفي زوجك شفاء لا يغادر سقما وأن يذهب عنه البأس، فإنه تعالى هو الشافي، لا شفاء إلا شفاؤه تعالى، وأن يرفع عنكم كل مكروه وأذى، ويجعله لكم كفارة للسيئات ورفعة للدرجات.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android