ما حكم مدح الأعيان والوجهاء في المجالس العامة؟

السؤال 610881

يكثر في المجالس العامة في بلادنا مدح الوجهاء والأعيان، سواء الأحياء منهم أو الأموات، فما حكم مدح المسلم لأخيه المسلم في حياته وبعد مماته؟

ملخص الجواب

مدح المسلم الحي جائز إذا سَلِم من الكذب والمبالغة، وأُمِنَت فتنةُ الممدوح بالعجب؛ ويُستحب إن ترتبت عليه مصلحة. ويُنهى عنه إذا خيفت الفتنة، أمّا مدح الميت: فجائز؛ إذا كان صادقًا، وخاليًا من الغلو؛ ولم يكن على وجه النياحة وتحريك الأحزان.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

أما ما يخص مدح المسلم لأخيهِ المسلم حال حياته: فقد جاء فيه أحاديث كثيرة، بعضها ظاهرُه المنعُ من ذلك، وبعضُها ظاهرُه الجوازُ، وفي بعضِها تفصيلٌ.

فمن أحاديث المنع:

حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: مدح رجلٌ رجلًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ، قطعتَ عُنقَ صاحبك، قطعتَ عُنقَ صاحبك" مِرارًا، ثمَّ قال: "إذا كان أحدُكم مادحًا صاحبَه لا محالة، فليَقُلْ: أحسبُ فلانًا والله حسيبُه، ولا أزكِّي على الله أحدًا، أحسبُه -إن كان يعلم ذاك- كذا وكذا" رواه البخاري (946).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "قطعتَ عُنقَ صاحبِك" أي: أهلكتَه بالإطراء والمدح الزَّائد، وتعظيمك شأنه عند نفسه، فإنَّه يعجب بنفسه، فيهلك. وقوله: "والله حسيبُه"، يعني: أنَّ الله يحاسبُه على أعماله، ويعاقبُه على ذنُوبِه إن شاءَ.

انظر: "شرح السُّنَّة"، للبغوي، 13/150، "جامع الأصول"، لابن الأثير، 11/52.

وتكراره صلى الله عليه وسلم لقوله: "قطعتَ عُنقَ صاحبِك" فيه مزيدٌ من الزَّجر عن هذا الفعل.

وحديثُ أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلًا يُثني على رجلٍ ويُطريه في المدحة، فقال: "لقد أهلكتُم -أو قطعتُم- ظهرَ الرَّجُل" رواه البخاري (947) ومسلم (3001).

وزاد بعض الرُّواة: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أما إنَّه لو سمعَ ورَضِيَ قولَك ما أفلَحَ" قال الحافظ العراقيُّ: "في إسنادها عليُّ بن زيدٍ بن جدعان متكلَّمٌ فيه" انظر: " المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" (1/221).

وهذه الزِّيادة تدُلُّ على أنَّ المدحَ الواقعَ لم يكُن بحضرة الممدُوح.

وحديثُ المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نحثي في وجوه ‌المداحين ‌التراب" رواه مسلم (3002).

وأما الأحاديث التي يفهم منها الترخيص في المدح؛ فمنها:

مدحه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر (إنَّ أمنَّ النَّاس عليَّ في صحبتِه ومالِه أبو بكر، ولو كنتُ متَّخذًا من أمَّتي خليلًا لاتَّخذت أبا بكرٍ خليلًا) رواه البخاري (454).

وقوله: "اثبُتْ أُحُد، فإنَّما عليكَ نبيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشهيدانِ" رواه البخاري (4729).

ومدحه صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه بقوله: "دخلتُ الجنَّة فرأيتُ قَصرًا، فقلتُ: لمن هذا؟ قالوا: لعمر. فأردتُ أن أدخُلَه فذكرتُ غيرتَك" رواه البخاري (3476).

وقوله لعمر: "والذي نفسي بيده ما لقِيَكَ الشَّيطانُ سالكًا فجًّا إلا وسلكَ فجًّا غيرَ فجِّك" رواه البخاري (3120).

وقوله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه بقوله: "ألا أستحِي من رجلٍ تستحِي منه الملائكةُ" رواه مسلم (2401).

وقوله صلى الله عليه وسلم لأشجَّ عبد القيسِ بقوله: "إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله تعالى ورسولُه: الحلم، والأناة" رواه مسلم (18).

ثالثًا:

اختلف أهلُ العلم في الجمع بين الأحاديث التي تدُلُّ على تحريم المدح وكراهيته، وبين الأحاديثِ التي تدُلُّ على الإباحةِ على أقوال عدَّةٍ، منها:

القولُ الأوَّلُ: أنَّ مدحَ المسلم لأخيه المسلم، ولو في وجهه: جائزٌ؛ إذا لم يكن كذبًا، ولم يُبالغ فيه، بشرط كون الممدوح ممَّن يُؤمَن عليه من العُجب ونحوه، وذلك إن كان في وجهه أو يعلم أنَّه يبلغه.

قال الإمام الطبري، رحمه الله: "فكذلك كلُّ ما كان من أمر معروفٌ به الممدوح، فمدَحَه به مادحٌ بمحضرٍ منه، أو بظهر الغيب، فلا حرج فيه على المادح، ولا مكروهَ فيه على الممدوح.

وما كان من أمرٍ هو به غير معروفٍ، أو كان المادحُ به فيه كاذبًا، فهو المدح المحظور، والمادح به مذمومٌ" "تهذيب الآثار" (1/86).

وقال ابن بطَّال رحمه الله:

"المراد به: المدَّاحون النَّاسَ في وجوههم بالباطل، وبما ليس فيهم ...  ولم يُرِدْ به من مدح رجلًا بما فيه، فقد مُدِح رسولُ الله -عليه السَّلام- في الشِّعر والخطب والمخاطبة، ولم يَحْثُ في وجه المدَّاحين، ولا أَمرَ بذلك" انتهى من "شرح صحيح البخاري لابن بطال" (9/254).

والقولُ الثَّاني: أن المنهي عنه من المدح: هو ما كان عادة لصاحبه، كما هي حال الشعراء وأمثالهم، ممن اتخذ المدح بضاعة، وجعله صناعة يستأكل بها أموال الممدوحين.

وأما ما كان على سبيل الندرة، أو القلة: فلا بأس به؛ لا سيما إذا دعت الحاجة إليه.

قال الخطَّابي رحمه الله:

"المدَّاحون: هم الذين اتَّخذوا مدح النَّاس عادةً، وجعلوه بضاعةً يستأكلون به الممدوح.

فأمَّا من مدح الرَّجل على الفعلِ الحسَنِ، والأمرِ المحمودِ يكون منه، ترغيبًا له في أمثاله، وتحريضًا للنَّاس على الاقتداء به في أشباهِه: فليس بمدَّاح" "غريب الحديث" (2/16).

وقال العز بن عبد السلام رحمه الله:

"كذلك المدح المباح: لا يكثر منه، ولا يتقاعد عن اليسير منه عند مسيس الحاجة، ترغيبًا للممدوح في الإكثار مما مدح به، أو تذكيرًا له بنعمة الله عليه ليشكرها، وليذكرها، بشرط الأمن على الممدوح من الفتنة" انتهى من "قواعد الأحكام" (2/209).

القول الثالث: أنَّ المدح المحظورَ هو مدحُ المسلم في وجهه، أو في غَيبتِه إذا علم أنَّ المدح يبلغه، وأمَّا ما كان في غيبتِه، ولم يعلم أنَّه يبلغه فلا حرج فيه.

قال البغويّ رحمه الله:

"وفي الجملة: المدحُ والثَّناء على الرَّجل مكروهٌ؛ لأنَّه قلَّما يسلَمُ المادح من كذبٍ يقولُه في مدحِه، وقلَّما يسلَمُ الممدوحُ من عُجبٍ يدخلُه" انتهى من "شرح السُّنَّة"، للبغوي، 13/150.

وجاء في الفتاوى الهندية (5/ 363):

«مدح الرجل على ثلاثة أوجه: الأول أن يمدح في وجهه؛ وهذا الذي نهي عنه.

والثاني: أن يمدحه بغير حضرته، ويعلم أنه يبلغه: فهذا أيضا منهي عنه.

والثالث: أن يمدحه في حال غيبته، وهو لا يبالي أن يبلغه أو لم يبلغه...، فهذا لا بأس به»

والقولُ الرابعُ: أنَّ مدح المسلم لأخيه مكروهٌ في الجملة.

والمتأمل في الأدلة النصوص الواردة في المسألة وكلام أهل العلم فيها يجد أنَّ الحكم فيها مترتب على أمرين هما:

  1. خشية فتنة الممدوح بمدحه، فيدخله العجب والغرور، أو التَّقاعس والفتُور.
  2. غلبة الكذبِ في مدح المادحين، لا سيَّما عند المبالغة.

فإذا ظننَّا حصول أحد هذين الأمرين في المدح فلا خلاف عندهم في النَّهي عنه.

وإذا أمِنَّا عدمَ تحقُّق شيءٍ من ذلك: فهذا موطن النظر، والتردد؛ وينبغي النظر في الحال، وهل تدعو إلى ذلك، مع مصلحة راجحة، أو تكون السلامة للمادح والممدوح أسلم، والبعد عن الريبة أحكم؟

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (395984)، ورقم: (130126)، ورقم: (531916).

رابعاً:

أما مدح المسلم بعد مماته، فقد جاء في مدح المسلم الميت شواهد عديدة في سنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك:

حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنَّهم مرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَت"، ثمَّ مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: "وجَبَت"، فقال عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: ما وَجَبَت؟ قال: "هَذَا أثنيتُم عليه خيرًا فوجَبَت له الجنَّةُ، وهَذَا أثنيتُم عليه شرًّا فوجَبَت له النَّار، أنتم شُهداءُ الله في الأرضِ" رواه البخاري (1301).

وعن أبي الأسود قال: قدمتُ المدينة وقد وقَعَ بها مرضٌ، فجلستُ إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فمرَّت بهم جنازةٌ فأُثنيَ على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ رضي الله عنه: (وَجَبَت)، ثمَّ مرَّ بأخرى فأُثنيَ على صاحبها خيرًا، فقال عمرُ رضي الله عنه: (وجَبَت) ثمَّ مُرَّ بالثَّالثة فأُثنيَ على صاحبِها شرًّا، فقال: (وجَبَت) فقال أبو الأسود، فقلتُ: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: (قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة" فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد) رواه البخاري (1302).

كما أمر صلى الله عليه وسلم بذكر محاسن الموتى، فقال: "اذكُروا محَاسِنَ موتَاكُم، وكُفُّوا عن مَسَاويهِم" رواه الترمذي (1019) وقال: "هذا حديثٌ غريبٌ، سمعتٌ محمدًا –يعني البخاريَّ- يقول: عمرانُ بن أنسٍ المكِّيُّ منكرُ الحديث، وروى بعضُهم عن عطاءٍ، عن عائشة، قال: وعمرانُ بنُ أبي أنسٍ مصريٌّ، أقدمُ وأثبتُ من عمرانَ بن أنسٍ المكِّيِّ".

ففي هذه الأحاديث لم ينهَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المادحين عن مدح الميِّت، بل عدَّ مدحَهم شهادةً للميِّت، وهو يدُلُّ على الجواز.

وقد سبق بيان أنّ المدحَ إن سَلِم من محذورَين فلا حرج فيه، وهذان المحذوران هما:

1-خشيةُ فتنة الممدوح بمدحه، فيدخله العُجبُ والغرورُ، أو التَّقاعُسُ والفتُورُ.

2-غلبةُ الكذب في مدح المادحين، لا سيَّما عند المبالغة.

ومدح الميِّت لا يتعلَّق به المحذور الأوَّل، ويبقى الثَّاني، فإذا سلم مدح الميِّت من الكذب والمبالغة، ولم يكن على وجه النياحة، وإثارة الأحزان: فلا حرج فيه عندَئذٍ؛ لا سيما إذا ظهرت مصلحته.

والله أعلم

المراجع

الآداب والأخلاق والرقائق
الأخلاق

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android