أوصى أن تأخذ البنت مثل الذكر، بعلم الورثة، فهل يلزم تنفيذ الوصية؟

السؤال: 612406

أبي توفاه الله تعالى، وترك زوجة، و٢ أولاد ذكور، وبنت واحدة، كلنا بالغين، ولقد كتب أبونا رحمه الله تعالى وصية في حياته، بأن ترث البنت بنفس المقدار الذي يرث به إخوانها الذكور، والسبب هو: إنها لم تتزوج، وليس لديها وظيفة حكومية، وليس هناك سبب آخر مثل المرض أو الحاجة الماسة، وكذلك في حياته قد خصها بعقار صغير باسمها دون إخوانها الذكور، هذه هبة منه في حياته لها، وهي الآن تستلم التقاعد الذي يخص الوالد، وهو دخل مدى الحياة تستحقه الابنة الغير متزوجة بعد وفاة والدها، وقد يكون لديها عقار آخر تملكه من مالها الخاص، لا أعلم بذلك، وكذلك لديها عملها الخاص، أسأل الله تعالى أن يبارك لها فيما تملك.
1. هل يجوز العمل بهذه الوصية؛ حيث إن الحاجة لها ليست موجودة من المرض أو الفقر الشديد أو غيرها؟
2. يقول بعض العلماء إن مثل هذه الوصية تجوز برضى الورثة عنها، لم يتم سؤالي سؤالا واضحا وصريحا من قبل والدي في حياته، لكنه أخبرني بذلك مجرد إخبار، وأنا الصراحة لم أفكر بعمق بهذا الموضوع في وقتها، ولم يتم سؤالي بعد وفاة والدي من قبل أمي أو أختي.
٣. هل يعتبر من عدم البر بالأب عدم العمل بالوصية أم العكس؟ أي إن العمل بها يضر والدي في آخرته؟

ملخص الجواب

تحرم الوصية لوارث، ولا تنفذ إلا بموافقة الورثة، والعبرة بالموافقة بعد موت الموصي، لا قبل موته.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

لا تجوز الوصية لوارث؛  لما روى أبو داود (2870) والترمذي (2120) والنسائي (4641) وابن ماجه (2713) عن أَبي أُمَامَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ   صححه الألباني في "صحيح أبي داود".

ولا تنفذ هذه الوصية إلا بموافقة بقية الورثة، فمن أبى ذلك، أخذ نصيبه كاملا.

قال البهوتي رحمه الله في "شرح المنتهى" (2/ 456): "(وتحرم) الوصية بزائد على الثلث لأجنبي، ولوارث بشيء). نص عليه الإمام أحمد. سواء كانت في صحته أو مرضه.

أما تحريم الوصية لغير وارث، بزائد على الثلث، فلقوله صلى الله عليه وسلم لسعد حين قال: أوصي بمالي كله؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال لا. قال: فالثلث. قال: (الثلث، والثلث كثير). الحديث. متفق عليه.

وأما تحريمها للوارث بشيء، فلحديث: إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث. رواه الخمسة إلا النسائي، من حديث عمرو بن خارجة، وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي.

(وتصح) هذه الوصية المحرمة، (وتقف على إجازة الورثة)، لحديث ابن عباس مرفوعا: (لا تجوز وصية لوارث؛ إلا أن يشاء الورثة)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: (لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة)، رواهما الدارقطني، ولأن المنع لحق الورثة. فإذا رضوا بإسقاطه نفذ" انتهى.

وعليه؛ فالوصية بأن تأخذ البنت مثل أخيها: وصية لوارث، وهي محرمة، ولا تصح؛ إلا إذا أجازها الورثة.

ثانيا:

المعتبر في موافقة الورثة على الوصية أو رفضها، هو أن يكون ذلك بعد موت الموصي، فلا عبرة بالموافقة في حياته.

قال ابن قدامة في "المقنع"، ص250: "ولا تصح إجازتهم، وردهم، إلا بعد موت الموصي، وما قبل ذلك فلا عبرة به" انتهى.

وقال الشيخ عبد الله المقدسي: "(‌والاعتبارُ بكونِ مَن وُصِّيَ) له (أو وُهِبَ له) هبةٌ، من مريضٍ (وارثًا أو لا: ‌عندَ ‌الموتِ) أي: موتِ موصٍ وواهبٍ.

فمن وصَّى لأحدِ إخوتِه، أو وهبَه في مرضِه، فحدثَ له ولدٌ، صحَّتا إن خرَجَتا من الثلثٍ؛ لأنَّه ‌عندَ ‌الموتِ ليس بوارثٍ.

وإنْ وصَّى أو وهبَ مريضٌ أخاه، وله ابنٌ، فماتَ قبلَه، وقَفَتا على إجازةِ باقي الورثةِ.

(و) الاعتبارُ (بالإجازةِ) في وصيةٍ، أو عطيةٍ، (أو الردِّ) لأحدِهما: (بعدَه) أي: الموتِ، وما قبلَ ذلك من ردٍّ، أو إجازةٍ، لا عبرةَ به؛ لأنَّ الموتَ هو وقتُ لزومِ الوصيةِ، والعطيةُ في معناها" "شرح دليل الطالب" (3/ 59).

وعلى ذلك؛ فلا عبرة بكونك وافقت على الوصية في حياة أبيك، إنما العبرة في الموافقة: أن يكون ذلك بعد موته، فإذا لم تقبل، لم تنفذ الوصية في نصيبك، وتأخذ نصيبك كاملا.

وعدم إجازتك للوصية: لا يعتبر عقوقا، أم منافيا للبر، لأن الميراث حق كفله الشارع لك، والوصية المحرمة لا يلزمك قبولها.

ثالثا:

يجب على الأب أن يعدل بين أولاده في الهبة؛ لحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا  فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَارْجِعْهُ أخرجه البخاري (2586)، ومسلم (1623).

وفي لفظ لمسلم (1623) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ.

نحلت: أي: أعطيت، من النِّحلة، وهي العطاء.

فما قام به والدك من إعطاء أختك عقارا صغيرا: جَور في الهبة، إلا إن كان قد عرض ذلك على بقية أولاده، فوافقوا على ذلك، حال كونهم بالغين راشدين؛ فإن الموافقة تعتبر هنا عند إعطاء الهبة.

قال في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 436): " وله أي: المعطي التخصيص لبعض الورثة من أقاربه، بإذن الباقي منهم؛ لانتفاء العداوة والقطيعة إذًا، التي هي علة المنع. وكذا التفضيل.

فإن خص بعض أقاربه الوارثين بشيء، أو فضل بعضهم بلا إذنِ الباقي: (رجع) فيما خص به بعضهم، أو فضله به، إن أمكن، (أو أعطى) الباقي (حتى يسووا) بمن خصه أو فضله. نص عليه الإمام أحمد، ولو في مرض موته؛ لأنه تدارك للواجب" انتهى.

فإذا لم يكن التفضيل بموافقة بقية الأولاد، ومات الأب قبل تحقيق العدل، فمن أهل العلم من يقول: تمضي الهبة ولا يعترض عليها، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء.

ومنهم من يقول: ترد الهبة إلى التركة، وتقسم القسمة الشرعية، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "يجب على الرجل أن يسوي بين أولاده في العطية، ولا يجوز أن يفضل بعضا على بعض، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، حيث نهى عن الجور في التفضيل، وأمر برده.

فإن فعل، ومات قبل العدل؛ كان الواجب على من فُضل أن يتبع العدل بين إخوته؛ فيقتسمون جميع المال - الأول والآخر - على كتاب الله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين " انتهى من "مجموع الفتاوى" (31/ 297).

وينظر: جواب السؤال رقم: (225739).

والذي نراه أنه ينبغي إمضاء هذه الهبة، مراعاة للرحم، ولكون الجمهور على إمضائها، وأما الوصية فلك الاعتراض عليها وعدم قبولها.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android