أولاً: تقديم حفظ القرآن والسنة على المتون العلمية:
في الحفظ يُقدَّم حفظ القرآن والسنة على المتون العلمية؛ فيحفظ القرآن الكريم ثم الحديث؛ كأن يحفظ الأربعين النووية ثم عمدة الأحكام أو بلوغ المرام (وهو أوسع)، ويدرس شرحاً لكل متن.
ولا بأس أن يُحفظ بعد القرآن حديث جبريل عليه السلام (أركان الإسلام والإيمان والإحسان) ثم ما يُقيم دينه مما يتعلق بصفة الوضوء والغسل، وصفة الصلاة، وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، ثم عمدة الأحكام.
قال ابن عبد البر رحمه الله: "فأول العلم: حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه" انتهى من "جامع بيان العلم وفضله" (2/321). فيحفظ معنى الكلمات الغريبة لا سيما قصار المفصل ابتداء.
وقال النووي رحمه الله: "وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما، اشتغالا يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان" انتهى من "المجموع" (1/ 38).
قال الميموني: سألت أبا عبد الله أيهما أحب إليك؛ أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا؛ بالقرآن" انتهى من "الآداب الشرعية" (2/33).
قال أبو العيناء: "أتيت عبد الله بن داود، فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث.
قال: اذهب، فتحفظ القرآن. قلت: قد حفظت القرآن. قال: اقرأ: واتل عليهم نبأ نوح ... [يونس: 71]. فقرأت العشر حتى أنفذته، فقال لي: اذهب الآن، فتعلم الفرائض. قلت: قد تعلمت الصلب والجد والكبر. قال: فأيما أقرب إليك: ابن أخيك، أو عمك؟ قلت: ابن أخي. قال: ولم؟
قلت: لأن أخي من أبي، وعمي من جدي. قال: اذهب الآن، فتعلم العربية.
قال: قد علمتها قبل هذين. قال: فلم قال عمر -يعني حين طعن-: يا لله، يا للمسلمين، لم فتح تلك، وكسر هذه؟ قلت: فتح تلك اللام على الدعاء، وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار.
فقال: لو حدثت أحدا، لحدثتك" انتهى من "تهذيب الكمال" (14/466) "سير أعلام النبلاء" (9/351).
"قال ابن خزيمة: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك؛ فاستظهرت القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلي بالختمة؛ ففعلت، فلما عيّدنا أذن لي فخرجت إلى مرو" انتهى من "تذكرة الحفاظ" (2/209).
ثانياً: طريقة الحفظ والتكرار:
قال د. محمد بن محمد المختار الشنقيطي -حفظه الله- في درس شرح زاد المستقنع:
" طريقة حفظ (زاد المستقنع) فهي باختصار:
بالأول تأخذ المادة مكتملة، ولا تزد على سطر واحد.
فإذا تكلم المصنف -مثلاً- عن أقسام المياه في سطرين أو ثلاثة أسطر، فلا تحفظ الثلاثة الأسطر دفعة واحدة، فإذا كانت المادة مكتملة في سطر فخذها، وأما إذا كانت غير مكتملة إلا بثلاثة أسطر فجزئ جزئيات المادة.
فإذا كانت المادة ثلاثة أقسام:
الماء (الطهور) في سطر، و (الطاهر) في سطر، و (النجس) في سطر، فاحفظ أولاً (الطهور)، ولو ذكره في السطرين، فإنه يذكر لك وصفه وحكمه.
فالسطر الأول في وصفه، والثاني في حكمه، فابدأ بوصفه ثم بحكمه.
ولا تحفظ السطر، ولا نصف السطر، إلا وأنت تعرف عنوانه وعن أي شيء يتكلم.
فاكتب السطر ثم أدم النظر إليه، واقرأه على الأقل "عشر مرات بتمعن"، ولا تقرأ إلا بعد تصحيح هذا المتن على عالم، حتى تضبط ويكون حفظك صحيحاً.
وبعد ما تقرأ عشر مرات حاول مرة أن تقرأه غيباً، وتعرَّف على نقاط الضعف في الحفظ في أي العبارات، ثم ارجع وكرر إن استطعت (100) مرة، إن استطعت (200) إذا كنت تريد الحفظ.
أما إذا كنت تريد أن تمشي الحال فكرر (50) مرة أو (40) مرة..
يقولون: إن الأربعين مرة قوية وهي فاتحة الحفظ، هذه فاتحة فقط!" انتهى.
قال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إليّ حتى يعاد خمسين مرة" انتهى من "الحث على حفظ العلم" (ص: 43).
وفي "سير أعلام النبلاء" (11/92): "كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفا وخمسين مرة".
وقال أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله: "كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت أخذت قياسًا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها البيت" "سير أعلام النبلاء" (18/458).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: "وكان أبو إسحاق الشيرازي: يعيد الدرس مائة مرة" انتهى من "الحث على حفظ العلم" (ص: 43).
وقد أثمر هذا التكرار فيه حتى "قيل: إنه كان يحفظ مسائل الخلاف كما يحفظ أحدكم الفاتحة" "طبقات الشافعية" (4/222).
وذكروا أن إلكيا الهراسي رحمه الله "كان يكرر الدرس على كل مرقاة من مراقي درج المدرسة النظامية بنيسابور سبع مرات، وأن المراقي كانت سبعين مرقاة" انتهى من "طبقات الشافعية" (7/232).
(7×7)= 490 مرة . فهو يكرر الدرس 490 مرة.
فمن أراد أن يصل إلى همتهم وحفظهم، فليدع الله عز وجل، ثم ليجتهد.
فائدة (الحفظ الموزّع):
أثبتت التجارب أن الحفظ الموزّع (على فترات في يوم واحد أو أيام) أدعى وأقوى لتثبيت الحفظ، واستقراره في الذهن، من التكرار المتوالي في وقت واحد.
فكون الطالب يكرر النص المراد حفظه خمسة عشر مرة، في فترات متقطعة في نفس اليوم، أو في خمسة أيام مثلاً: أفضل مما لو كرره ثلاثين مرة في آنٍ واحد، وهذا لا يعني أنه لا يحفظ خلال خمسة أيام إلا هذا النص؛ بل يحفظ كل يوم ورده اليومي، على أن يكرر النص خمسة أيام، بأعداد ومقادير متفاوتة، كما قال الزرنوجي رحمه الله: "وينبغي لطالب العلم أن يكرر سبق الأمس خمس مرات، وسبق اليوم الذى قبل الأمس أربع مرات، والسبق الذي قبله ثلاثا، والذي قبله اثنين والذي قبله واحدا فهذا أدعى إلى الحفظ". انتهى من "تعليم المتعلم طريق التعلم" (ص: 47).
فائدة (الحفظ السماعي والبصري):
من طُرق الحفظ المهمة جداً، والتي كان عليها سلفنا الصالح في الصدور الأولى، والتي زهد عامة الناس فيها بسبب دخول بعض طرق التعليم على بلاد المسلمين: (طريقة الحفظ السماعي) وهي لا تقل قوة عن (الحفظ البصري)، كان الرجل يحفظ القصيدة ذات المائة بيت من مرة واحدة، وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم عن طريق السماع، وحفظ الصحابة رضي الله عنهم القرآن والحديث عن طريق السماع والتلقين؛ فقد "كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق، اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه، فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك" انتهى من "معرفة القراء الكبار" (1/41).
وينبغي أن يُعلم أن إدامة النظر في القرآن والسنة، والمتون العلمية وشروحها، وكذلك كثرة سماعها: يجعل النصّ مألوفاً، ويُسَهِّل على الطالب الحفظ. وتكرار قراءة سورة الكهف دليل على ذلك.
"سئل أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري عن دواء للحفظ؟
فقال: إدمان النظر في الكتب". انتهى من "جامع بيان العلم وفضله" (2/ 393).
فوائد تتعلق بالنوم:
1. إعطاء النفس حقها في النوم من أعظم أسباب التركيز في (الحفظ والخشوع).
2. مما ذكره بعض العلماء، وأثبتته الدراسات الحديثة: أن مما يُعين على الحفظ: الحفظ قبل النوم، ثم تكرار ذلك بعده. انظر: كيف تذاكر دروسك (ص:75-77). ولذا كان السلف يحفظون في السحر والفجر. انظر: "الحث على حفظ العلم" لابن الجوزي (ص: 45).
قوة التركيز:
تفاوت الناس في قوة الحفظ بعد توفيق الله تعالى يكمن في قوة التركيز، ولكن مع التدريب [الكثيف، المتوالي، والمستمر] (بهذه الشروط الثلاثة) يقوى التركيز ويذهب شتات الذهن بإذن الله تعالى.
وشتات الذهن يذهب -بإذن الله- مع التدريب على الحفظ، وخطف الأسطر بسرعة وعدم الانتظار الذي يسبب شرود الذهن. وهذا له أثره حتى في التركيز في الصلاة والخشوع في الصلاة.
وأما الحفظ البصري فقراءة النص مع التركيز في شكل الحروف والكلمات والجُمل، ثم رفع البصر مع التكرار يسرّع الحفظ بإذن الله تعالى.
ثالثاً: حفظ المتون بعد القرآن والسنة:
جادة أهل العلم بعد حفظ القرآن، وما تيسر من الحديث: حفظ المتون الصغيرة في كل فن، ويحفظون بعض الألفيات كألفية ابن مالك وألفية العراقي وغيرهما.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:" قد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا ، قالوا لنا : إن الحفظ
لا فائدة فيه ، وإن المعنى هو الأصل، ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة، وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد..."" انتهى من " العلم للعثيمين (ص: 126). وكان كثيراً ما يوصي طلبته؛ ويقول: "احفظوا؛ فإنا لا نتكلم إلا بما نحفظ".
وفي "العلم" للعثيمين (ص: 160):
"لا بد لطالب العلم من مراعاة عدة أمور عند طلبه لأي علم من العلوم:
أولا: حفظ متن مختصر فيه فإذا كنت تطلب النحو، فإن كنت مبتدئًا فلا أرى أحسن من متن الآجرومية؛ لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة،
ثم متن ألفية ابن مالك؛ لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه:
أحصي من الكفاية الخلاصة ... كما اقتضى غنًى بلا خصاصة
وأما في الفقه: فمتن زاد المستنقع؛ لأنه كتاب مخدوم بالشروح والحواشي والتدريس، وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه، لكن هو أحسن من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه، ومن حيث إنه مخدوم.
وأما في الحديث: فمتن عمدة الأحكام، وإن ترقيت فبلوغ المرام، وإن كنت تقول إما هذا أو هذا، فبلوغ المرام أحسن؛ لأنه أكثر جمعًا للأحاديث، ولأن الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ بين درجة الحديث.
وأما في التوحيد: فمن أحسن ما قرأنا متن كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأما في توحيد الأسماء والصفات فمن أحسن ما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهو كتاب جامع مبارك مفيد، وهلم جرا، خذ من كل فن تطلبه متنًا مختصرًا فيه واحفظه.
ثانيًا: عدم الاشتغال بالمطولات، وهذه الفقرة مهمة لطالب العلم، فلا بد لطالب العلم أن يتقن المختصرات أولا حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم يُفيض إلى المطولات.
وقال: "الطريق إلى حفظ القرآن هو: أن يواظب الإنسان على حفظه، وللناس في حفظه طريقان:
أحدهما: أن يحفظه آية آية أو آيتين آيتين أو ثلاثًا ثلاثًا حسب طول الآيات وقصرها.
الثاني: أن يحفظه صفحة صفحة.
والناس يختلفون منهم من يفضل أن يحفظه صفحة صفحة، يرددها حتى يحفظها، ومنهم من يفضل أن يحفظ الآية، ثم يرددها حتى يحفظها، ثم يحفظ آية أخرى كذلك وهكذا حتى يتم.
ثم إنه أيضًا ينبغي، سواء حَفِظَ بالطريقة الأولى أو الثانية: ألا يتجاوز شيئًا حتى يكون قد أتقنه؛ لئلا يبني على غير أساس، وينبغي أن يستعيد ما حفظه كل يوم خصوصًا في الصباح، فإذا عرف أنه قد أجاد ما حفظه أخذ درسًا جديدًا" انتهى من " العلم للعثيمين" (ص: 116).
رابعاً: الشروح، ومسالك أهل العلم فيها:
للعلماء في طريقة أخذهم للعلم في الشروح طريقتان:
الطريقة الأولى: (يحفظون المتن، ويضبطون فهم معنى الشرح بالتكرار، بحيث يستحضر معنى الشرح استحضاراً قوياً، مع حفظ التعاريف، والضوابط، والأركان والواجبات والسنن، وغالباً يحفظون هذه في المتون).
الطريقة الثانية: (وعليه جملة من الفقهاء المتقدمين وبعض المغاربة المعاصرين كالشناقطة): فهم في الجملة يحفظون في كل متن شرحا مختصراً، كحفظهم للمتون وللقرآن والسنة تقريباً، وذلك بكثرة التكرار. وهذه الطريقة أبطأ، لكنها أضبط وأرسخ للحفظ وأبعد عن الخطأ ، وأكثر دقة، وأيسر للطالب في ضبط المعلومة عند تلقيها من شيخه ؛ لأن الطالب المبتديء يربكه أحياناً إعادة الجملة بألفاظ أخرى .
قال أبو العتاهية:
من مُنِح الحفظ وعى ... من ضيَّع الحفظ وهم
"جامع بيان العلم وفضله" (1/ 139).
والطريقة الأولى (طريقة ضبط فهم المعنى): أحياناً يصعب على العالم الشرح للأطفال؛ لأن لغته العلمية تترقى بترقي مستواه العلمي، فيصعب عليه أن يرجع إلى سهولة لغة المستوى الأول.
وأما الشناقطة مثلاً فلا يعانون من هذا، بسبب أنه قد حفظ الشرح الميسر، فلا تتغيّر لغة شرحه للمتن المختصر، ولو علا مستواه العلمي.
وفي كلٍّ خير وتخرج منهما علماء مباركون... وكل على طاقته وعلو همته.
· مثال لطريقة الشناقطة في الحفظ:
"من الذين اشتهروا بتضحياتهم في العلم العلامة ابن الأعمش العلوي، وقد كان رحمه الله صاحب جد وتشمير، ولم يكن صاحب ذكاء (حفظ)، لكن الله عوض له الذكاء بالهمة العالية، ولذلك خرج ليأخذ الملح من السباخ في منطقة الغرب، ليبيعه في بلاد (مالي) -وقد كانت تجارة رائدة إذ ذاك- فجاءه رجل وهو يعمل في قطع الملح في السباخ، فقال: أريد أن أقرأ. فقال: اقرأ، فشرح له الدرس على أبلغ ما يكون، وأحسنه وأجوده، وهو مشتغل بعمله لم يقطعه، فبهر الطالب بذلك فقال له: بأي شيء نلت هذا العلم يا شيخ؟ قال: وهو في انشغاله: ألف غبابٍ ومائة تكريرة. معناه أنه كان يقرأ الدرس ألف مرة، وكان يراجع الشرح مائة مرة " انتهى من " طريقة الحفظ عند الشناقطة"/أرشيف ملتقى أهل الحديث - 5 (2/ 310).
أخيراً..
احفظ إن استطعت، وحفِّظ من يأتمر بأمرك ما أمكن حفظه، فما أصيب من أُصيب بالضعف العلمي مع كثرة السماع، ودعوى العلم، سوى قلة المحفوظات، فالحفظ أداة تثبيت الفهم، وبعض شروح المتون القصيرة يمكن حفظها، فيحفظها من علت همته لذلك.
أما الشروح الطويلة، أو الشروح الموضوعة للمتون الطويلة: فيشق حفظها وتنقضي الأعمار دونها.
والمبتدئ في العلم سبيله الحفظ، فإن صغير السن يمكنه من الحفظ ما لا يمكنه من الفهم، ويكون ما يحفظه رصيدًا ينتظر به انفتاح أبواب الفهم، وبالحفظ يرتاض ذهنه وتقوى حافظته.
وما عندنا من ضعف لا ينبغي أن ننقل عدواه إلى المعافى، فادع من تحب وحفزه وحثه، وحضه على الحفظ والفهم معًا، ولا يؤخّرنّ الحفظ لحين الفهم، ولا يتوهمنَّ تضادا بين الحفظ والفهم، ولا تنافرا، بل هما كسائر الأرزاق، فمن الناس من يُجمع له بينهما، ومنهم من يفتح عليه في أحدهما أكثر من الآخر، أو يفتح عليه في أحدهما دون الآخر، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ مبلغ أوعى من سامع.
تنبيه:
العالم الباقعة المطبوع على الحفظ، الذي يحفظ من مرة واحدة من غير جهد: لا يُقاس عليه، وإن كان بالتدريب قد يصل الإنسان إلى قوته في الحفظ بإذن الله تعالى.. ونلاحظ أن مثل هؤلاء يوصي أحياناً بعدم الحفظ؛ ويقول: يكفي القراءة، ويظن أن الناس مثله يحفظون من مرة واحدة، وما يدري أن الطالب قد يحتاج إلى تكرار عشرات المرات حتى يصل لإتقانٍ مثل إتقانه.
شواهد تاريخية على حفظ المتون والشروح زيادة على ما تقدّم:
وقد ذكرنا أخباراً عن حفظ أبي إسحاق الشيرازي وإلكيا الهراسي رحمهما الله للدرس مئات المرات. وطريقة إتقان ابن الأعمش العلوي الشنقيطي رحمه الله.
" وذكر ابن الشَّطَّي في " مختصر طبقات الحنابلة": 202 .. أحمد بن حُسين، أبو سعيد القدومي النَّابُلُسي أنه كان يحفظُ "تفسيرَ الجلالين" .تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة (3/ 1741).
وقال العلامة حماد الأنصاري رحمه الله : "كدت أحفظ "حاشية الجمل" في التفسير، وذلك أننا ليس لنا في أفريقيا تفسير سواه" انتهى من "المجموع في ترجمة العلامة المحدث الشيخ حماد بن محمد الأنصاري (رحمه الله)" (1/ 437). و"حاشية الجمل على تفسير الجلالين" .
وفي "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" (3/1181):
"وممن يحفظ "شرح النخبة": البدر حسن الدِّمياطي الضَّرير وكاتبُه".
وفي شذرات الذهب (6/ 313 -314):
"شهاب الدين أبو الخير أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرضا ... يكاد يحفظ شرح مسلم ومعالم السنن للخطابي" انتهى.
وفي "شذرات الذهب" ابن العماد (8/ 268):
"شمس الدين محمد بن محمد التونس المالكي الملقب بمغوش ... كان يطالع من حفظه: كلَّ ما أراد من العلوم، ولم يكن عنده كتاب ولا ورقة أصلا وكان يحفظ شرح التلخيص مع حواشيه وشرح الطوالع وشرح المواقف وشرح المطالع" انتهى.
وفي "قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر" (5/264):
"الفقيه عبد الله الجماعي ... وكان عارفا بالفقه والحديث والتفسير، يحفظ تفسير النقاش حفظا جيدا" انتهى.
يقول الشيخ إبراهيم الخرعان - رحمه الله" -: كان الشيخ ابن باز - رحمه الله - يُراجِع عليّ محفوظَه من "زاد المستقنع" كل خميس، من أوله إلى نهايته لا يُخطِئ في حرف منه.
وإذا أتى رمضان قال لي لا تُمسك عليّ من حفظك، بل بالمصحف خشية اللبس .. (وخشية الشيخ ابن باز هنا أن تلتبس الفاء بالواو ونحوها) . الشاهد من قول الشيخ الخرعان: أنّ ابن باز يُراجع القرآن ختمتين، لا يخطئ في كلمة منها"، انتهى
الحاصل:
أما حفظ المتن: فإنه يحفظ عن ظهر قلب.
وأما الشرح: فلك طريقتان: إما الاكتفاء بحفظ المهم منه ، مع إدمان النظر في الشرح وتكراره حتى تستقر جُمله ومعانيه في ذهنك، وإما أن تحفظه كحفظ المتن (وهذا إذا كان الشرح ليس طويلاً). فإذا كان الشرح طويلاً تختصره ثم تحفظ اختصاره.
والطريقة الثانية أقوى وأرسخ، وفي كلٍّ خير.
انظر: إجابات رقم: (171298)، (160836) ، (291684) ، (180634)، (257711)، (153227).
والله أعلم.