الحاصل:
لا بأس بقراءة سورة (ق) بنية الحفظ من القرين بشرط ألا يعتقد سنية ذلك بخصوصه؛ لأنه لم يرد نص في ذلك، وإنما عموم جواز الرقية بالقرآن كله.
حكم قراءة سورة ق تحديداً بنية الحفظ من القرين، ومما يكيده الناس إذا كان هذا الشخص كثير الوساوس والشكوى والضيق والشكوى من قلة البركة .
واستدلال أبي لنصحى بذلك أن العلماء -ولا أدرى من هم- هم الذين يوصون بقراءتها يومياً وتكرارها كعلاج مع عدم وجود دليل .
لقد ناقشت أبي، وقلت له على سورة البقرة أو القرآن كله فالقرآن كله شفاء لماذا تخصيص هذه السورة تحديداً .
مع العلم أني أقول أذكار الصباح والمساء، وأقرأ سورة البقرة على قدر المستطاع يوميا أقرأ منها ما يتيسر. فقال لي: اسألي أي شيخ وانظري ماذا سيقول لك.
الحاصل:
لا بأس بقراءة سورة (ق) بنية الحفظ من القرين بشرط ألا يعتقد سنية ذلك بخصوصه؛ لأنه لم يرد نص في ذلك، وإنما عموم جواز الرقية بالقرآن كله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
الأصل في التداوي الحل والإباحة.
روى مسلم في صحيحه (2199) عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ).
قال القرطبي رحمه الله: "دليل على جواز الرُّقى والتطبُّب بما لا ضرر فيه ، ولا منع شرعيًّا مطلقًا، وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا" انتهى من "المفهم" (18/ 66).
وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ) رواه مسلم (2200).
فهذا يدل على أن الأصل في الرقى، ما دامت معلومة المعنى، وخالية من المخالفات الشرعية هو الجواز، ولو لم يرد فيها نصٌ في الكتاب أو السنة.
وأنها كذلك: اجتهادية، وليست توقيفية، ما لم يكن فيه شرك.
قال البيهقي في "السنن الصغير" (4/ 75):
"والنُّشْرة: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يُظن به مسٌّ من الجن، وكل ذلك إذا كانت الرقية بغير كتاب الله وذكره، فإذا كانت بما يجوز، فلا بأس بها على وجه التبرك بذكر الله"، والله أعلم.
قال الطحاوي رحمه الله: "فدل ذلك أن كل رقية لا شرك فيها، فليست بمكروهة، والله أعلم" انتهى من "شرح معاني الآثار" (4/ 329).
وبوّب ابن حبان في صحيحه (13/463): "ذكر الخبر المصرح بإباحة الرقية للعليل، بغير كتاب الله؛ ما لم يكن شركاً" انتهى.
وقال ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 457):
"وفي الحديث: جواز الرقية بكتاب الله ، ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور مما لا يخالف ما في المأثور" انتهى.
جاء في كتاب "الأم"، للإمام الشافعي رحمه الله (7/241):
"[قال الربيع]: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله. فقلت: وما الحجة في ذلك؟ قال: غير حجة، فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله" انتهى. وانظر: السنن الكبرى، للبيهقي (19/545)، "المجموع"، للنووي (9/65).
ثانياً:
مما تقرر نعرف أن تخصيص سورة (ق) لرقية القرين، أو تخصيص غيرها من السور والآيات، والأدعية والأذكار، مما جرّبه أهل المعرفة: جائز، لا حرج فيه، ولا يدخل في حد البدعة؛ ما دام أنه لا يعتقد أن ذلك التخصيص، أو الترتيب المعين الذي يرتب به رقيته: من السنة المأثورة، وإنما هو ترتيب اجتهادي، دلت عليه قرينة التجربة.
وتخصيص سورة (ق) أولى جوازاً من تخصيص رقية الجاهلية، التي لم ترد في الكتاب والسنة، ولم يكن فيها شرك؛ ومع ذلك: فهي جائزة، لا ينهى عنها؛ فلا بأس بالرقى، ما لم تكن شركا؛ كما صح في الحديث.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (10/ 318):
"وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن" انتهى.
وقد نص عدد من أهل العلم على أن الرقية ليست عبادة محضة؛ فهي من باب التداوي.
قال ابن قدامة رحمه الله: " الرقية: نوع مداواة" انتهى من "المغني" (5/412).
وقال العيني الحنفي رحمه الله: "الرقية ليست بقربة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها" انتهى من "البناية شرح الهداية" (10/281).
وقد سُئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله تعالى :
"ما حكم تخصيص آيات معينة ، وتكرارها بأعداد محددة ، لعلاج أمراض معينة ، مثال : أن يقرأ آيات معينة ، من سورة معينة ، ويكررها بأعداد محددة لمرض السرطان مثلاً ، وغيرها لمرض آخر إلى غير ذلك ؟
فأجاب : قال الله تعالى : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ). فظاهر الآية أن من القرآن آياتٍ تكون قراءتها سببا للشفاء والرحمة.
وقيل: إن ( مِنَ ) لبيان الجنس ؛ أي إن جنس القرآن شفاء ورحمة.
ولا شك أن هناك آيات ورد فيها ما يدل على الاستشفاء بها ، وقد ثبت في حديث أبي سعيد قراءة سورة الفاتحة كعلاج للديغ ، فأقر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( وما أدراك أنها رقية ) ، وفي حديث آخر: ( فاتحة الكتاب شفاء من كل داء ) .
وثبت أن آية الكرسي سبب للحفظ من وسوسة الشيطان ، ورويت آثار عن السلف من الصحابة والتابعين في العلاج ببعض الآيات القرآنية والأدعية النبوية.
وجربت آيات السحر الثلاث في سورة الأعراف ويونس وطه ؛ فوجدت مؤثرة في حل السحر وفي علاج المحبوس عن أهله. وكذا قراءة المعوذتين.
ولا بأس بتكرار القراءة والاستعاذة ، كما ورد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث في يديه بعد جمعهما ، ويقرأ آية الكرسي وسورتي الإخلاص والمعوذتين ، ويمسح بهما ما أقبل من جسده ) ، فلا إنكار على من فعل ذلك أو نحوه ، والله أعلم " انتهى .
الحاصل:
لا بأس بتعيين سورة (ق) بنية الحفظ من القرين. بشرط ألا يعتقد سنية ذلك بخصوصه؛ لأنه لم يرد نص في ذلك، وإنما عموم جواز الرقية بالقرآن كله. وتكرارها وعدم تكرارها لا فرق في الحكم.
انظر: إجابة رقم: (223505)، ورقم: (588598).
وانظر: "الرقى الشرعية بين الاجتهاد والتوقيف"، عبدالله آل سيف.
والله أعلم
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟
موضوعات ذات صلة