الأولى عدم دعاء الاستفتاح في الصلاة بغير الوارد ، والتزام المأثور في ذلك.
ما حكم الدعاء بالاستفتاح في الصلاة بغير المأثور؟
السؤال 619003
بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة، هل يجوز للمصلي أن يدعو بدعاءٍ عام من عنده (كطلب المغفرة أو الهداية أو التوفيق) إذا كان صحيح المعنى، ولا يشتمل على مخالفة شرعية، أم إن دعاء الاستفتاح في الصلاة يقتصر فقط على الصيغ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُشرع غيرها؟
أرجو بيان الحكم مع الدليل، وهل القول بغير المأثور جائز أم خلاف السُّنّة فقط؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
لا تبطل الصلاة بالدعاء غير الوارد في الصلاة في دعاء الاستفتاح أو غيره، لكن يبقى هل هو واجب أو مستحب لوروده في الأثر، أو غير مشروع.
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (22/475):
"إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه مستحب أو علم أنه جائز غير مستحب: لم تبطل صلاته بذلك؛ فإن الصلاة إنما تبطل بكلام الآدميين، والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين؛ بل هو كما لو أثنى على الله بثناء لم يشرع له؛ وقد وجد مثل هذا من بعض الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناء لم يشرع له في ذلك المكان، بل بيّن ما له فيه من الأجر".
ثانيًا:
للعلماء اتجاهان في دعاء الاستفتاح في الصلاة بغير المأثور، هل يجوز، أو لا يشرع؟
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك:
قال الإمام الشافعي رحمه الله في "الأم" (2/242):
"وإن قال غيرها، من ذكر الله وتعظيمه: لم يكن عليه فيه شيء، إن شاء الله تعالى" انتهى.
ولذا أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي أتى بذكرٍ في الاستفتاح لم يَسبق أن علَّمه إياه.
ففي صحيح مسلم عن أنس، أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفَزَه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أَيُّكُمُ الْـمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟. فأرَمَّ القوم (أي: سكتوا). فقال: أَيُّكُمُ الْـمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا. فقال رجل: جئتُ وقد حفزني النفس، فقُلْتُها. فقال: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا رواه مسلم في "صحيحه"، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، حديث رقم (600).
وترجم عليه أبو داود في "سننه": "باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء".
وفي "سنن النسائي": " باب نوع آخر من الذِّكْر بعد التَّكبير".
وقال ابن عبد البر رحمه الله: في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعل هذا الرجل وتعريفه الناس بفضل كلامه، وفضل ما صنع من رفع صوته بذلك الذكر: أوضح الدلائل على جواز ذلك الفعل من كلِّ من فعله على أي وجهٍ جاء به؛ لأنَّه ذكر الله وتعظيمٌ له يصلح مثله في الصلاة سرًّا وجهرًا انتهى من "التمهيد" (16/198). وانظر: فتح الباري لابن حجر (2/287).
وقد روى مسلم في صحيحه (399) عَنْ عَبْدَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
وعن الأسود قال: كان عمر إذا افتتح الصلاة رفع صوته يُسمعنا يقول: سبحانك اللهمَّ وبحمدك... رواه ابن أبي شيبة في مصنَّفه (2/396). قال ابن رجب رحمه الله: صح هذا عن عمر بن الخطاب، رُويَ عنه من وجوه كثيرة انتهى من "فتح الباري" لابن رجب (6/377).
وممن ذهب إلى أنه موقوف أحمد وابن خزيمة والبيهقي. انظر: "مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه" (2/ 509)، "صحيح ابن خزيمة" (١/٢٣٨ - ٢٤٠) (١/٥٢٩ - ٥٣٣)، "السنن الكبرى" للبيهقي (٢/٣٤)، "الفتح" لابن رجب (٤/ ٣٤٦)، "فضل الرحيم الودود" (8/402).
ومما يُستدل للقائلين بأنه يجوز الاستفتاح بغير المأثور بما رواه ابن أبي شيبة في المصنَّف (2/404)، من طريق: أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي الخليل، عن عليٍ، قال: سمعته حين كبَّر في الصلاة، قال: لا إله أنت سبحانك، إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
وعلي هو راوي حديث الاستفتاح المشهور: وَجَّهتُ وَجْهِي ....
وفي "فتح الباري" لابن رجب (7/348): "روى جعفر الفريابي في (كتاب الذكر) بإسنادٍ صحيحٍ، عن ابن عمر، أنه رأى رجلاً دخل في الصلاة، فكبر، ثم قال: اللهم اغفر لي وارحمني، فضرب ابن عمر منكبيه، وقال: أبدأ بحمد الله عز وجل والثناء عليه"، وهذا يدل على استحباب ذلك عند افتتاح الصلاة" انتهى.
وروى عبد الرَّزَّاق الصنعاني في "المصنَّف" (2/76) عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الهيثم بن حنشٍ، أنه رأى ابن عمر وصلى معه إلى جنبه، فقال: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، اللهمَّ اجعلك أحب شيءٍ إلي، وأحسن شيءٍ عندي.
وفي "المصنَّف" (2/81) عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: هل من قولٍ إذا كبَّر المرء قبل أن يقرأ؟
فقال: بلغنا أنَّه يقال: إذا استفتح المرء: فليكبِّر، وليحمد، وليذكر، وليسأل إن كانت له حاجةٌ قبل القراءة، قال: ولم يبلغني قولٌ مسمَّى إلا كذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز يُشرع من دعاء الاستفتاح إلا الوارد المأثور، بل المشهور من ذلك الوارد، لا سيما في الفريضة. وهذا هو مذهب الأحناف:
قال الكاساني رحمه الله في "بدائع الصنائع" (1/202):
"وجه ظاهر الرواية: قوله تعالى وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور/ 48]. ذكر الجصاص عن الضحاك عن عمر - رضي الله عنه - أنه قول المصلي عند الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك. ورَوى هذا الذكر عمر وعلي وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول عند الافتتاح.
ولا تجوز الزيادة على الكتاب، والخبر المشهور، بالآحاد.
ثم تأويل ذلك كله: أنه كان يقول ذلك في التطوعات، والأمر فيها أوسع، فأما في الفرائض، فلا يزاد على ما اشتهر فيه الأثر، أو كان في الابتداء ثم نسخ بالآية، أو تأيد ما روينا بمعاضدة الآية" انتهى.
والقول الثالث، وهو وسط بين القولين: أن الدعاء بغير المشروع، مما هو في معناه: سائغ، غير مكروه؛ إلا أن المستحب والأفضل: أن يقتصر في دعائه على ما ورد من الأدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام.
قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى"، بعد ذكره حديث: "يبتدرونها" (22/475):
"وهذا تحقيق قول أحمد؛ فإنه لم يبطل الصلاة بالدعاء غير المأثور؛ لكنه لم يستحبه؛ إذ لا يستحب غير المشروع، وبين أن التخيير عاد إلى المشروع، والمشروع يكون بلفظ النص، وبمعناه إذ لم يقيد النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بلفظ واحد، كالقراءة" انتهى.
وفي "الإقناع" للحجاوي (1/115): "ثم يستفتح سرًا؛ فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
ويجوز، ولا يكره: بغيره مما ورد" انتهى.
قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه (1/ 269):
"ولست أكره الافتتاح بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" على ما ثبت عن الفاروق -رحمه الله- أنه كان يستفتح الصلاة، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خبر علي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهما، بنقل العدل عن العدل موصولا إليه - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي، وأولى بالاستعمال، إذ اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل وخير من غيرها" انتهى.
والأولى أن يقتصر في استفتاحه على الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان يحفظها، أو بمقدوره أن يحفظها. وإلا؛ فبالمأثور عن أصحابه، إن كان يحفظه. وإلا؛ فليفهم معانيها، وليكن دعاؤه واستفتاحه نحوا منها، أو قريبا من ذلك، إن قدر عليه.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟