هل يجوز جعل حفظ القرآن عقوبة تعزيزية بديلة؟

السؤال 622921

أنا مشرف على مركز إصلاحي، وعند حصول بعض المخالفات التي تستحق العقوبة، أفرض على مرتكبها عقوبة بأن يحفظ جزءا من القرآن خلال مدة معينة، ونسميها العقوبات البديلة، فهل هذا جائز؟

ملخص الجواب

يجوز جعل حفظ جزء من القرآن عقوبة تعزيرية؛ لأن التعزير بابُه واسعٌ ومفوض لاجتهاد القاضي أو المسؤول.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

مصطلح "العقوبات البديلة" مستحدث، ولم يكن معروفا لدى المتقدمين، وقد عرفه بعض الباحثين بأنه: مجموعة من التدابير التي تحل محل السجن لإصلاح الجاني وحماية الجماعة.

ومن ذلك أن يحكم القاضي على شخص بعقوبة السجن مدة معينة تعزيرا له، ثم يجعل من شروط التخفيف من مدة السجن أن يقوم السجين بحفظ القرآن أو أجزاء منه، أو يجعل حفظ القرآن بديلا عن العقوبة التعزيرية ابتداء. ينظر "بدائل السجن، لحجاب الذيابي" (ص: ۱۸۱).

ثانياً:

مسألة جعل حفظ القرآن بديلا عن عقوبة تعزيرية تندرج تحت مسألة أخرى أوسع منها، وهي الإلزام بالأعمال التعبدية المحضة في العقوبة التعزيرية.

والعبادات المحضة: هي التي دل الدليل على تحريم صرفها لغير الله تعالى كالصلاة والصوم والصدقة والجهاد وتلاوة القرآن أو حفظه، ونحو ذلك. ينظر : "المغني" لابن قدامة (8/ 141).

وظاهر النصوص تدل على جواز جعل العبادة المحضة عقوبة تعزيرية فمن ذلك:

1. حديث أبي هريرة له قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: (وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين)، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال فقال: (لو تأخر لزدتكم) كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا" رواه البخاري برقم (١٩٦٥)، ومسلم (۱۱۰۳).

وجه الاستدلال هذا الحديث أصل في التعزير بالأعمال التطوعية التي هي من قبيل العبادات المحضة القاصرة، لأن قوله : (كالتنكيل لهم) نص صريح في العقوبة بالصيام، وقد أخرجه البخاري في باب: (كم التعزير والأدب).

2. القياس على الكفارات التي رتبها الله على بعض المخالفات الشرعية ككفارة القتل وكفارة الظهار، وكفارة اليمين، فقد جعل الشارع منها زواجر بأعمال تعبدية محضة، كالصوم والصدقة، والعتق.

جاء في "فيض الباري على صحيح البخاري" (3/ 342):

"الكفارة بالصيام ‌تعزير، وليس بدلا عن الصوم" انتهى .

وقال السرخسي رحمه الله:

"‌الكفارات ‌أجزية ‌الأفعال، وهي مشروعة للزجر عن ارتكاب أسبابها" انتهى من "المبسوط للسرخسي" (19/ 40).

وإذا كانت كذلك فيصح قياس التعزير بعمل العبادات المحضة - كحفظ القرآن عليها.

3. نية السجين بالعبادة التخلص من عقوبة السجن مع نية التقرب إلى الله لا يقدح في إخلاصه، وهو من باب التشريك في النية الذي دلت النصوص على جوازه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه) رواه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١).

فهو يدل على أنه لا يقدح في إخلاص المجاهد في سبيل الله نيته بقتل الكافر الظفر بسلبه مع نية التقرب إلى الله تعالى .

قال ابن الأمير الصنعاني رحمه الله:

"قوله (من قتل قتيلا ‌فله ‌سلبه) قبل القتال دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم من القتال ، بل ما قاله إلا ليجتهد السامع في قتال المشركين ، وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة" ولا يخفى أن الأخبار هذه دليل على جواز تشريك النية إذ الإخبار به يقتضي ذلك غالبا" انتهى من "سبل السلام" (4/ 464 ط الحديث):

4. ما ورد في بعض الأدلة مما خُفّف فيه العقوبة السابقة للشخص والفضيلة السابقة كاللاحقة، بل هي أولى ، ومن هذه الأدلة:

الأدلة : قصة حاطب بن أبي بلتعة الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رفع عنه العقوبة بسابقته ، وهي كونه من أهل بدر . الأحكام الفقهية للأعمال التطوعية وتطبيقاتها المعاصرة (ص: ١٤٢).

5. الأخذ بالقاعدة المعروفة في الشريعة، وهي: جلب المصالح وتحصيلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهذه القاعدة تنطبق على التعزير بحفظ القرآن ومن المصالح المترتبة على ذلك تحقيق جميع الحكم التي شرع من أجلها التعزير بالعقوبات الأخرى : كالسجن والضرب والتشهير ونحوها، ومنها زجر الجاني وإصلاحه وتهذيبه، وردع غيره، ورد حق المجتمع، بل ويزيد عليها بتحقيق مصالح أخرى، منها :

* شغل وقت الفراغ لدى المحكوم عليه، وهذا الفراغ سبب كل بلية ومفسدة.

* إبعاد المحكوم عليه عن نزلاء السجون الذين ارتكبوا أصنافا متعددة من الجرائم، مما يخشى عليه من اختلاطه بهم بزيادة فساده وتعلمه جرائم أخرى لم يعرفها من قبل، خصوصا وأن السجن أكثر أنواع التعازير شيوعًا في هذا العصر.

* إن إعفاء السجين عن السجن مقابل حفظه أجزاء من القرآن فيه محافظة لأسرته من الضياع ولم شملهم من التفرق . ينظر : "بدائل السجن" (ص: ١٨٥).

6. ان التعزيز لا ينحصر بعقوبات معينة، بل هو اجتهادي، ويفوض القاضي في الاجتهاد في تقديره.

قال ابن القيم رحمه الله:

"فإن ‌التعزير ‌لا ‌يتقدَّر ‌بقدر ‌معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها. وعمر بن الخطاب قد تنوَّع تعزُيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس، وتارةً بالنفي، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وتارةً بتحريق حانوت الخمار. وكذلك تعزير الغالِّ، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه، وتعزيرُ مانع الصدقة بأخذِها وأخذِ شطر ماله معها، وتعزيرُ كاتم الضالَّة الملتقطة بإضعاف الغُرم عليه. وكذلك عقوبةُ سارقِ ما لا قطعَ فيه يُضعَف عليه الغُرم. وكذلك قاتل الذمي عمدًا أضعفَ عليه عمر وعثمان ديته، وذهب إليه أحمد وغيره". أعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 302 ط عطاءات العلم)

وقد ظهر في هذا العصر ثمرات وعوائد في جعل حفظ القرآن عقوبة تعزيرية، حيث ذكر بعض القضاة صلاح من طبق عليهم ذلك، لاسيما بعد ارتباطهم بحلقات حفظ القرآن، والتزامهم بصلاة الجماعة، فكان ذلك سببا لتوبتهم إلى الله تعالى، فهذا يحقق مقصدا شرعيا، وهو صلاح الجاني، فلا مانع من التعزير به. ينظر: "النوازل الفقهية المتعلقة بالقرآن الكريم" (ص: 676). و"الموسوعة الميسرة في فقه القضايا المعاصرة".

وقد جاء في تعميم مجلس القضاء الأعلى رقم (1650/ت) وتاريخ 23-03-1442هـ:

"يسقط حفظ القرآن الكريم كاملاً مع إتقان أحكامه نصف مدة المحكومية، بينما يُعفى عن أجزاء من العقوبة لمن يحفظ أجزاء من القرآن".

وبناء على ما تقدم: فإنه يجوز لك كمسئول عن الإصلاحية أن تجعل عقوبة بعض المخالفات التي تستوجب التعزير بإلزام المخالف بحفظ قدر معين من القرآن .

وينظر للفائدة الفتاوى التالية في الموقع: (138334)، (135583).

والله أعلم.

المراجع

الحدود والتعزيرات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android