أولًا:
هذا الحديث رواه البخاري (6898): عن سَعِيد بْن عُبَيْدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أخبَرَهُ: (أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، وَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، وَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا. قَالُوا: مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا. فَانْطَلَقُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا.
فَقالَ: الْكُبْرَ الْكُبْرَ. فَقالَ لَهُمْ: تَأتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟.
قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ. قالَ: فَيَحْلِفُونَ. قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِئَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ).
ورواه الإمام مسلم (1669) من نقس الطريق مكتفيا من متنه بالفقرة الأخيرة، فرواه من طريق سَعِيد بْن عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا.
وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ).
وهذه الرواية أوردها الإمام البخاري في "الصحيح"، ورجّح صحتها الإمام النسائي، فقال رحمه الله تعالى: "لا نعلمُ أنَّ أحدًا تابعَ سعيدَ بنَ عبيدٍ الطائيَّ على لفظِ هذا الحديثِ عن بشيرِ بنِ يسارٍ، وسعيدُ بنُ عبيدٍ ثقةٌ، وحديثُه أولى بالصَّوابِ عندنا، والله أعلم." انتهى. "السنن الكبرى" (6 / 324).
غير أنّ سَعِيدَ بْن عُبَيْدٍ قد خالفه من هو أوثق منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاري الثبت الثقة.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الامام أبو سعيد الأنصاري ...: حافظ فقيه حجّة" انتهى. "الكاشف" (2 / 366).
وحديثه متفق عليه، رواه البخاري (3173)، ومسلم (1669): عن يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قالَ: (انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إلى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وهو يَتَشَحَّطُ فِي دَمٍ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ. وهو أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا، فَقالَ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ. قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ. فقالوا: كَيْفَ نَأخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟! فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ).
ثانيًا:
قد نص بعض كبار أئمة الحديث على ترجيح رواية يحيى بن سعيد هذه، وحكموا على رواية سَعِيد بْن عُبَيْدٍ بالغلط.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"وقد ذكر الأئمَّة الحفَّاظ أنّ رواية يحيى بن سعيد أصحّ من رواية سعيد بن عُبيدٍ الطّائي، فإنّه أجلّ وأعلم وأحفظ، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيّين" انتهى. "جامع العلوم والحكم" (2 / 232).
ومنهم الإمام أحمد ومسلم رحمهما الله تعالى.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"وقد حكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعَّف حديث سعيد بن عُبيد هذا، عن بُشَير بن يسار، وقال: الصحيح عن بُشَير بن يسار ما رواه عنه يحيى بن سعيد. قال أحمد: وإليه أذهب" انتهى. "التمهيد" (15 / 146).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"وقد ذكر الإِمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيء، رواه على ما يقول الكوفيون" انتهى. "جامع العلوم والحكم" (2 / 232).
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
"وتواطؤ هذه الأخبار الَّتي ذكرناها بخلاف رواية سعيد، يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسَامَة.
وغير مُشكل على من عقل التمييز من الحفَّاظ من نقلة الأخبار، ومن ليس كمثلهم، أنَّ يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنًا في طريق العلم وأسبابه. فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إيَّاه حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار، لكان الأمر واضحًا في أنَّ أولاهما بالحفظ يحيى بن سعيد، ودافعًا لما خالفه" انتهى. "التمييز" (ص194).
لذا لما استشكلت جملة: (فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) بأن الديات ليست مصرفا من مصارف الزكاة الثمانية؛ أجيب عن هذا الإشكال بغلط هذه الرواية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"قوله: (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) زعم بعضُهم أنَّه غلطٌ من سعيد بن عبيد؛ لتصريح يحيى بن سعيد بقوله: (مِنْ عِنْدِهِ)" انتهى. "فتح الباري" (12 / 235).
لكن الحكم بغلط هذه اللفظة قد يستبعد؛ لأن الأئمة النقاد، أحمد، ومسلماً في "التمييز"، وغيرهما، لما أشاروا إلى غلط رواية سعيد بن عبيد، لم يتكلموا عن هذه اللفظة، ولا استنكروها، وإنما أعلُّوا الحديث بغير ذلك.
انظر: "أوهام المحدثين الثقات" (5/513-515)، "منهج الإمام أحمد في إعلال الحديث" (2/878-880).
ثم من حيث المعنى؛ فهذه العبارة: (فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) موافقة لحال النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف من سيرته أنه كان يملك مثلَ هذا العدد من الإبل ولا نصفه.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى:
"النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجتمع عنده ممَّا يصير له في سُهمانه من الإبل ما يبلغ مائةً؛ لإعطائه لها وتفريقها على أهل الحاجة" انتهى. "شرح صحيح البخاري" (8 / 545).
بل ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان أحيانا ينتظر إبل الصدقة ليقضي بعض الدّيون، كما سيأتي.
ثالثًا:
قد أجاب أهل العلم عن هذا الإشكال في رواية: (فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ) بأجوبة عدّة؛ تجمع بينها وبين رواية: (فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ)، وتبيّن علاقة ذلك بمصارف الزكاة، أقوى هذه الأجوبة:
الجواب الأول:
أن يكون القضاء من إبل الصدقة، بمعنى أنه لما جاءت إبل الصدقة وفُرِّقت على مستحقيها اشتراها منهم، فأدى الدية، فيكون صلى الله عليه وسلم أدّى الدية من عنده لا من مال الزكاة.
قال النووي رحمه الله تعالى:
"وأمَّا قوله في الرواية الأخيرة: (مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ)، فقد قال بعض العلماء: إنَّها غلطٌ من الرُّواة؛ لأنَّ الصَّدقة المفروضة لا تُصرَف هذا المصرِف، بل هي لأصنافٍ سمَّاهم الله تعالى. وقال الإمام أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث، فأخذ بظاهره. وقال جمهور أصحابنا وغيرهم: معناه أنَّه اشتراها من أهل الصَّدقات بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرُّعًا إلى أهل القتيل ...
فالمختار ما حكَيْناه عن الجمهور: أنَّه اشتراها من إبل الصَّدقة" انتهى. "شرح صحيح مسلم" (11 / 148).
فتكون هذه القضية شبيهة بما رواه الإمام مسلم (1600): عَنْ أَبِي رَافِعٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً).
فقد جاءت رواية أخرى مفسرة لهذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى هذا البعير الذي قضى به الدين.
روى البخاري (2390)، ومسلم (1601): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلًا تَقاضَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحابُهُ، فقالَ: دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا، واشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فأَعْطُوهُ إِيَّاهُ. وَقالُوا: لا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ. قالَ: اشْتَرُوهُ، فأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضاءً).
قال النووي رحمه الله تعالى:
"قوله: (فقدَّمت عليه إبلُ الصَّدقة إلى آخره). هذا ممَّا يُستشكل، فيُقال: فكيف قضى من إبل الصَّدقة أجودَ من الذي يستحقُّه الغريم، مع أنَّ الناظر في الصَّدقات لا يجوز تبرُّعُه منها؟ والجواب: أنَّه صلى الله عليه وسلم اقترض لنفسه، فلمَّا جاءت إبل الصَّدقة اشترى منها بعيرًا رباعيًّا ممَّن استحقَّه، فملكه النبي صلى الله عليه وسلم بثمنه، وأوفاه متبرِّعًا بالزيادة من ماله. ويدلُّ على ما ذكرناه رواية أبي هريرة التي قدَّمناها، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اشتروا له سنًّا). فهذا هو الجواب المعتمد" انتهى. "شرح صحيح مسلم" (11 / 37).
الجواب الثاني:
أن يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تحمّل الدية لأجل الإصلاح، فأصبح من الغارمين لمصلحة الغير، والغارمون لمصلحة الغير وللإصلاح هم من مصارف الزكاة، ومال الزكاة وإن كان لا يحلّ للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنّه في هذه الصورة لم يتملكه لنفسه، بل لغيره للإصلاح.
قال الخطابي، رحمه الله: يشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاه ذلك من سهام الغارمين، على معنى الحَمالة في إصلاح ذات البين، إذ كان قد شجر بين الأنصار وبين أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد بها منهم، فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات. انتهى، من معالم السنن (2/ 65).
وقال ابن الطلاع رحمه الله تعالى:
"وإنَّما أعطى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الديةَ من إبل الصَّدقة، من حقّ الغارمين الذين جعل الله عز وجل لهم سهما في الصَّدقة، إذْ لم يتيقَّن أنَّ يهوديّا قتله" انتهى. "أقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" (ص15).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ساق جملة من التوجيهات لهذه الرواية:
"وأقرب من هذا كلّه أن يُقال: لمَّا تحمَّلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لإصلاح ذات البين بين الطائفتين، كان حكمها حكم القضاء عن الغارم، لِما غرمه لإصلاح ذات البين. ولعلَّ هذا مرادُ من قال: إنَّه قضاها من سهم الغارمين، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منها لنفسه شيئًا، فإنَّ الصَّدقة لا تحلُّ له، ولكن جرى إعطاء الدية منها مجرى إعطائها للغارم لإصلاح ذات البين. والله أعلم" انتهى. "زاد المعاد" (5 / 18).
وينظر للفائدة: شرح صحيح البخاري لابن بطال (8/ 545).
وهذا يشبه ما رواه مسلم (1044): عَنْ كِنَانَة بْن نُعَيْمٍ الْعَدَوِيّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: (تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: ...) الحديث.
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
"قوله: تحمَّلتُ حَمالة؛ أي: ألزمتُها نفسي. والحمالة: ما لزم الإنسان تحمُّلَه من غرم أو دية.
وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرما في دية أو غيرها، قام أحدهم فتبرَّع بالتزام ذلك والقيام به، حتى ترتفع تلك الثائرة. ولا شكَّ أنَّ هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدر مثلُه إلا عن سادات الناس وخيارهم. وكانت العرب، لكرمها، إذا علمت بأنَّ أحدًا تحمَّل حمالة، بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يتمُّ به وجه مكرمته، وتبرأ به ذمته. ولو سأل المتحمِّل في تلك الحمالة، لم يُعَدَّ ذلك نقصا، بل شرفا وفخرا. ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حمالته التي تحمَّلها، على عاداتهم، فأجابه صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة، ووعده النبي صلى الله عليه وسلم بمالٍ من الصدقة؛ لأنَّه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات" انتهى. "المفهم" (3 / 87).
ففي رواية عند ابن حبان "الإحسان" (8 / 85)، وعبد الرزاق في "المصنف" (10 / 160)، بإسناد صحيح: (بَلْ نَحْمِلُهَا عَنْكَ يَا قَبِيصَةُ، وَنُؤَدِّيهَا إِلَيْهِمْ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ).
الجواب الثالث:
أن يكون أعطى لأهل القتيل مائة من الإبل في صورة الدية، لكن بنيّة الزكاة لأنهم كانوا مستحقين للصدقة، لفقرهم، فتكون قد وضعت هذه الصدقة في مصرف الفقراء والمساكين، وتكون من عند النبي صلى الله عليه وسلم أي من جهته، لأنه القائم على مصارف الزكاة وقسمتها.
قال القرطبي رحمه الله تعالى:
" [يحتمل] أن يكون أولياءُ القتيلِ مستحقّين للصدقة، فأعطاها إيّاهم في صورة الدِّيَة؛ تسكينًا لنفرتهم، وجبرًا لهم، مع أنّهم مستحقّون لها" انتهى. "المفهم" (5 / 16).
وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى:
" وقيل: كان ولاةُ الدم فقراء، فأعطاهم من إبل الصَّدقة. يوضِّحه حديث "الموطَّأ":(خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ)"انتهى. "التوضيح" (31 / 431).
وهذا أضعف الوجوه المذكورة في تأويل الحديث.
قال النووي، رحمه الله: وهذا تأويل باطل؛ لأن هذا قدر كثير لا يُدْفع إلى الواحد الخامل من الزكاة، بخلاف أشراف القبائل. ولأنه سماه دية. انتهى، من شرح النووي على مسلم (11/ 148).
والله أعلم.