القول الأشبه بالصواب في تأويل هذا الحديث: أن أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها كانت من محارم النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخلوة بالأجنبية حرمت لأنها وسيلة للفاحشة، والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم.
ما توجيه دخول النبي صلى الله عليه وسلم على أم حرام بنت ملحان؟
السؤال 631461
ما هو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخول الرسول عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ، وقيل إنه لم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، هل القصة صحيحة؟ وهل هذا له تفسير أو توضيح ؟ وهل هذا يعد من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الخلوة بالنساء غير المحارم ومسهن؟ وما سبب هذا التخصيص؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
روى البخاري (2788 – 2789)، ومسلم (1912): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ على أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ.
قالَتْ: فَقُلْتُ: وَما يُضْحِكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ مُلُوكًا على الأَسِرَّةِ أَوْ: مِثْلَ المُلُوكِ على الأَسِرَّةِ -شَكَّ إِسْحَاقُ-.
قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعا لَها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ وَضَعَ رَأسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهو يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. كَما قالَ فِي الأَوَّلِ.
قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
قالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عن دَابَّتِها حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ).
أم حرام بنت ملحان: كانت زوجة لعبادة بن الصامت، وأختها أم سليم زوجة أبي طلحة، وأم أنس بن مالك راوي الحديث، رضي الله عنهم أجمعين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الدخول عليهما.
روى البخاري (2844)، ومسلم (2455): عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلَّا على أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ؟
فَقالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا؛ قُتِلَ أَخُوها مَعِي).
وقد اختفلت أنظار العلماء في توجيه هذه الأخبار؛ لأن من شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم النهي عن الدخول على النساء الأجنبيات والاختلاط بهن.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: الحَمْوُ المَوْتُ) رواه البخاري (5232) ومسلم (2172).
فذهب جمع من أهل العلم؛ إلى أنه كان يدخل عليهما لوجود قرابة ومحرمية، وبأنهما خالتاه، مع اختلافهم في توجيه سبب هذه المحرمية، فقيل من النسب، وقيل من الرضاعة.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"وأمّ حرام هذه: هي خالة أنس بن مالك، أخت أمّ سُليم بنت ملحان أمّ أنس بن مالك، وقد ذكرناهما ونسبناهما وذكرنا شيئا من أخبارهما في كتابنا كتاب "الصحابة"، فأغنى عن ذكره هاهنا، وأظنّها أرضعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أو أمّ سليم أرضعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فحصلت أمّ حرام خالة له من الرّضاعة، فلذلك كانت تفلي رأسه، وينام عندها، وكذلك كان ينام عند أمّ سُليم، وتنال منه ما يجوز لذي المَحْرَم أن يناله من محارمه.
ولا يشكّ مسلم أنّ أمّ حرام كانت من رسول اللَّه بمَحْرم، فلذلك كان منها ما ذكر في هذا الحديث، واللَّه أعلم.
وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي محمدٍ الباجيّ عبد اللَّه بن محمد بن عليّ، أنّ محمد بن فُطيس أخبره، عن يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنّما استجاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن تفلي أمّ حرام رأسه، لأنّها كانت منه ذات مَحْرَم من قِبَل خالاته؛ لأنّ أمّ عبد المطّلبِ بن هاشم كانت من بني النّجّار.
وقال يونس بن عبدِ الأعلى: قال لنا ابن وهب: أمّ حرام إحدى خالات النبيّ صلى الله عليه وسلم من الرّضاعة، فلهذا كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه.
قال أبو عمر: أيّ ذلك كان، فأمّ حرام مَحْرم من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ..." انتهى. "التمهيد" (1 / 438).
وقال ابن بطال رحمه الله تعالى:
"قال المهلب: كانت أم حرام خالة النبى صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فلذلك كان ينام في حجرها، وتفلى رأسه.
قال غيره: إنما كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بنى النجار، وكان يأتيها زائرا لها، والزيارة من صلة الرحم" انتهى. "شرح صحيح البخاري" (5 / 10).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وقال ابن الجوزيّ: سمعت بعض الحفّاظ يقول: كانت أمّ سليم أخت آمنة بنت وهب أمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الرّضاعة" انتهى. "فتح الباري" (11 / 78).
ونقل النووي الاتفاق على هذا، حيث قال رحمه الله تعالى:
"اتّفق العلماء على أنّها كانت محرما له صلى الله عليه وسلم، واختلفوا في كيفيّة ذلك ..." انتهى. "شرح صحيح مسلم" (13 / 57 – 58).
وقد حاول المقريزي تقويته بخبر في البخاري، حيث قال رحمه الله تعالى:
"قال أبو عمر بن عبد البر: أي ذلك كان، فأم حرام محرم من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
قال مؤلفه: ويؤيد ما ذهب إليه أبو عمر أنه وقع في "صحيح البخاري" من حديث هشام، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة، حدثني: (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث خاله، أخًا لأم سليم، في سبعين راكبا....) الحديث.
وهذا هو حرام بن ملحان، واسم ملحان مالك بن خالد بن زيد بن حرام ابن جندب بن عامر بن غانم بن مالك بن النجار، فانظر كيف قال فيه أنس أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأنه أخ أم سليم وما هي إلا خؤولة الرضاعة فتأمله" انتهى. "امتاع الأسماع" (10 / 253 - 254).
لكن الخبر المسند في البخاري لا يدل على هذا؛ لأن المتبادر من سياق لفظ: (خاله) أن الضمير يعود على أنس بن مالك رضي الله عنه.
روى البخاري (4091): عن إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ خالَهُ، أَخٌ لِأُمِّ سُلَيْمٍ، فِي سَبْعِينَ راكِبًا ...).
لكن أورد البخاري هذا الخبر معلقا بصيغة قد يفهم منها أن الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام البخاري قبل الحديث رقم (7530): وَقَالَ أَنَسٌ: (بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: أَتُؤَمِّنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ).
ورأى جمع من أهل العلم أن المحرمية ليس عليها دليل صريح صحيح.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وبالغ الدّمياطيّ في الرّدّ على من ادّعى المحرميّة، فقال: ذهل كلّ من زعم أنّ أمّ حرام إحدى خالات النّبيّ - صلّى اللَّه عليه وسلّم -من الرّضَاعة أَو من النّسب، وكلّ من أثبت لها خؤولة تقتضي محرميّة; لأنّ أمّهاته من النّسب، واللّاتي أرضعنه: معلومات، ليس فيهنّ أحد من الأنصار ألبتّة" انتهى. "فتح الباري" (11 / 78).
فلذا رأوا أن تحريم مس الأجنبية أو الاختلاط بها ليس محرما لذاته، وإنما هو من باب سد ذريعة الفواحش، والناس فطرة لا يكادون يملكون أنفسهم أمام الشهوات إذا كانت أسبابها متوفرة، أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو معصوم يملك نفسه.
كمثل ما ورد في حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ) رواه البخاري (302) ومسلم (293).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"والمراد أنه صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى ..." انتهى. "فتح الباري" (1 / 404).
فلهذا رأوا أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجوز له الدخول على النساء غير زوجاته، لعصمته صلى الله عليه وسلم.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى:
"قوله: (فدخل عَلَى أُمَّ حَرَامٍ بنْتِ مِلْحَانَ) ابنة ملحان كانت خالته من الرّضاعة، فلأجل ذلك جاز له الدّخول عليها.
وقيل: إنّ النّبي كان معصوما يملك إربه عن زوجه، فكيف عن غيرها ممّا هو المنزّه عنه، كتنزيه يوسف وداود عن الفعل القبيح أو قول الرّفث، ومنزلة النّبوّة مرتفعة متقدّسة عن هذا الميل كله، فيكون ذلك مخصوصا بالنّبي صلى الله عليه وسلم" انتهى. "المسالك" (5 / 100).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"والّذي وضح لنا بالأدلّة القويّة: أنّ من خصائص النّبيّ صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبيّة والنّظر إليها، وهو الجواب الصّحيح عن قصّة أمّ حرام بنت ملحان في دخوله عليها، ونومه عندها، وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرميّة ولا زوجيّة" انتهى. "فتح الباري" (9 / 203).
لكن الحافظ ابن حجر لم يذكر أدلة هذه الخصوصية، وقد ساق قول القاضي عياض، بأن الخصوصية لا تثبت بمجرد الاحتمال، ولم يتعقبه بأن هناك أدلة على هذه الخصوصية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وردّ عياض الأوّل: بأنّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مُسَلَّم، لكنّ الأصل عدم الخصوصيّة، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتّى يقوم على الخصوصيّة دليل" انتهى. "فتح الباري" (11 / 78).
ويشكل على هذا القول أيضا: أنه مع يقين المسلم بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتورع عن لمس النساء حتى في أوقات الحاجة.
روى البخاري (7214)، ومسلم (1866): عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: ( كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الآيَةِ: لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ، قالَتْ: وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا ).
وروى الإمام مالك في "الموطأ" (2 / 982)، والنسائي (4181)، والترمذي (1597)، وابن ماجه (2874): عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي نِسْوَةٍ نُبَايِعُهُ، فَقَالَ لَنَا: (فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ).
وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ " انتهى.
وكان صلى الله عليه وسلم يتورع عن الخلوة بغير زوجاته ومحارمه، روى البخاري (2175) ومسلم (3281): عَنْ صَفِيَّةَ ابْنَةِ حُيَيٍّ، قالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُها فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. فَقالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُما سُوءًا، أَوْ قالَ: شَيْئًا).
ولمزيد الفائدة يحسن مطالعة كتاب: "إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان" للشيخ الدكتور علي الصياح.
وينظر أيضا: جواب السؤال رقم: (20127)، ورقم: (45696)، ورقم: (540618).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟