الواجبات الشرعية اصطلاح واسع جدا، يشمل الجوانب التعبدية المحضة، كما يشمل الحقوق بين الناس وغير ذلك.
والظاهر أن المراد من سؤالك الأمور التعبدية المحضة المؤقتة في الشرع كالصلاة والصيام .
وتختلف هذه الواجبات الشرعية المؤقتة التي فات وقتها، من حيث إمكانية قضائها بعد الوقت، من عدمه.
كما تختلف الواجبات التي يمكن قضاؤها من حيث الحالات التي يصح فيها القضاء من عدمه.
أولاً:
الواجبات التي يجب قضاؤها.
وهي الواجبات العينية المؤقتة التي فات وقتها على المكلف، وهي نوعان:
الأول: ما فاته لعذر شرعي، فهذا يجب عليه قضاؤها، مثل فوات الصلاة لنوم أو نسيان باتفاق العلماء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) رواه البخاري ( 572 ) ، ورواية مسلم ( 684 ) : ( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله عز وجل يقول : (أقم الصلاة لذكري) طه/14).
والصيام؛ مثل الصلاة لقوله تعالى لأصحاب الأعذار الشرعية في الفطر (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) البقرة/ 185.
الثاني: ما فاته لغير عذر شرعي.
فهذه اختلف أهل العلم في قضائها.
فذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب القضاء، مع التوبة مما لحقه من الإثم بالتفريط في أداء الواجب في وقته المطلوب شرعا.
قال النووي رحمه الله بعد ذكره حديث "إِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا): "فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر. وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب؛ لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى" انتهى من "شرح النووي على مسلم" (5/ 183).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرحه لحديث قال: (مَنْ نَسِيَ صَلاةً، فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك):
"يجب قضاء الصلاة إذا فاتت بالنوم أو النسيان. وهو منطوقه. ولا خلاف فيه...
وفيه وجوب القضاء على العامد بالترك من طريق الأولى. فإنه إذا لم تقع المسامحة - مع قيام العذر بالنوم والنسيان -؛ فلأن لا تقع مع عدم العذر أولى" انتهى من "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (1/ 294-295).
وقال ابن الملقن رحمه الله:
"الحديث دال على وجوب القضاء على النائم والناسي، كثُرت الصلاة أو قَلَّت، وهذا مذهب العلماء كافة.
وشذ بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، حكاه القرطبي، ولا يُعبأ به.
فإن تركها عامدا فالجمهور على وجوب القضاء أيضا، إلا ما حكي عن داود وجمع يسير" "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (6/ 287).
وذهب بعض أهل العلم إلى عدم القضاء لتفريطه في أداء واجب مؤقت، وأن ترك الواجب في وقته لا يجبره أداء ذلك الواجب في غير وقته؛ لأنه سيكون عملًا على غير أمر الله ورسوله فيكون مردودا، لحديث ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) رواه مسلم (1718)
وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وسلمان وابن مسعود والقاسم بن محمد بن أبي بكر وبديل العقيلي ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز ، وقال به داود الظاهري وابن حزم ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني ، ورجحه من المعاصرين: الألباني وابن باز وابن عثيمين.
وقد سبق بيان ذلك مفصلاً بأدلته فيرجع إليه (111783).
والصيام كالصلاة، وكذا سائر الواجبات العينية المؤقتة.
قال النووي رحمه الله:
"الصوم الفائت من رمضان: كالصلاة؛ فإن كان معذورا في فواته، كالفائت بالحيض والنفاس والمرض والإغماء والسفر، فقضاؤه على التراخي، ما لم يحضر رمضان السنة القابلة. وسيأتي تفصيله في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى.
وإن كان متعديا في فواته: ففيه الوجهان، كالصلاة: أصحهما عند العراقيين: قضاؤه على التراخي. وأصحهما عند الخراسانيين وبعض العراقيين، وهو الصواب: أنه على الفور" انتهى من "المجموع شرح المهذب" (3/ 69 ط المنيرية).
ثانيا:
أما ما يتعلق بقضاء غير الواجبات من العبادات المؤقتة من رواتب ونوافل فقد سبق بيانه مفصلا في الموقع فيرجع إليه (142425) (355362) (114233).
ثالثا:
هناك واجبات شرعية عينية غير الواجبات التعبدية المحضة، مثل الواجبات المالية يجب أداؤها في أوقات معينة: فهذه الواجبات لا تسقط عن الإنسان لو أخرها، مع الإثم؛ لتعلق حق الآخرين بها، مثل الزكاة والنفقات ونحوها.
وبسط كل ما يتعلق بذلك يطول، وفيما ذُكر مفاتيح وأصول لما سألت عنه.
وخلاصة القول:
أنه إذا فات المكلف واجب شرعي، يجب عليه أداؤه في وقت محدد= فإن كان فاته لعذر، أدّاه متى زال العذر.
وإن تركه لغير عذر، فعليه التوبة النصوح، وقضاء ذلك الواجب في قول جمهور أهل العلم، أو الاكتفاء بالتوبة من غير قضاء كما هو مذهب جماعة من المحققين من أهل العلم.
والقضاء أحوط ما لم يكن المتروك كثيرا يشق عليه القضاء فيسعه القول الثاني.
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (111783) (13664) (223580).
والله أعلم.