ماذا تفعل إذا علمت أن والدها كان يُطفِّف في الميزان؟

السؤال 638769

والدي كان يعمل في تجارة السكر وكان يبيع السكر بوزن ناقص(كل عشرة كيلو ينقص منهن١٥٠غ )وهو يعلم بهذا النقص مبررا ذلك تعويض مايتم هدره من مادة السكر خلال عملية البيع والشراء ولايمكن احصاء من باعهم السكر لإرجاع الحقوق إليهم...
وأريد أن أكفر عن ذنب والدي دون علمه

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

التطفيف بالميزان من الكبائر، سواء كان ذلك بالزيادة عند الأخذ من الناس، أو بالنقص عند إعطائهم حقوقهم. وقد توعّد الله تعالى المطففين بأشد الوعيد، فقال سبحانه: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) المطففين/ 1-6.

كما أنه يدخل في الغش حيث يوهم الزبون أن وزنه كذا وهو دون ذلك، وفي الحديث: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم (101). وهذا من الكبائر كما ذكره أهل العلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"فمن أتى بالكبائر لم يستحق هذا الدخول المطلق [أي : دخول الجنة] الذي لا عذاب قبله، ومثل هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (‌من ‌غشنا ‌فليس منا)" انتهى من "تقريب فتاوى ابن تيمية" (1/ 615).

والكبائر لابد فيها من توبة نصوح ليرفع الله عنه الإثم، وإن ارتبط بها حق من الحقوق، لزم معه رد تلك الحقوق كشرط للتوبة. وقد سبق بيان ذلك فيرجع إليه (264534) (289765).

وتبرير النقص بأنه "تعويض عن الهدر" لا يسقط حق المشتري إذا لم يكن على علم وموافقة مسبقة بذلك عند الشراء، حيث يجب أن يكون الوزن دقيقاً، وأي نقص متعمد فهو من الغش.

ثانياً:

الواجب على من كانت عنده مظالم للناس، أو أموال أُخذت بغير حق: أن يتوب إلى الله توبةً صادقة، وأن يحرص على ردِّ الحقوق إلى أهلها، أو طلب المسامحة منهم، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ فإن قدر على الوصول إليهم، وجب عليه أن يجتهد في استحلالهم وردِّ حقوقهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (‌مَنْ ‌كَانَتْ ‌عِنْدَهُ ‌مَظْلِمَةٌ ‌لِأَخِيهِ؛ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ وَأُعْطِيَ صَاحِبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ) رواه البخاري (2440).

فمن أمكن الوصول إليه من الأشخاص الذين تم إنقاص الوزن عليهم: فيجب إرجاع الحق لهم بتقدير ما تم إنقاصه منهم، وإرجاعه إليهم بأي حيلة وطريقة، دون لزوم إخبارهم بأنه عوضٌ عما تم إنقاصه منهم، وإن لم يمكن معرفتهم والوصول إليهم، فإنه يُتصدَّق بمقدار يغلب على الظن أنه يعادل المال المأخوذ بغير حق، بنية أنه عن أصحاب الحقوق المجهولين. فإذا ظهر أحدهم يوما وطالب بحقه، يُعطى حقه.

قال النووي رحمه الله:

"إن كانت المعصية قد تعلق بها حق مالي كمنع الزكاة والغصب والجنايات في أموال الناس: وجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي الزكاة، ويردّ أموال الناس إن بقيت، ويغرم بدلها إن لم تبق، أو يستحل المستحق فيبرئه، فإن مات سلّمه إلى وارثه، فإن لم يكن له وارث، وانقطع خبره، رفعه إلى قاض ترضى سيرته وديانته.

فإن تعذّر، تصدّق به على الفقراء بنيّة الضمان له إن وجده" انتهى من "روضة الطالبين" (11/246).

ثالثاً:

إذا قام شخص -غير من أخذ المظالم بغير حق- برد تلك المظالم، سقط جانب رد الحقوق عنه، وبقي عليه التوبة فيما بينه وبين الله؛ لأن ما فعله كبيرة تلزم منها التوبة.

وقد نص أهل العلم على أن قضاء الديون ورد المظالم عن الغير يصح إذا تكفل به متبرع من ماله، ولم يشترطوا نية من عليه الحق، أو رضاه؛ إذ المقصود إيصال الحقوق إلى أهلها وتبرئة ذمة المديون. كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتي برجل متوفى عليه دين سأل: "هل ترك لدينه من قضاء؟" فان لم يوجد له وفاء لم يصل عليه، حتى قال أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه: "هما علي يا رسول الله"، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

 قال الشيرازي رحمه الله:

"ويصح الضمان، من غير ‌رضا ‌المضمون ‌عنه؛ لأنه لما جاز قضاء دينه من غير رضاه، جاز ضمان ما عليه من غير رضاه" انتهى من "المهذب في فقه الإمام الشافعي - الشيرازي" (2/ 147).

وقال شمس الدين ابن قدامة رحمه الله:

"ولا يعتبر ‌رضا ‌المضمون ‌عنه. لا نعلم فيه خلافا؛ لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه، صح؛ فكذلك إذا ضمن عنه، وقد دل عليه حديث أبي قتادة" انتهى من "الشرح الكبير" (13/ 21 ت التركي).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"يصح ضمان ما في الذمة بغير إذن ‌المضمون ‌عنه" انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/ 546).

وعليه: فإنه يجوز رد الحق إلى صاحبه ولو من غير من ظلمه.

ولكن نظرا لما ذكرتيه من تعذر احصاء هؤلاء الناس الذين باعهم والدك ، فلا يظهر لنا وجود طريقة يمكنك فيها التكفير عما قام به والدك.

وليس أمامك إلا أن تستمري بنصحه وتنبيهه إلى عظم الأمر الذي فعله وأنه من كبائر الذنوب وماحق لبركة الرزق وموجب للعقوبة، وأنه يلزمه التوبة النصوح والعزم على عدم العودة إلى ذلك مرة أخرى ، ومن تمام توبته: أن يجتهد في التصدق عن أصحاب الحقوق بقدر ما يغلب على ظنه أنه أنقص من حقهم.

ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (295840) (43017) (264534) (289765).

والله أعلم

المراجع

الأخلاق المذمومة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android