نفى الله تعالى الشفاعة على معنى، وأثبتها تعالى على معنى آخر، وكلاهما مبيَّن مفصَّل محكَم، فلا تعارض بينهما. والشفاعة المثبتة: من أسباب رفع العقوبة، كالدعاء، فهي من حُكم الله وقضائه، ومن الأسباب المشروعة التي يرحم الله بها عباده ويعفو عنهم.
هل إثبات الشفاعة للمخلوق يتنافى مع عدل الله ورحمته؟!
السؤال 638960
أعلم أننا نؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيشفع للمؤمنين يوم القيامة، كما ورد في الحديث في صحيح البخاري، إلا أن لدي إشكالاً من ناحيتين:
أولاً: لماذا لا يتعارض هذا مع آيات، كالآية 48 من سورة البقرة، والتي تنص على أنه لا تُقبل شفاعة يوم القيامة؟
ثانياً: إذا كان الله عز وجل هو أرحم الراحمين وأعدل العادلين، فكيف يمكن لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون أرحم بالمؤمنين أو أعدل من حكم الله تعالى، أخذاً في الاعتبار أنه لولا شفاعته صلى الله عليه وسلم لكان مصير بعض هؤلاء الأشخاص دخول النار؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.
فهذا وعظ الله تبارك وتعالى لبني إسرائيل – اليهود – الذين ظنوا أن ما كان سابقا من منزلتهم، وتفضيل الله تعالى لهم على العالمين سوف ينجيهم من الخلود في النار، بشفاعة الشافعين لهم عنده تعالى، رغم تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم.
فأخبر تعالى أن هؤلاء اليهود القائلين: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، و: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ = مغرورون! وأنهم لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة شافع، إذ هم كافرون معاندون.
وهذا حكمُ الله في الشفاعة لكل كافر، قد بينه الله تعالى بيانًا محكمًا لا لبس فيه، كما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا محكمًا لا لبس فيه - في أحاديث متواترة - أنه يشفع للمؤمنين، فينجون من النار، ويُخرَجون منها يوما ما، وإن طال بقاؤهم؛ بشفاعته التي أذن الله تعالى له فيها.
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير آية البقرة:
"فتأويل الآية إذًا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقًّا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق.
وقيل: إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا؛ فأخبرهم الله جل وعز أن نفسًا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه ... فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم، من النجاة من عذاب الله - مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق، وخلافهم أمرَ الله في اتباع محمد ﷺ وما جاءهم به من عنده = بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم؛ وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إمامًا لكل من كان على مثل منهاجهم، لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله.
وهذه الآية، وإن كان مخرجها عاما في التلاوة؛ فإن المراد بها خاص في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وأنه قال: (ليس من نبيٍّ إلا وقد أعطِي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا).
فقد تبين بذلك:
أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين - بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم - عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينه، وأن قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ: إنما هي لمن مات على كفره غير تائبٍ إلى الله عز وجل"، انتهى باختصارٍ، من "تفسيره" (1/ 636).
فبذلك تعلم إن شاء الله جواب إشكالك الأول، فالشفاعة المنفية – في آية سورة البقرة – لا تُعارض الشفاعات المثبَتة التي تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليها أهل السنة والجماعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة، واتفاق الأمة: أن نبينا صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، يطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم.
ثم اتفق أهل السنة والجماعة: أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد"، انتهى من "مجموع الفتاوي"، (1/108).
وقال تعالى عن نفسه، في آية الكرسي، في سورة البقرة أيضًا: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.
وقال تعالى في سورة الأنبياء عن الملائكة: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.
فالشفاعة المنفية في آية سورة البقرة: هي الشفاعة للكفار، فنفاها رب العالمين، ولم يأذن الله تعالى بها، ولم يرتضِها، ولم يأذن فيها لأحد من عباده.
والشفاعة المثبتة في الصحيحين، إنما أذن الله تعالى فيها للمؤمنين؛ فهي، أولا: خاصة بالمؤمنين. وثانيا: لا تكون إلا بعد أن أذنٍ للشافع، وللمشفوع له، وأذن في الشيء المشفوع فيه، وأذن في وقت الشفاعة، وهي من رحمته تعالى، وهي موافقة لعدله وحكمته تعالى.
وراجع للفائدة جواب السؤال (534052).
فلا تعارض البتة.
ثانيًا:
اعلم أنَّ أنواع الشفاعة التي أذن الله تعالى فيها: كلها مِن حُكمِ الله تعالى، وكلها من رحمة الله، وكلها وفق عدل الله، ولا يكون شيء منها إلا بإذن الله، وكلها موافق لحكمته تعالى وعلمه.
فالشفاعة المثبَتة التي أذن الله تعالى بها، وجعل أثرَها رحمته تعالى للمشفوع له: ليست إلا سببا من الأسباب التي قضى الله تعالى وحكَمَ أن تكون مقتضية لرحمته.
وهذا كما أن دعاءَ المؤمن للمؤمن قد حكَم الله تعالى أنه سببٌ لرحمتِه والعفو عنه، وكما أن مصائب الدنيا قد قضى الله تعالى أنها تكفِّر ذنوب المسلم.
فالشفاعة المثبتة وهي التي أذن الله تعالى فيها؛ بمنزلة الدعاء الصالح من المؤمن للمؤمن، فإن الله أخبر أنه يقبل هذا الدعاء.
والشفاعة المنفية التي لم يأذن الله تعالى فيها؛ بمنزلة التعدي في الدعاء، أو الدعاء بإثمٍ أو قطيعة، أو الدعاء للمشرك، فإنه دعاء مردود وقد يأثم صاحبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ولا ريب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع، والله قد أمر بذلك، لكن الداعي الشافع: ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في ذلك، فلا يشفع شفاعة نُهيَ عنها؛ كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة، قال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ... وقد قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في الدعاء، ومن الاعتداء في الدعاء: أن يَسأل العبدُ ما لم يكن الربُّ ليفعلَه.
فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان، ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له: لا يُقرّ عليه؛ فإنهم معصومون أن يقروا على ذلك ...
وكل داعٍ شافع، دعا الله سبحانه وتعالى وشفعَ؛ فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، وهو الذي يجيب الدعاء، ويقبل الشفاعة فهو الذي خلق السبب والمسبب، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله سبحانه وتعالى"، انتهى مختصرًا من "مجموع الفتاوي" (1/ 130).
وبذلك يتبين لك إن شاء الله جواب إشكالك الثاني.
فالشفاعة المثبتة: (من حُكم الله) و(من قضاء الله) و(من الأسباب) التي جعلها الله تعالى مقتضية ومؤدية إلى رحمة الله، مثلها في ذلك مثل الدعاء، وسائر ما جعله الله تعالى (سببا) يرفع به تعالى العقوبة.
انظرها في الجواب (422284).
وهذه الأسباب كلها، لولاها: لبقيَت العقوبات ولم ترفَع.
وبذلك تعلم إن شاء الله، أنه لا يصح أن يقال: (الشفاعة أرحم من حكم الله ...) إلخ ما في السؤال، فإنها من حكم الله كذلك، ومن رحمته، وسبب كسائر الأسباب التي جعلها الله تعالى طريقا لعفوه ورحمته، والحمد لله رب العالمين.
وراجع للفائدة والتفصيل جواب السؤال (555074)، (122342).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟