هذا السؤال يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون المراد به: أن يتصدق على أولاده وأحفاد الذين لم يولدوا، بوقف أو وصية، ونحو ذلك؛ وهذا هو الأشبه بمراد السائل، إن شاء الله.
فعلى ذلك يقال:
اختلف الفقهاء في جواز الصدقة بوقف أو وصية يجعلها على الأولاد أو الأحفاد الذين لم يولدوا بعد:
القول الأول:
يصح مطلقًا، وهذا مذهب المالكية.
قال المغربي رحمه الله:
"سئلت عنها، وهي: رجل قال في كتاب وقفه: أوقف كاتبه الدار الفلانية على ولده فلان، ثم بعده على أولاده الثلاثة فلان وفلان وفلان، وعلى من يحدثه الله له من الأولاد؛ هل الضمير في قوله: (له) يرجع إلى الواقف، أو إلى الولد؟
(فأجبت): أن الظاهر عوده على الولد، لأنه الأقرب، وهو الذي يدل عليه السياق.
فقال السائل: إن الواقف قال في وصيته: إني أوقفت الدار على ولدي فلان، وعلى من يحدثه الله لي من الأولاد؛ فبين مرجع الضمير؟
فأجبت بأنه يقبل قوله" انتهى من "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" (6/ 22).
وقال عليش رحمه الله:
"وصح وقف مملوك على أهلٍ؛ أي: قابلٍ، وصالح للتملك...
ومَثَّل لأهل التملك، فقال: (كمن سيولَد)، بفتح اللام.
ابن عرفة المتيطي: المشهور المعول عليه: صحته على الحمل.
ابن الهندي: زعم بعضهم أنه لا يجوز على الحمل، والروايات واضحة بصحته على من سيولد، وبها احتج الجمهور على صحته على الحمل، وفي لزومه بعقده على من يولد، قبل ولادته: قولا ابن القاسم والإمام مالك - رضي الله تعالى عنهما - لنقل الشيخ.
روى محمد بن المواز وابن عبدوس لمن حبس على ولده، ولا ولد له: بيع ما حبسه، ما لم يولد له" انتهى من "منح الجليل شرح مختصر خليل" (8/ 113).
القول الثاني:
يصح بشرط أن يُجعل آخرُه للفقراء، حتى لا يكون منقطع الانتهاء.
أو يقول: صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد؛ لأن لفظ الصدقة يجعل آخره للفقراء، وهذا مذهب الحنفية.
قال ابن عابدين رحمه الله:
"ولو قال: أرضي صدقة، موقوفة على من يحدث لي من الولد، وليس له ولد: يصح.
فإذا أدركت الغلة، تقسم على الفقراء. وإن حدث له ولد بعد القسمة: تصرف الغلة التي توجد بعد ذلك إلى هذا الولد" انتهى من "حاشية ابن عابدين" (4/ 430).
القول الثالث:
لا يصح أصالة، ويصح تبعا للموجودين. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله:
"ولو كان الوقف منقطع الأول ...، كوقفته على من سيولد لي، أو على مسجد سيبنى، ثم على الفقراء مثلا: فالمذهب بطلانه، لبطلان الأول، لتعذر الصرف إليه حالا، ومن بعده فرعه، وإن قلنا يتلقى من الواقف.
ولو لم يذكر بعد الأول مصرفا بطل قطعا؛ لأنه منقطع الأول والآخر.
ولو قال: وقفت على أولادي، ومن سيولد لي، على ما أفصله، ففصله على الموجودين، وجعل نصيب من مات منهم بلا عقب لمن سيولد له: جاز، وأعطي من ولد له نصيب من مات منهم بلا عقب فقط.
ولا يؤثر فيه قوله: وقفت على أولادي ومن سيولد لي؛ لأن التفصيل بعده بيان له".
قال البهوتي رحمه الله:
"ولا يصح الوقف على ما في بطن هذه المرأة؛ لأنه تمليكٌ إذن؛ وهو لا يملك.
وكذا الوقف على المعدوم؛ كعلى من سيولد لي، أو على من سيولد لفلان؛ فلا يصح أصالة" انتهى من "شرح منتهى الإرادات" للبهوتي (2/ 404).
وقال رحمه الله:
"ولا يصح الوقف على معدوم أصلا؛ أي: أصالة، كقوله: وقفت هذا على من سيولد لي، أو لفلان، أو على من يحدث لي أو لفلان؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم.
ويصح الوقف على المعدوم تبعا، كوقفت على أولادي، ومن سيولد لي، أو على أولاد زيد، ومن يولد له، أو على أولادي ثم أولادهم أبدا" انتهى من "كشاف القناع" (4/ 250).
والقائلون بصحته (الأحناف والمالكية) اختلفوا في مصرف الوقف إلى حين وجود الموقوف عليه:
فذهب الحنفية إلى أن الغلة تصرف للفقراء إلى أن يولد الولد، أو يبنى المسجد.
وأما المالكية فلهم ثلاثة أقوال في المسألة:
أحدها: أن الوقف صحيح غير لازم، فللواقف بيعه قبل وجود الموقوف عليه، ولو لم يحصل يأس من وجود الموقوف عليه، فإن وجد الموقوف عليه فقد تم الوقف، ويبقى لزومه متوقفًا على الحيازة. وهذا نص الإمام مالك.
الثاني: الوقف صحيح لازم بمجرد عقده. وهذا اختيار ابن القاسم.
الثالث: يحكم بحبسه، ويخرج إلى يد ثقة ليصح حوزه، وتوقف ثمرته، فإن وجد الموقوف عليه، كان الحبس والغلة له، وإن لم يوجد كان لأقرب الناس للواقف، وهذا اختيار ابن الماجشون.
ينظر: "المعاملات المالية أصالة ومعاصرة للدبيان" (16/ 473).
ومما سبق يتبين أن الأمر واسع، فليس ثمة دليل صريح، مانع أو مجيز، ولا حرج على من اتبع مذهبه في ذلك، أو قلد من اطمأنت إليه نفسه.
وأما على الاحتمال الثاني: وهو أن يكون مرادك أن تتصدق بصدقة تنوي أجرها للأحفاد الذين لم يولدوا بعد:
فهذا لم نقف على من صرح فيه بمنع، أو جواز. ويشبه أن يكون من أجاز هبة الثواب للأموات، يجيزه هنا.
على أن ذلك الباب، باب هبة الثواب: لا ينبغي أن يتوسع فيه المرء، ويحدث فيه ما لم يكن؛ فكل امرئ بما كسب رهين، وكل امرئ أحوج إلى مثقال ذرة من خير تكون في موازينه، لا أن يهب ثوابه، لمن ولد، ومن لم يولد.
وهذا الأمر، وإن كان جائزا في بعض صوره، فليس هو من السنة المنقولة، ولا هو من المستحبات؛ بل غايته أن يكون مباحا.
والله أعلم