إذا احتاج الأيتام إلى سيارة جاز شراؤها من مالهم، وتكون ملكا لهم، والأولى أن تشاركيهم بمالك في شرائها لتكون ملكا لكم جميعا.
ما حكم شراء سيارة للأيتام من مالهم، واستعمال الأم لها؟
السؤال 646657
أنا أم ل ٣ أيتام، نزلت لهم حقوق والدهم المتوفي ثلاثين ألفا، وأريد أن أشتري لنا سيارة، تخدمهم في توصيل للمدارس ومشاويرهم، وأنا ليس عندي دخل غير الضمان الاجتماعي، ولا أستطيع شراء سيارة، هل يحق لي اشتريها بمالهم، للعلم هم مازالو أطفالا؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
الأصل في حقوق المتوفى أنها تركة تقسم على جميع ورثته، فيكون لك منها الثُّمن، والباقي للأولاد، إذا لم يكن للمتوفى أب أو أم، فإن كان فإنه يأخذ نصيبه كذلك.
هذا ما لم تكن هذه الحقوق مصروفة للأيتام خاصة، فإنها تكون لهم.
ثانيا:
مال اليتيم ينفق عليه منه، ويحفظ الباقي له، ويسلم له عند بلوغه ورشده، كما قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) النساء/6
ويجوز للقائم على اليتيم أن يخلط ماله بماله في الطعام والشراب، كما قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة/220
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/ 582): " قوله: قل إصلاح لهم خير أي: على حدة وإن تخالطوهم فإخوانكم أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: والله يعلم المفسد من المصلح أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.
وقوله: ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم أي: ولو شاء لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [الأنعام: 152] " انتهى.
فيجوز أن تقدري كم يحتاجون في طعامهم وشرابهم من مال، فتأخذيه وتضيفي عليه من مالك ما يكفي لحاجتك، ثم تصرفين على البيت من هذا المال.
ويدخل في النفقة على اليتيم من ماله: كسوته، وعلاجه، ومصاريف دراسته، ويدخل في ذلك أيضا: أجرة سكنه وثمن الكهرباء والماء وغيره مما يحتاجه، فللأم أن تقدر ذلك، وتأخذه من مال الأيتام، وتضيف إليه ما يخصها من ذلك.
وينظر: حواب السؤال رقم (343845).
ثانيا:
إذا احتاج الأيتام لسيارة، جاز أن تشتريها بمالهم، وتكون السيارة ملكا لهم، ولك استعمالها لحوائجهم.
وإذا شاركت معهم بشيء من مالك، كان أولى، فتكون السيارة ملكا لكم جميعا، وتستطيعين استعمالها لحوائجك الخاصة.
فإن كانت السيارة ملكا خالصا لهم، فالذي يظهر جواز استعمالك لها في حوائجك بالمعروف؛ لأمرين:
1-أن الأم لها أن تأخذ من مال والدها لحاجتها بما لا يضر بالولد، وإذا كان كذلك فاستعمال سيارته أولى بالجواز؛ والاستعمال بالمعروف لا يضر السيارة.
2-أن القائم على اليتيم له أن يأخذ من مال اليتيم الأقل من أمرين: أجرة مثله- مقابل رعايته والقيام عليه-، أو قدر حاجته؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) النساء /5،6.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " ويأكل الولي الفقير وهو الذي ليس عنده ما يكفيه من كسب يده أو غلة أو راتب أو مكافأة، ليس عنده إلا مال هذا اليتيم.
قوله: من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانا: فإذا قدرنا أن كفايته ألف ريال وأجرته خمسمائة ريال، فنعطيه خمسمائة؛ لأنها الأقل، فإذا قال: هذه ما تكفيني، أنا إلى الآن فقير، نقول: ليس لك إلا الأجرة فقط.
وبالعكس، أجرته ألف ريال وكفايته خمسمائة، فنعطيه خمسمائة، وهذه لا إشكال فيها، الإشكال في المسألة الأولى، إذا كانت الأجرة أقل من الكفاية فإنه سوف يبقى فقيرا، وظاهر الآية الكريمة: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) [النساء: 6] أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل تكمل له الكفاية وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته سواء كانت بقدر الأجرة أو أقل أو أكثر؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)" انتهى من "الشرح الممتع" (9/ 312).
فإذا أبيح له أن يأخذ من مال اليتيم ما ذكرنا، أبيح له أن يركب سيارته من باب أولى إذا احتاج لذلك.
لكن ينبغي أن تتحملي تكلفة البنزين في حال استعمال السيارة لحوائجك الخاصة، أو أن تشاركي الأيتام في ثمن البنزين، كما قلنا في الطعام.
والواجب أن يكون المقصود الأعظم من شراء السيارة هو حاجة الأيتام ومصلحتهم، لا مصلحة القائم عليهم.
والأصل في مال اليتيم أن يحفظ له كما تقدم، ولهذا منع الفقهاء من التبرع بشيء من ماله، ومن الإسراف في النفقة عليه من ماله، وضمّنوا من فعل ذلك.
وفي الموسوعة الفقهية (45/ 162): " لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز للولي أن يتصرف في مال المحجور إلا على النظر والاحتياط، وبما فيه حظ له واغتباط؛ لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) .
وقد فرعوا على ذلك: أن ما لا حظ للمحجور فيه كالهبة بغير العوض، والوصية، والصدقة، والعتق، والمحاباة في المعاوضة لا يملكه الولي، ويلزمه ضمان ما تبرع به من هبة أو صدقة أو عتق، أو حابى به أو ما زاد في النفقة على المعروف أو دفعه لغير أمين، لأنه إزالة ملكه من غير عوض فكان ضررا محضا ...
ولا خلاف بين الفقهاء في أن على الولي الإنفاق من ماله على موليه، وعلى من تلزمه مؤنته، بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير، لقوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما).
وزاد الشافعية والحنابلة: فإن قتر أثم، وإن أسرف أثم وضمن لتفريطه." انتهى.
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟