هل من هجر القرآن الإعراض عن سماع بعض المقاطع التي تمر به أثناء التصفح؟

السؤال 647670

قرأت عن ابن القيم رحمه الله ان من صور هجر القرآن ترك سماعه فهل مثل ذلك عندما يقابل الإنسان مقطع به قرآن ولم يسمعه يكون في ذلك ،وصوره اخره ذكرها رحمه الله هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به هل يكون الانسان العاصي لامر من اوامر الله يكون ذلك ايضا ،، وسمعت ان من هجر القرآن عدم ختمه في الشهر ولو مره او كل اربعين يوما فهل يكون من لايختم في هذه المده هاجر للقرآن وما دليل من استدل بذلك

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

قراءة القرآن من أفضل القربات عند الله عز وجل ، لما فيها من التقرب إليه سبحانه بكلامه الذي أنزله هداية للبشرية إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ولذلك وردت أدلة كثيرة تحث على تلاوة القرآن الكريم ، وتبين الأجر العظيم الذي يناله القارئ والحافظ ، وفي موقعنا الكثير من الفتاوى التي تقرر ذلك ، يمكن مراجعتها في قسم ( فضائل القرآن )
قال ابن رجب رحمه الله :
" ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل : كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم .
قال خباب بن الأرت لرجل : تقرب إلى الله ما استطعت ، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه .
وفي " الترمذي " عن أبي أمامة مرفوعا : ( ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه ) يعني القرآن – [رواه الترمذي (2911) وقال : حديث غريب ، وضعفه الألباني].
لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم ، فهو لذة قلوبهم ، وغاية مطلوبهم .
قال عثمان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم .
وقال ابن مسعود : من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله .
قال بعض العارفين لمريد : أتحفظ القرآن ؟ قال : لا ، فقال : واغوثاه بالله ! مريد لا يحفظ القرآن !! فبم يتنعم ؟! فبم يترنم ؟! فبم يناجي ربه عز وجل " انتهى من " جامع العلوم والحكم " (ص/364) .

وما زال أهل العلم يحثون المسلم على الإكثار من ختم القرآن الكريم ، والإكثار من قراءته  وتدبره ، فهو كلام الله المتعبد بتلاوته ، الذي يحب عز وجل أن يُتقرب به إليه .

وقد كانت همم السلف رحمهم الله على أنواع شتى :

فمنهم من كان يختم في كل يوم مرة ، ومنهم في ثلاث ، ومنهم في أسبوع ، ومنهم من كان يختم في كل شهر مرة ، ولعل الختم في كل شهر مرة هو أدنى الهمم التي لا ينبغي للمؤمن أن يضعف عنها ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص : ( اقرأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ) رواه البخاري (5052) تحت باب : " في كم يقرأ القرآن " ، ومسلم (1159) .

قال ابن حزم رحمه الله :

" يستحب للمسلم الذي يطلب النجاة أن يأتي بما لعله أن يوازي ذنوبه ويوازن سيئاته ، وأن يواظب على قراءة القرآن فيختمه في كل شهر مرة ، فإن ختمه في أقل فحسن " انتهى.

" رسائل ابن حزم " (3/150)

وينظر جواب السؤال رقم (161367) ، ورقم (147067)

ثانيا:

هجر القرآن ليس على درجة واحدة ، وإنما هو درجات ، فمنه ما هو أعظم المحرمات ، فيكون كفرا بالقرآن الكريم ، ومنه ما يكون حراما ، ولا يصل إلى حد الكفر ، ومنه ما يكون مكروها ، أو دون ذلك .

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أنواعا من هجر القرآن ، ثم ختم كلامه ببيان أن حكم هذه الأنواع ليس واحدا .

قال ابن القيم رحمه الله :

" هجر القرآن أنواع :

أحدها : هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه .

والثاني : هجر العمل به ، والوقوف عند حلاله وحرامه ، وإن قرأه وآمن به .

والثالث : هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه ، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين ، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم .

والرابع : هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه .

والخامس : هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها ، فيطلب شفاء دائه من غيره ، ويهجر التداوي به .

وكل هذا داخل في قوله : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان/30، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض " انتهى. " الفوائد " (ص/82).

وينظر جواب السؤال رقم (140625)

ثانيًا:

استماع القرآن الكريم ليس واجبا على كل من مر بقارئ يقرأ القرآن ، أو مر به مقطع فيه تلاوة للقرآن .

فروى عبد الرزاق أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه مَرَّ بِقَاصٍّ ، فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : (إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ) .

ورواه البخاري تعليقا ، وصححه الحافظ ابن حجر . 

فهذا عثمان رضي الله عنه مر بقارئ يقرآن القرآن ، ولم يستمع له ، بل تركه ومضى في طريقه.

فلا حرج على المسلم إذا مر به مقطع فيه تلاوة شيء من القرآن ألا يستمع إليه .

ولكن ينبغي في هذه الحالة أن يكون المسلم مشغولا بالبحث عن شيء مفيد له ، إما في دينه وإما في دنياه ، ويخشى أن ينشغل عنه .

أما إذا كان يمسك الهاتف للعب أو إضاعة الوقت أو رؤية وسماع ما يحرم من الأغاني والفسق ونحو ذلك ، فيمر به مقطع تلاوة للقرآن الكريم ، فيعرض عنه إلى شيء من المحرمات واللهو ، فهذا حرمان ظاهر، وخسران عظيم .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (103137) ورقم (88728) ورقم (174743)

ثالثا :

أما أن الإنسان يخالف أحكام القرآن ، ويفعل ما حرمه الله عليه ، فهذا هاجر للقرآن هجرا يستحق عليه العقاب .

فإن الله تعالى أنزل القرآن ليعمل به ، فإن لم يعمل به المسلم كان هاجرا له .

قال الله تعالى : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأنعام/55 .

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (399630)

رابعا :

ينبغي للمسلم أن يختم القرآن الكريم تلاوةً ، كل أربعين يوما مرة ، على الأكثر ، فلا يزيد المدة أكثر من هذا ، أي : يقرأ كل يوم : ستة أرباع من أرباع القرآن .

قال ابن قدامة رحمه الله :

" يكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوما...وقال أحمد : أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين . ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به ، فكان ما ذكرنا أولى ، وهذا إذا لم يكن له عذر ، فأما مع العذر فواسع له " انتهى من " المغني " (1/459)،

لكن ليس معنى ذلك أنه يحرم عليه أن يتجاوز الأربعين يوما ، بل هذا هو الأحسن والأليق بالمسلم ، لكن لم نجد أحدا من العلماء نص على تحريم الزيادة على ذلك ، وقد ذكر السيوطي رحمه الله عن أكثر السلف أنهم كانوا يختمون القرآن كل أسبوع ، ثم قال :

"ويلي ذلك من ختم في ثمان ، ثم في عشر ، ثم في شهر ، ثم في شهرين. أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: (كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع ، وبعضهم في شهر ، وبعضهم في شهرين ، وبعضهم في أكثر من ذلك)" انتهى. الإتقان (1/213) .

وهذا يدل على أن الأمر في هذا واسع ، والمهم ، أنه ينبغي للمسلم ألا يمضي عليه يوم إلا وقد قرأ شيئا من القرآن الكريم .

ولو جعل المسلم لنفسه كل يوم ربع ساعة أو نصف ساعة لقراءة القرآن الكريم ، كان جيدا ، لاسيما والكثير من الناس يضيعون الساعات الطوال أمام شاشات التلفاز أو الكمبيوتر أو الهاتف ، ولا يملون من ذلك !

ثم لا يعطون القرآن الكريم شيئا من أوقاتهم مهما كان قليلا ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى استثقال قراءة القرآن الكريم واستماعه .

نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين .

والله أعلم .

المراجع

فضائل القرآن

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android