أولا :
قراءة القرآن من أفضل القربات عند الله عز وجل ، لما فيها من التقرب إليه سبحانه بكلامه الذي أنزله هداية للبشرية إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ولذلك وردت أدلة كثيرة تحث على تلاوة القرآن الكريم ، وتبين الأجر العظيم الذي يناله القارئ والحافظ ، وفي موقعنا الكثير من الفتاوى التي تقرر ذلك ، يمكن مراجعتها في قسم ( فضائل القرآن )
قال ابن رجب رحمه الله :
" ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل : كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم .
قال خباب بن الأرت لرجل : تقرب إلى الله ما استطعت ، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه .
وفي " الترمذي " عن أبي أمامة مرفوعا : ( ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه ) يعني القرآن – [رواه الترمذي (2911) وقال : حديث غريب ، وضعفه الألباني].
لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم ، فهو لذة قلوبهم ، وغاية مطلوبهم .
قال عثمان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم .
وقال ابن مسعود : من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله .
قال بعض العارفين لمريد : أتحفظ القرآن ؟ قال : لا ، فقال : واغوثاه بالله ! مريد لا يحفظ القرآن !! فبم يتنعم ؟! فبم يترنم ؟! فبم يناجي ربه عز وجل " انتهى من " جامع العلوم والحكم " (ص/364) .
وما زال أهل العلم يحثون المسلم على الإكثار من ختم القرآن الكريم ، والإكثار من قراءته وتدبره ، فهو كلام الله المتعبد بتلاوته ، الذي يحب عز وجل أن يُتقرب به إليه .
وقد كانت همم السلف رحمهم الله على أنواع شتى :
فمنهم من كان يختم في كل يوم مرة ، ومنهم في ثلاث ، ومنهم في أسبوع ، ومنهم من كان يختم في كل شهر مرة ، ولعل الختم في كل شهر مرة هو أدنى الهمم التي لا ينبغي للمؤمن أن يضعف عنها ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص : ( اقرأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ) رواه البخاري (5052) تحت باب : " في كم يقرأ القرآن " ، ومسلم (1159) .
قال ابن حزم رحمه الله :
" يستحب للمسلم الذي يطلب النجاة أن يأتي بما لعله أن يوازي ذنوبه ويوازن سيئاته ، وأن يواظب على قراءة القرآن فيختمه في كل شهر مرة ، فإن ختمه في أقل فحسن " انتهى.
" رسائل ابن حزم " (3/150)
وينظر جواب السؤال رقم (161367) ، ورقم (147067)
ثانيا:
هجر القرآن ليس على درجة واحدة ، وإنما هو درجات ، فمنه ما هو أعظم المحرمات ، فيكون كفرا بالقرآن الكريم ، ومنه ما يكون حراما ، ولا يصل إلى حد الكفر ، ومنه ما يكون مكروها ، أو دون ذلك .
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أنواعا من هجر القرآن ، ثم ختم كلامه ببيان أن حكم هذه الأنواع ليس واحدا .
قال ابن القيم رحمه الله :
" هجر القرآن أنواع :
أحدها : هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه .
والثاني : هجر العمل به ، والوقوف عند حلاله وحرامه ، وإن قرأه وآمن به .
والثالث : هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه ، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين ، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم .
والرابع : هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه .
والخامس : هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها ، فيطلب شفاء دائه من غيره ، ويهجر التداوي به .
وكل هذا داخل في قوله : ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان/30، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض " انتهى. " الفوائد " (ص/82).
وينظر جواب السؤال رقم (140625)
ثانيًا:
استماع القرآن الكريم ليس واجبا على كل من مر بقارئ يقرأ القرآن ، أو مر به مقطع فيه تلاوة للقرآن .
فروى عبد الرزاق أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه مَرَّ بِقَاصٍّ ، فَقَرَأَ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ مَعَهُ عُثْمَانُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : (إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَسْجُدْ) .
ورواه البخاري تعليقا ، وصححه الحافظ ابن حجر .
فهذا عثمان رضي الله عنه مر بقارئ يقرآن القرآن ، ولم يستمع له ، بل تركه ومضى في طريقه.
فلا حرج على المسلم إذا مر به مقطع فيه تلاوة شيء من القرآن ألا يستمع إليه .
ولكن ينبغي في هذه الحالة أن يكون المسلم مشغولا بالبحث عن شيء مفيد له ، إما في دينه وإما في دنياه ، ويخشى أن ينشغل عنه .
أما إذا كان يمسك الهاتف للعب أو إضاعة الوقت أو رؤية وسماع ما يحرم من الأغاني والفسق ونحو ذلك ، فيمر به مقطع تلاوة للقرآن الكريم ، فيعرض عنه إلى شيء من المحرمات واللهو ، فهذا حرمان ظاهر، وخسران عظيم .
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (103137) ورقم (88728) ورقم (174743)
ثالثا :
أما أن الإنسان يخالف أحكام القرآن ، ويفعل ما حرمه الله عليه ، فهذا هاجر للقرآن هجرا يستحق عليه العقاب .
فإن الله تعالى أنزل القرآن ليعمل به ، فإن لم يعمل به المسلم كان هاجرا له .
قال الله تعالى : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) الأنعام/55 .
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (399630)
رابعا :
ينبغي للمسلم أن يختم القرآن الكريم تلاوةً ، كل أربعين يوما مرة ، على الأكثر ، فلا يزيد المدة أكثر من هذا ، أي : يقرأ كل يوم : ستة أرباع من أرباع القرآن .
قال ابن قدامة رحمه الله :
" يكره أن يؤخر ختمة القرآن أكثر من أربعين يوما...وقال أحمد : أكثر ما سمعت أن يختم القرآن في أربعين . ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى نسيان القرآن والتهاون به ، فكان ما ذكرنا أولى ، وهذا إذا لم يكن له عذر ، فأما مع العذر فواسع له " انتهى من " المغني " (1/459)،
لكن ليس معنى ذلك أنه يحرم عليه أن يتجاوز الأربعين يوما ، بل هذا هو الأحسن والأليق بالمسلم ، لكن لم نجد أحدا من العلماء نص على تحريم الزيادة على ذلك ، وقد ذكر السيوطي رحمه الله عن أكثر السلف أنهم كانوا يختمون القرآن كل أسبوع ، ثم قال :
"ويلي ذلك من ختم في ثمان ، ثم في عشر ، ثم في شهر ، ثم في شهرين. أخرج ابن أبي داود عن مكحول قال: (كان أقوياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرءون القرآن في سبع ، وبعضهم في شهر ، وبعضهم في شهرين ، وبعضهم في أكثر من ذلك)" انتهى. الإتقان (1/213) .
وهذا يدل على أن الأمر في هذا واسع ، والمهم ، أنه ينبغي للمسلم ألا يمضي عليه يوم إلا وقد قرأ شيئا من القرآن الكريم .
ولو جعل المسلم لنفسه كل يوم ربع ساعة أو نصف ساعة لقراءة القرآن الكريم ، كان جيدا ، لاسيما والكثير من الناس يضيعون الساعات الطوال أمام شاشات التلفاز أو الكمبيوتر أو الهاتف ، ولا يملون من ذلك !
ثم لا يعطون القرآن الكريم شيئا من أوقاتهم مهما كان قليلا ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى استثقال قراءة القرآن الكريم واستماعه .
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين .
والله أعلم .