هل صح التفريق بين طيب الرجال والنساء وما المقصود به؟

السؤال 648920

أحاول فهم هذا الحديث الشريف فهمًا صحيحًا؛ لأتمكن من العمل بمقتضاه.
فحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ) (رواه الترمذي)، أشكل عليّ الأمر: هل كان يقصد أن تكون الرائحة قوية فواحة بحيث يشمها من كان على بُعد، ويستمر المتطيب في شمها طوال اليوم؟ أم أن المقصود مجرد أن يكون للطيب رائحة، دون تحديد لمدى قوتها؟
أرجو منكم بيان المعنى المقصود من هذا الحديث الشريف.

ملخص الجواب

هذا الحديث لا تخلو أسانيده من مقال وضعف، وقد حُسِّن بمجموع طرقه، وهو محمول على عطر المرأة إذا خرجت من بيتها.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

هذا الخبر ورد من حديث عدد من الصحابة رضوان الله عليهم:

ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

رواه الإمام أحمد في "المسند" (16 / 573)، وأبو داود (2174)، والنسائي (5117) و (5118)، والترمذي (2787)، وغيرهم: عَنِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ).

وهذا إسناد ضعيف لجهالة الرجل الطّفاوي.

قال الترمذي عقب الحديث:

"هذا حديث حسن، إلّا أنّ الطُّفَاوِيّ لا نعرفه إلّا في هذا الحديث، ولا نعرف اسمه" انتهى.

وورد من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه:

رواه الإمام أحمد في "المسند" (33 / 185)، وأبو داود (4048)، والترمذي (2788)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (5 / 8)، والحاكم في "المستدرك" (4 / 191): عن سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَوْنَ لَهُ، أَلَا وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ).

وهذا الإسناد علته؛ هي الخلاف الحاصل في سماع الحسن من عمران بن الحصين، فقد ذهب جمع من الأئمة إلى أنه لم يسمع منه، فعلى هذا القول فالإسناد لا يصح لانقطاعه.

وقال الحاكم عقب الحديث:

"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه. فإنّ مشايخنا، وإن اختلفوا في سماع الحسن عن عمران بن حصين، فإنّ أكثرهم على أنه سمع منه" انتهى.

لكن المشهور عن الأئمة هو النص بعدم السماع، خاصة مع ما اشتهر به الحسن البصري من الإرسال عمن لم يسمع.

قال البيهقي رحمه الله تعالى:

"أهل العلم بالحديث لا يثبتون سماع الحسن من عمران بن حصين" انتهى. "معرفة السنن" (9 / 139).

وورد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:

رواه البزار في "مسنده" (13 / 111 - 112)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (10 / 230 - 231): عَنْ سعيد بن سليمان، حَدَّثنا إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِم، عَن أَنَسٍ، قَالَ: (أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَوْمٌ يُبَايِعُونَهُ وَفِيهِمْ رَجُلٌ فِي يَدِهِ أَثَرُ خَلُوقٍ فَلَمْ يَزَلْ يُبَايِعُهُمْ وَيُؤَخِّرُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ طِيبَ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ).

وقال البزار عقبه:

"وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عاصم إلّا إسماعيل بن زكريّا" انتهى.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"إسماعيل بن زكريّا الخُلْقاني ...: صدوق، اختلف قول ابن معين فيه" انتهى. "الكاشف" (1 / 246).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"إسماعيل ابن زكريا ابن مرة الخُلْقاني ...: صدوق يخطىء قليلا" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص107).

لكن هذا الخبر رواه سفيان بن عيينة عن عاصم، لكن من حديث أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الاشعري، مع الاختلاف عليه في وصله وإرساله.

فرواه مرسلا:

عبد الرزاق في "المصنف" (5 / 59):

والعقيلي في "الضعفاء" (1 / 162)، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ:

 عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَبِهِ رَدْعُ خَلُوقٍ، فَبَايَعَهُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ طِيبِ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرُ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ).

ورواه إبراهيم بن بشار عن سفيان ابن عيينة موصولا.

رواه العقيلي في "الضعفاء" (1 / 162)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1 / 215): عن إِبْرَاهِيم بْن بَشَّارٍ الرَّمَادِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: (أَنَّ رَجُلًا، أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ...) الحديث.

وإبراهيم بن بشّار متكلّم فيه.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"ابراهيم بن بشّار الرّمادي صاحب سفيان بن عيينة: ضعّفه أحمد، واتّهمه. وقال ابن معين: ليس بشيء، وأمّا ابن عديّ فقال: هو من أهل الصّدق" انتهى. "المغني في الضعفاء" (1 / 11).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"إبراهيم بن بشّار الرّماديّ، أبو إسحاق البصريّ: حافظ له أوهام" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص 88).

ورجّح الإرسال العقيلي، حيث قال رحمه الله تعالى بعد ذكر رواية سعيد بن سليمان، عن إِسْمَاعِيل بْن زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِم. التي سبق ذكرها، والتي أخرجها البزار والبيهقي:

"لا يُتَابَع عليه، وهذا يروى عن عاصم، عن أبي عثمان النّهديّ، من قوله" انتهى. "الضعفاء الكبير" (2 / 109).

وكذا صوّب الإرسال الدارقطني رحمه الله تعالى، حيث سُئل:

"عن حديث عاصم الأحول، عن أنس: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بايع قوما وفيهم رجل عليه خلوق فأخره، وقال: طيب الرجال ما خفي لونه وظهر ريحه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه).

فقال: يرويه إسماعيل بن زكريّا، عن عاصم، عن أنس، قاله سعدويه عنه.

وخالفه ثابت بن يزيد:

فرواه عن عاصم، عن أبي عثمان النّهديّ مرسلا، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الصّواب" انتهى. "علل الدارقطني" (12 / 104).

وورد حديث أنس من غير طريق عاصم.

رواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (5 / 8)، قال: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، قال: حدثنا صاعد بن عبيد، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن إسناده لا يصحّ؛ لأنّ راويه صاعد بن عبيد: مجهول.

وورد أيضا من حديث يعلى بن مرّة رضي الله عنه:

رواه المحاملي "الأمالي" (ص314)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ: تَخَلَّقْتُ، فَغَسَلْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ، وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ).

وهذا إسناد ضعيف لجهالة عبد الله بن حفص، وأبو هشام متكلَّم فيه.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"عبد الله بن حفص، وقيل: حفص بن عبد الله: مجهول، لم يرو عنه غير عطاء بن السائب" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص 300).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

"محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعيّ، قال أحمد العجليّ: لا بأس به. وقال غيره: صدوق. وأمّا البخاريّ فقال: رأيتهم مجمعين على ضعفه. وروى ابن عقدة عن مطيّن، عن ابن نمير: كان يسرق الحديث. وروى أبو حاتم عن ابن نمير قال: كان أضعفنا طلبا وأكثرنا غرائب" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2 / 644).

وقد روى هذا الحديث ابن عساكر في "معجم الشيوخ" (2 / 1134)، من طريق المحاملي، ثم قال عقبه:

"هذا حديث غريب" انتهى.

فالحاصل؛ أن طرق هذا الخبر لا تخلو من ضعف أو مقال، وقد حُسِّن بمجموع طرقه.

قال الشيخ الألباني، رحمه الله، في إرواء الغليل (7/ 73): وهذا إسناد ضعيف لجهالة الشيخ الطفاوي. لكن للحديث شواهد يتقوى بها. انتهى.

ثانيا:

معنى هذا الخبر على ما قاله راويه سعيد بن أبي عروبة -راوي حديث عمران بن حصين-، حيث قال كما في عقب روايته عند أبي داود (4048):

"قال سعيد: أُراه قال: إنما حَمَلُوا قوله في طيب النساء على أنها إذا خرجت، فأما إذا كانت عند زوجِها، فلتطّيّب بما شاءت" انتهى.

وهذا معنى صحيح له ما يشهد له:

فقد نهيت المرأة عن التطيب بما فيه ريح إذا خرجت إلى الصلاة في المسجد.

فروى الإمام مسلم (443): عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: (قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا).

وروى أيضا (444): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ).

وروى الإمام أحمد في "المسند" (32 / 349)، وأبو داود (4173)، والترمذي (2786)، والنسائي (5126): عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ، فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا).

عند أبي داود: (قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا)، وعند الترمذي: (يَعْنِي زَانِيَةً)، وعند النسائي: (فَهِيَ زَانِيَةٌ).

وقال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

والنهي هنا مطلق يتناول كل طيب له رائحة تُشمّ ويجد ريحها من تمرّ به، ولم يقيده بالقوة أو طول بقاء الرائحة، فتُنهى المرأةُ إذا خرجت من بيتها عن استعمال أي عطر فيه رائحة يشمّها من يمر بجانبها، فالمطلق يعمل به على إطلاقه.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى:

"فإن ورد الخطاب مطلقا، حمل على إطلاقه" انتهى. "الفقيه والمتفقه" (1 / 308).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، ويقيّد ما قيّده" انتهى. "مجموع الفتاوى" (24 / 13).

وكذا الرجل مأذون له في التعطر بأي عطر من غير تقييد بدرجة معينة من القوة.

وأما كون طيب الرجل لا لون له؛ فقد ثبت النهي للرجل عن استعمال ما له لون في جسده؛ لأن هذا من خصائص النساء، فقد كنّ يتجمّلن بتطييب أنفسهن بما فيه لون كلون الزعفران.

روى البخاري (5846)، ومسلم (2101): عَنْ أَنَسٍ قالَ: (نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ).

قال الشيخ محمد بن علي بن آدم الإثيوبي رحمه الله تعالى:

"... وفيه أنّه ينبغي الفرق بين طيب الرّجال والنّساء، وذلك على حسب المصالح المترتّبة عليه، فيكون طيب الرّجال يظهر ريحه، ولا يظهر لونه، حيث لا ضرّ يترتّب على وجود الرّيح منهم، وأما ظهور اللّون ففيه مشابهة للنّساء، فينبغي البعد عنه، وأمّا طيب النّساء، فيستحسن فيه ظهور لونه، لا ريحه؛ وذلك لئلّا يفتتن بها الرّجال، إذا وجدوا منها ريحه، وأمّا لونه فإنّها تستره بلباسها، إلّا عمّن لا يحرم تبرّجها عنده" انتهى. "ذخيرة العقبى" (38 / 159).

الخلاصة:

هذا الحديث لا تخلو أسانيده من مقال وضعف، وقد حُسِّن بمجموع طرقه، وله شواهد لصحة معنى متنه.

والحديث محمول على عطر المرأة إذا خرجت، والنهي عن تعطّر المرأة إذا خرجت من بيتها مطلق غير مقيّد بدرجة أو قوة أو نوع، وفي المقابل للرجل أن يتعطر إذا خرج بما له رائحة سواء كانت قوية أو ضعيفة.

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android