لم يرد في الوحي ما ينص على أن من عقوبة الزاني في الآخرة؛ أنه يفوته الزواج في الجنة بالحور العين إذا دخلها.
ولكن استند بعض أهل العلم إلى القياس في القول بهذه العقوبة للزاني الذي مات بدون توبة من هذه الفاحشة، حيث قيس هذا الأمر على عقوبة شارب الخمر إذا مات وهو لم يتب من شربها.
حيث روى البخاري (5575)، ومسلم (2003): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"ومنها [من مفاسد الزنى]: أنه [الزاني] يُعرِّض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنَّات عدن، وقد تقدم أن الله سبحانه إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه للبسه يوم القيامة، وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة، فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا، بل كل ما ناله العبد في الدنيا، فإن توسع في حلاله؛ ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه، وإن ناله من حرام؛ فاته نظيره يوم القيامة" انتهى. "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" (ص497).
لكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن النص قد جاء بأنّ من يدخل الجنة لن يكون أعزب.
روى الإمام مسلم (2834): عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَمِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَوَلَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ).
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
"قوله: (وما فى الجنة عزب)؛ أي من لا زوجة له" انتهى. "إكمال المعلم" (8 / 365).
والقياس يكون غير صحيح إذا خالف النص.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:
"وفساد الاعتبار من القوادح المجمع على القدح بها، وهو بالنّسبة إلى القياس أن يكون القياس مخالفا لنصّ من كتاب، أو سنّة، أو إجماع" انتهى. "أضواء البيان" (5 / 591).
وقد يقال: بأن القياس متعلق بنساء الجنة الحور العين، فيزوّج لكن من نساء الدنيا.
لكن هذا أيضا فيه نظر؛ لأنه أمر غيبي ولم يأت فيه نص؛ والقياس يذهب إليه للضرورة فقط.
قال الشافعي رحمه الله تعالى:
"ونحكم بالإجماع، ثم القياسِ، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلةُ ضرورة لأنه لا يحل القياسُ والخبرُ موجودٌ، كما يكون التيمم طهارةً في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارةً إذا وُجد الماء، إنما يكون طهارةً في الإعواز؛ وكذلك يكون ما بعد السنة حجةً، إذا أَعوَزَ من السنة" انتهى. "الرسالة" (ص599).
والسنّة قد جاءت بأن لا أعزب في الجنة، فنكتفي بها، ولا ضرورة تدعونا للتفتيش والقياس في هذا الأمر، فنحن غير مكلفين بمعرفة تفاصيل أصناف النعيم في الجنة وأحواله التي لم ينص عليها الوحي.
وينظر جواب السؤال رقم (22769)
والخلاصة:
قد جاء النص بأن لا أعزب في الجنة، فمن استند إلى القياس على عقوبة شارب الخمر في الجنة - بحرمانه منها - في القول بعقوبة الزاني في الآخرة، بحرمانه من الحور العين، فهو غير ظاهر لنا.
والله أعلم.