أولاً:
سورة الإسراء مكية في الأصل، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه صريح في أن اليهود سألوا النبي ﷺ في المدينة. وقد جمع ذلك ابن كثير رحمه الله فقال بتعدد النزول.
قال رحمه الله في تفسيره (5/114) في تعليقه على الحديث المذكور:
"وهذا السياق -حديث ابن مسعود- يقتضي فيما يظهر بادي الرأي: أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود، عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية؟!
وقد يجاب عن هذا: بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه الوحي: بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.
ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا. قال: وأنزل الله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: 109]..." انتهى. ثم ذكر روايات أخرى.
ثانياً: توضيح قراءة الأعمش المذكورة في الحديث:
قول الأعمش (سليمان بن مهران) رحمه الله: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا يشير إلى لفظة: وَمَا أُوتُوا (بصيغة الغَيبة) بدلاً من قراءة الجمهور: وَمَا أُوتِيتُم (بصيغة الخطاب) .
وعدم وجودها فيما وقفنا عليه من كتب القراءات يرجع إلى الأمور الآتية:
1- مخالفتها لرسم المصحف العثماني:
هذه اللفظة قراءة شاذة، نُقلت بطريق الآحاد، وخالفت الرسم المجمع عليه في المصاحف العثمانية.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله فيفتح الباري (1/224):
"وللكشميهني: (هكذا في قراءتنا)؛ أي قراءة الأعمش، وليست هذه القراءة في السبعة؛ بل ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش، والله أعلم".
وقال القاضي عياض، رحمه الله: «وقد اختلف المحدثون فيما وقع من الأوهام في نص التلاوة فمنهم مَن أوجب إصلاحها؛ لأنه إنما سيقت للدلالة، ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
ومنهم من قَالَ: ننقلها كما وقعت (وننبه) عليها؛ لأنه يبعد خفاؤها عن المؤلف والناقل عنه ثم على جميع الرواة حتى وصلت إلينا فلعلها قراءة شاذة، ثم ضُعّفَ بأن الشاذ مروي معلوم لا يُحتج به في حكم، ولا يُقرأ به في صلاة ». انتهى، نقله ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/ 404)، وانظر: عمدة القاري (2/202).
2- اختلاف الرواة عن الأعمش نفسه:
بيّن الإمام مسلم وغيره في حديث رقم (2794) أن الرواة اختلفوا على الأعمش في هذا اللفظ؛ فرواه وكيع بن الجراح باللفظ المشهور الموافق لخط المصحف: (وَمَا أُوتِيتُمْ)، ثم قال بعدها: "وَفِي حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ: (وَمَا أُوتُوا)، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خَشْرَمٍ" انتهى.
وفي "فتح الباري" لابن حجر (13/444): "وقوله في آخره (وما أوتوا من العلم إلا قليلا) كذا للأكثر، ووقع في رواية الكشميهني (وما أوتيتم) على وفق القراءة المشهورة" انتهى.
3- طبيعة نقل القراءات في كتب الحديث، مقارنة بكتب القراءات:
كتب القراءات تعتني بالقراءات المروية بالأسانيد الأدائية المضبوطة التي اتصلت بالمقرئ، واختارها للإقراء، أما في كتب الحديث والسنن فقد تَرِدُ حروف منسوخةُ التلاوة، أو تفسيرية، منسوبة لمصاحف بعض الصحابة (كمصحف ابن مسعود) رواها الأعمش على جهة الرواية والحكاية للحديث؛ لا على جهة القراءة المتواترة المستمرة.
نظير هذا ما ذكره النووي رحمه الله في شرحه على مسلم (3/83):
"قوله (فنزلت هذه السورة "تبت يدا أبي لهب وقد تب" كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة): معناه أن الأعمش زاد لفظة: (قد) بخلاف القراءة المشهورة" انتهى. وفي صحيح البخاري (4971) "وَقَدْ تَبَّ؛ هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ".
قال الحافظ في "الفتح"(8/503): وليست هذه القراءة فيما نَقَل القُرّاء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيًا، لا قارئا، ويؤيِّده قوله في هذا السياق: "يومئذ"، فإنه يُشعر بأنه كان لا يستمرّ على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنَّها قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه – وحده". انتهى.
وحاصل ذلك:
أنه إذا ثبت أن الأعمش كان يذكر ذلك على جهة "القراءة": فإنها قراءة شاذة، لم تذكرها كتب القراءات المتواترة، بل حتى كتب "الشواذ" لم تذكرها، وهذا يقوي أن الأعمش لم يكن يذكرها على جهة القراءة، دائما، أو أنها منسوخة، كما ذكر الشيخ زكريا الأنصاري، رحمه الله، في بعض نظائره. انظر: "منحة الباري" (8/267).
ثالثًا:
المرويات المنقولة عن ابن مسعود رضي الله عنه التي تخالف الرسم العثماني ترجع حقيقتها إلى ثلاثة أقسام:
1. الأحرف المنسوخة في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام. انظر: فتح الباري (8/707).
2. الإدراج التفسيري: (كقراءة: فصيام ثلاثة أيام متتابعات في كفارة اليمين، أو وما أوتوا: لبيان أن الخطاب لليهود). انظر: إجابة (177136).
3. القراءة المتواترة الصحيحة عنه.
والله أعلم.