هل حديث «مثل المؤمن كخامة الزرع» صحيح؟ وما معنى الحديث؟

السؤال 662151

أريد أن أسأل عن صحة حديث: مثل المؤمن كخامة الرزع: ( مَثَلُ المُؤمِنِ كمَثَلِ خامةِ الزَّرعِ يَفيءُ ورَقُه، مِن حَيثُ أتَتها الرِّيحُ تُكَفِّئُها، فإذا سَكَنَتِ اعتَدَلَت، وكَذلك المُؤمِنُ يُكَفَّأُ بالبَلاءِ، ومَثَلُ الكافِرِ كمَثَلِ الأَرْزةِ صَمَّاءَ مُعتَدِلةً حتَّى يَقصِمَها اللهُ إذا شاءَ)، وأرجو أن توضحوا لي المقصود بهذا الحديث.

ملخص الجواب

حديث: مثل المؤمن كخامة الزرع صحيح، متفق عليه من حديث أبي هريرة ومن حديث كعب بن مالك رضي الله عنهما بألفاظ متقاربة. والمقصود من الحديث هو ضرب مثلٍ نبويٍّ بديع لحال المؤمن وحال الكافر أو المنافق في هذه الحياة الدنيا تجاه نزول الأقدار والمصائب.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

تخريج الحديث ودرجة صحته

رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أخرجها البخاري (7466) بنفس اللفظ المذكور في السؤال: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ، يَفِيءُ وَرَقُهُ، مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ، صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً، حَتَّى يَقْصِمَهَا اللهُ إِذَا شَاءَ". وفي لفظ مسلم (2809): " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ، لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ، لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ".
رواية كعب بن مالك رضي الله عنه: أخرجها البخاري (5643) بلفظ: " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَالْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا مَرَّةً، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالْأَرْزَةِ لَا تَزَالُ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً". وفي لفظ مسلم (2810): " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً".
رواية جابر بن عبد الله: أخرجها الإمام أحمد (6/3213) بلفظ: " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ السُّنْبُلَةِ، مَرَّةً تَسْتَقِيمُ وَمَرَّةً تَمِيلُ وَتَعْتَدِلُ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ مُسْتَقِيمَةً لَا يَشْعُرُ بِهَا حَتَّى تَخِرَّ".

فالحديث صحيح متفق عليه، وله عدة روايات وألفاظ في دواوين السنة النبوية.
ثانياً:

بيان غريب الحديث ودلالات ألفاظه
- (الخامة): بالخاء المعجمة وتخفيف الميم، وهي النبتة الغضة الطرية اللينة، أول ما تنبت من الزرع على ساق واحد، والتي لم تشتد ساقها، ولذلك يسهل ميلها بالريح.

- (تُكفِّئُها): تقلبها وتميلها من جهة إلى جهة أخرى.

- (يفيئ ورقه/تفيئها الريح): أي تميلها وتثنيها، وترجع بها من جانب إلى آخر.

- (تصرعها وتعدلها): تصرعها أي تخفضها وتسقطها إلى الأرض، وتعدلها أي تقيمها وترفعها إذا سكنت الريح.

- (الأَرْزة): وهي شجرة عظيمة صلبة، قيل: شجر الأرز المعروف، وقيل: شجر الصنوبر، وهي شجرة قوية الجذع لا تزعزعها الرياح العادية. قال الرامهرمزي: "وَالْأَرَزَةُ: الثَّابِتَةُ مِنَ الشَّجَرِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْأَرَزَةُ، مِثَالُ فَعَلَةٍ، مُحَرَّكَةٌ مَفْتُوحَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْآرِزَةُ، مِثَالُ فَاعِلَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: وَمِنْهُ تَقُولُ: أَرِزَ يَأْرِزُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقُولِ: الْأَرْزَةُ، مِثَالُ فَعْلَةٍ، سَاكِنَةُ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: وَهُوَ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ، وَقَدٍ رَأَيْتُهُ يُقَالُ لَهُ: الْأَرْزُ، وَاحِدَتُهَا أَرْزَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى بِالْعِرَاقِ الصَّنَوْبَرُ، وَالصَّنَوْبَرُ: ثَمَرُ الْأَرْزَةِ". انتهى.

- (صمَّاء): أي صلبة قوية ليست مجوفة ولا رخوة.

- (المُجْذِية): الثابتة في الأرض المنتصبة القائمة على أصلها لا تتحرك.

- (يقصمها): يكسرها حتى تبين وتسقط.

- (انجعافها): انقلاعها وسقوطها من أصلها مرة واحدة.

وانظر "أمثال الحديث للرامهرمزي" (ص81)، و"كشف المشكل من حديث الصحيحين" لابن الجوزي (2/122)، و"شرح النووي على مسلم" (17/151)، و"التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (27/264)، و"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7/ 126)، و"فتح الباري" لابن حجر (10/ 107 ط السلفية)، و"مصابيح الجامع" (10/ 233)، و"عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (25/146).
ثالثاً:

المقصود بالحديث وشرح معانيه

اشتمل هذا الحديث العظيم على تشبيهين متقابلين:

1. مَثَل المؤمن كخامة الزرع:

شبّه النبي ﷺ المؤمن بالخامة من الزرع، التي لها ساق لينة غضة طرية، على طريقة "التشبيه المركب" عند البلاغيين، في أشبه القولين به؛ لما أن المؤمن لا يخلو من ابتلاء في بدنه أو ماله أو أهله، فإذا عصفت به ريح المصائب تمايل معها بالصبر والخضوع والاسترجاع، ولم يقابل قدر الله بالجحود والسخط، فإذا ارتفع البلاء عاد قائمًا بالشكر والحمد. قال عبيد الله المباركفوري في "مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (5/ 233): "(لا يزال المؤمن يصيبه البلاء) قال الطيبي: التشبيه إما تمثيلي، وإما مفرق، فيقدر للمشبه معان بإزاء ما للمشبه به. وفيه إشارة إلى أن المؤمن ينبغي له أن يرى نفسه عارية معزولة عن استعمال اللذات معروضة للحوادث والمصيبات مخلوقة للآخرة؛ لأنها دار خلود". انتهى.

وقال ابن الملقن رحمه الله في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (27/ 267): "قال المهلب: معنى الحديث أن المؤمن من حيث جاءه أمر الله انطاع له ولان ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر، فإذا سكن البلاء منه اعتدل قائمًا بالشكر له على البلاء والاختبار، وعلى المعافاة من الأمر المختبر به، منتظر لاختيار الله له ما شاء مما حكم له بخير به في دنياه أو كريم مجازاته في أخراه". انتهى.

2. مَثَل الكافر أو المنافق بالأرزة الصماء:

شبّه النبي ﷺ الكافر بالأرزة الصلبة المنتصبة؛ لما أن الكافر قد يُعطى الصحة وبسطة الرزق والسلامة في الدنيا استدراجًا وإملاءً له؛ لقول الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، فلا يُمحَّص بمرض ولا يُثاب على بلاء إن نزل به لعدم إيمانه.

قال ابن الملقن رحمه الله في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (27/ 267): "والكافر كالأرزة، صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار، بل يعافيه في دنياه، وييسر عليه أموره ليعسر عليه في معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه، قصمه قصمة الأرزة الصماء، فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألمًا في خروج نفسه من ألم النفس المبتلاة بالبلاء المأجور عليه". انتهى.

رابعاً:

كلام أهل العلم وشراح الحديث
1- قال أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في "غريب الحديث- ط الهندية" (1/ 118): "والْمَعْنى فِيمَا نرى: أَنه شبه الْمُؤمن بالخامة الَّتِي تميلها الرّيح، لِأَنَّهُ مُرَزَّأ فِي نَفسه وَأَهله وَمَاله وَولده. وَأما الْكَافِر فَمثل الأرزة الَّتِي لَا تميلها الرّيح وَالْكَافِر، لَا يُرزأ شَيْئا حَتَّى يَمُوت، فَإن رُزِئَ لَا يُؤجر عَلَيْهِ. فَشبه مَوته بانجعاف تِلْكَ، حَتَّى يلقى اللَّه بذنوبه جمة". انتهى.
2- قال المهلب ابن أبي صفرة رحمه الله كما في "شرح صحيح البخاري" لابن بطال (9/ 373): "وأما قوله عليه السلام: (مثل المؤمن الخامة من الزرع يفيء ورقه من حيث أتته الريح) يعنى من حيث جاء أمر الله انطاع له، ولان، ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر، فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائما، بالشكر له على البلاء والاختبار، وعلى المعافاة من الأمر، والاجتياز، ومنتظرًا لاختيار الله له ما شاء، مما حكم له بخيره في دنياه، وكريم مجازاته في أخراه.

والكافر كالأرزة؛ صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار، بل يعافيه في دنياه وييسر عليه في أموره، ليعسر عليه في معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء، فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألما في خروج نفسه، من ألم النفس المُلَيَّنة بالبلاء المأجور عليه". انتهى. وانظر "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن (27/ 267).

3- قال القرطبي رحمه الله في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (7/ 127): "وهذا مثل للغالب من المؤمنين، والغالب من الكافرين، وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، وأن توفر أجورهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين. وفائدة هذا الحديث: المصائب، والصبر عليها، وانتظار الثواب عليها، والخوف من عدم المصائب وبسط الدنيا". انتهى.

الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله أفرد هذا الحديث برسالة خاصة سمّاها: "غاية النفع في شرح حديث تمثيل المؤمن بخامة الزرع"، ومما قال فيها (ص211): "ففي هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثل المؤمن في إصابة البلاء لجسده بخامة الزرع التي (تفيئها الريح) يمنة ويسرة. والخامة: الرطبة من النبات. وَمَثَّل المنافق والفاجر: بالأرزة وهي الشجرة العظيمة، التي لا تحركها الرياح ولا تزعزعها، حتى يرسل الله عليها ريحًا عاصفًا فتقتلعها من الأرض دفعة واحدة". انتهى.
الحاصل:
الحديث صحيح، متفق عليه، من رواية أبي هريرة وكعب بن مالك رضي الله عنهما.

ومعناه: أن المؤمن يشبه الزرع الطري الذي تميله الرياح ثم يعود إلى اعتداله. فهو يُبتلى في بدنه وأهله وماله، ويكون ذلك تكفيراً لخطاياه ورفعاً لدرجاته. وأن الكافر يشبه شجرة الأرز الصلبة التي تبقى قائمة ثم تُقتلع دفعة واحدة. فهو يُمهَل ويُيسَّر له في الدنيا، ثم يأتيه أجله وسيئاته وافرة. وهذا وصف للغالب من الحالين، والمقصود منه تسلية المؤمن، وحثه على الصبر.

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android