ليس في حديث الأم مع أولادها بلغتها محذور شرعي في ذاته، وإنما المحذور تأثرهم بما يخالف الإسلام، وعلاجه بالتربية والتوجيه، لا بمنع اللغة. ولا يحق للزوج إلزام زوجته بترك لغتها الأم، أو التحدث مع أولادها بلغته، وإن تعلمت لغته وتحدثت بها معهم فهو من حسن العشرة. وينبغي للأبوين التعاون على تربية أولادهما على الإسلام وتعليمهم العربية.
هل يجوز للزوج منع زوجته من التحدث بلغتها الأم مع أولادها؟
السؤال 662544
امرأة أسلمت، ثم تزوجت بزوج مسلم، ولها لغة أم غير لغة زوجها، (الإنجليزية)، ولا يريد زوجها أن تتحدث بها مع أطفالهم؛ لأن أغلب الأشخاص الذين يتحدثون بهذه اللغة في بلدها الأصلي ليسوا مسلمين، ويخشى على الأطفال أن يتأثروا بهم، ويطلب منها أن تتعلم لغته، وأن تتحدث بها مع أطفالهم، بل يريد أن تتعلم لغته، وهي ليست العربية، وتتكلم بها مع أطفالها.
فهل يجوز للزوج منع زوجته من التحدث بلغتها الأم مع أطفالها؟ وهل يجب عليها طاعته في ذلك، مع أن تعليم الأطفال لغة أمهم لا يترتب عليه في ذاته محذور شرعي، وهي حريصة على تربيتهم على الإسلام؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
أمر الله بحسن العشرة بين الزوجين، وجعل للزوج القوامة على الأسرة. وطاعة الزوجة لزوجها تكون في المعروف، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الطاعة في المعروف) متفق عليه. وتكون في حدود الوسع، قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. وبلا ضرر عليها.
قال الله تعالى: فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله [سورة النساء آية ٣٤].
قال ابن عاشور: يحفظن أزواجهن حفظا مطابقا لأمر الله تعالى، وأَمْرُ الله يرجع إلى ما فيه حق للأزواج وحدهم، أو مع حق الله، فشمِل ما يكرهه الزوجُ إذا لم يكن فيه حرج على المرأة انتهى من التحرير والتنوير (٥/٤١).
والأصل فيما تجب فيه طاعته: أنه يرجع إلى عقد النكاح وتوابعه، ما لم يكن لها عذر في تركه، وكذا إذا أمرها بأمر مصلحته ظاهرة، سواء تعلق بخصوص النكاح، أو ما يتعلق بأمور بيتهما ومعاشه، وينظر: جواب السؤال رقم (285726).
والزوج هو المسؤول الأول عن التوجيه في الأسرة، لكن تربية الأولاد ليست حقًّا له وحده، كما يأتي.
ثانيًا:
قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) رواه البخاري (٨٥٣) ومسلم (١٨٢٩).
قال الخطابي رحمه الله: وَرِعَايَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ: سِيَاسَتُهُ لِأَمْرِهِمْ وَإِيصَالُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَرِعَايَةُ الْمَرْأَةِ: تَدْبِيرُ أَمْرِ الْبَيْتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْخَدَمِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلزَّوْجِ فِي كُلِّ ذَلِكَ نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (١٣/١١٣).
وأرشد القرآن إلى التشاور بين الأبوين في شأن الولد: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة: ٢٣٣].
وقد ذكر الفقهاء ما يدل على أن للأم نصيبًا في تعليم الولد وتربيته؛ قال النووي في الروضة (١/١٩٠) نقلًا عن الأئمة: فَيَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ الْأَوْلَادِ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ السَّبْعِ.
فللأب مزيد مسؤولية بولايته، كما أن للأم نصيبًا في تعليم الولد وحضانته وتربيته. ينظر: حاشية ابن عابدين (٤/٧٨، ط. الحلبي) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي (٢/٥٢٦) كشاف القناع (٢/ ١٨ ط وزارة العدل).
ثالثًا:
اختار الله العربية لساناً لكتابه، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥]. والصلاة لا تصح إلا بتلاوة القرآن العربي، فكان المسلمون على اختلاف أجناسهم يتعلمون العربية حفظًا للوحي.
وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله أثر اللغة في الإنسان، ولا سيما في الصغار، فقال: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بيّنا.
وذكر أن الطريق الحسن: اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب، وعلّل ذلك بقوله: بخلاف مَن اعتاد لغةً ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب عليه.
ثم قال: وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية.
ونقل قول الشافعي رحمه الله: ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها... مِن غيرِ أن يَحرُم على أحدٍ أن يَنطق بأعجمية. ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٢١) وينظر: جواب السؤال رقم (90066).
فحرص الأب على أن يتقن أولاده العربية حرص مشروع، بل مؤكد، وتأخير الأمر حتى يكبَروا يزيده صعوبة، ويمكن تحصيل هذا المقصود دون إلزام الأم بترك لغتها، كما يأتي.
وسواء كانت لغة الأبوين، أو أحدهما، هي العربية، أم لم تكن كذلك؛ فلا شك أن حرص الأبوين على تعليم أولادهما العربية: هو من النصح التام لهما، ولا يخفى حاجة الأولاد إلى تعلم العربية في سن صغيرة، ليألفوها، وتنمو معرفتهم بها مع الزمان، ليتمكنوا من قراءة كتاب الله وفهم معانيه، وقراءة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة فقهها.
وينبغي أن يتعاون الوالدان جهدهما على تعلم العربية، وتعليمها أبنائهما.
أما لو كانت لغة الأب غير العربية، كما هي حال السائل، وأراد أن يُلزم زوجته بالحديث مع أولادها بلغته: فليس له ذلك، ولا فضل للغته على لغتها، فلا يلزم الأم تغيير لغتها، وتربية الأولاد مسؤولية مشتركة بين الأبوين، وطاعة الزوج إنما تكون في المعروف، وفي حدود الوسع وبلا ضرر عليها.
وتعلّم لغة جديدة والتحدث بها مع الأولاد كل يوم قد يشق عليها ويتعذر إتقانه، وقد قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
ويزيد الأمر وضوحًا أن العربية إنما اختصت بالمكانة لكونها لغة الوحي، وليس للغة الأب مثل هذه المنزلة، فلا فضل لها على لغة الأم، ولا مسوّغ للإكراه. وغاية ما له أن يعرض الأمر عليها بالحسنى والتشاور.
وليس في الإنجليزية نفسها ما يمنع من تربية الأولاد على الإسلام. وخوف الزوج مشروع، لكنه راجع إلى تأثر الأولاد بمن لا يلتزمون بالإسلام، وعلاجه يكون بتعاهدهم بالتربية وضبط ما يشاهدونه ويقرؤونه، ومن يصاحبونه.
وإذا كان الزوج قد تزوج امرأته، وهو يعلم بحالها ولغتها، ولم يشترط عليها هذا الشرط، فليس له أن يعود ويشق عليها بذلك الأمر بعد الزواج.
وقد ذكر ابن عابدين فيمن تزوج امرأة يعلم بخروجها قابلةً أو غاسلةً: وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَزَوُّجُهُ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا رِضًا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ انتهى من حاشية ابن عابدين (٣/١٤٦).
ومع ذلك، فلو أمكن المرأة أن تجيب طلب زوجها، وتتعلم لغته: فذلك من حسن العشرة لزوجها، ومن مكارم أخلاقها، حتى وإن لم يكن واجبا عليها.
رابعًا:
المسؤول عن تعليم الأولاد بالأساس هو الأب، فيأتي لهم بمعلم، أو يلحقهم بمدرسة أو حلقة. ولا تُكلَّف الزوجةُ بذلك، ولا تُمنع من لغتها لأجل أن يعتاد الأطفال لغة الوالد.
ويشهد لهذا ما ذكره الفقهاء في أجرة تعليم الصغير، كقول النووي في الروضة (١/١٩٠): وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْأُمِّ.
والنصيحة لك أن يبقى الحوار مع زوجتك هادئًا، وأن تُبيّن لها مقصدك من خوفك على الأولاد، فإن ذلك يهوّن كثيرًا من الخلاف. والنصيحة لك أيضًا أن تجعل من لغة زوجتك فرصة لا عبئًا، فإن الطفل الذي ينشأ بلغتين يكسب أكثر مما يخسر، ويبقى حرصك على لغة القرآن ثابتًا بما ذكرنا.
والله أعلم.
وللفائدة ينظر الأجوبة: (91514)، (70222)، (294228)، (43123)
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟