بر الوالدين

بر الوالدين

كيف تعرف الأحاديث المنسوخة من الناسخة ؟ وهل يمكن أن يشتبه الأمر علينا ؟. هل يجوز للمرأة الاستجمار بالحجارة من البول ؟. أليس للنصارى الحق في الإيمان بالصلب وقد شاهدوه عيانا ؟. حكم التحدث عن أمر ليس للإنسان فيه معرفة كافية.. حكم السفر من البلد الذي ينتشر فيه وباء الإيبولا. هل يستحب الدعاء عند نزول المطر ؟ وماذا يقال عند نزوله وعند سماع الرعد ؟. كيف أحدد " اليوم السابع من الولادة " الذي يستحب فيه ذبح العقيقة. إجابة المؤذن أفضل من قراءة القرآن. هل يجوز دفع الزكاة لمن كان يتعامل بالربا؟. تساعد والديها من راتبها دون علم زوجها. الحكمة من إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء في حادثة الإسراء . حلف بالطلاق أن يحلق الابن لحيته !!. يريد الزواج وأمه تعارض ذلك لصغر سنه. يشتكي من سوء معاملة والدته. ولدٌ يجادلُ والدتَه في أمورِ طعامِهِ وصلاتِهِ. أمه تسيء إليه بعد زواجه. والده يمنعه من صلاة الفجر في المسجد فهل يطيعه ؟. هل يحج عن أمه أو عن أبيه؟. هل من العقوق سفره لطلب الرزق وتركه لوالديه؟. طلاق الرجل زوجته بأمر والديه . زوجها ضعيف فهل تضع له الدواء في الطعام بدون علمه . أسلمت ويريد الزواج بها وأمه ترفض . كيف يبر المسلم والديه ؟ . والداه يرفضان أن يرفع إزاره فهل يطيعهما ؟ . هل يطيع أباه ويشتري له خمراً ؟ . يغضب ولا يكلم والديه ولا يصطلح معهما . ما حكم العيش مع والدة كافرة ؟. يريد نفع والده الميت . هل أطيع والدي بترك مصاحبة الأخيار ؟ . هل يحق للابن أو للبنت رفض من اختاره لهما والداهما في الزواج . هل يتزوج بغير رضى والده ؟ . يريد الزواج ووالده رافض . هل للأم أن تمنع أبنتها من الصيام لأجل التغذية . مسؤولية الزوجة تجاه والديها . حكم قراءة القرآن لآخر حيا أو ميتا . هل يطيع والديه أم يطبق السنة . صاحب قلب نظيف لكنه لا يحترم والديه . زوجها يمنع أولادهما من زيارة أبويها الكافرين. حق أمي عليّ وحقي على أمي ومدى استقلاليتي. والده يطلب منه شراء الدخان. لمن الأفضلية عند المسلم الزوجة أم الأم. طاعة الوالدين في حلق اللحية. كيفية معاملة الأم الفاسقة. بر الوالد المنكر للحديث.

كيف تعرف الأحاديث المنسوخة من الناسخة ؟ وهل يمكن أن يشتبه الأمر علينا ؟

السؤال :
عندي سؤال عن مسألة النسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يمكن لنا التأكد من أنّ الأحاديث الصحاح التي توجد بين أيدينا اليوم لم تنسخ بالفعل بعد أن رويت ، وأنّ الحكم اختلف بعد ذلك ، فبما أنه توجد أحاديث نسخت فإنّ ذلك يعني أنه من الممكن أن تكون هناك أحاديث نسخت ولكننا لا نعلم عنها، فكيف يمكن لنا أن نعمل بالصحيح والحسن ، دون أن نعلم على وجه اليقين أنها لم تنسخ ؟

الجواب :
الحمد لله
النسخ : أن يرفع الشارع حكما سابقا متقدما ، بحكم آخر ـ من الشارع أيضا ـ لكنه متأخر عن الحكم الأول ، لاحق له .
والنسخ يعرف بأمور:
الأول : أن ينص الشارع على النسخ .
الثاني: أن ينص الصحابي على ذلك .
الثالث : أن تجمع الأمة على أن الحديث منسوخ.
الرابع : أن يتعارض حديثان، ولا يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه، ويعرف المتقدم منهما من المتأخر، فيكون المتقدم منسوخا.
قال النووي رحمه الله: " أما النسخ فهو رفع الشارع حكما منه متقدما ، بحكم منه متأخر .
هذا هو المختار فى حده ...
ثم النسخ يعرف بأمور منها:
تصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، كـ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) رواه مسلم 977].
ومنها قول الصحابى: ( كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار ) .
ومنها ما يعرف بالتاريخ .
ومنها ما يعرف بالإجماع ، كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة ؛ فإنه منسوخ ، عرف نسخه بالإجماع.
والإجماع لا يَنسخ ، ولا يُنسخ ، لكن يدل على وجود ناسخ ، والله أعلم.
وأما اذا تعارض حديثان في الظاهر ، فلا بد من الجمع بينهما ، أو ترجيح أحدهما .
وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون المتمكنون في ذلك ، الغائصون على المعاني الدقيقة ، الرائضون أنفسهم في ذلك، فمن كان بهذه الصفة ، لم يُشكِل عليه شيء من ذلك ، إلا النادر ، في بعض الأحيان .
ثم المختلف قسمان: أحدهما: يمكن الجمع بينهما، فيتعيّن، ويجب العمل بالحديثين جميعا.
ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة : تعيّن المصير إليه .
ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به .
ومثال الجمع حديث ( لا عدوى ) مع حديث ( لا يورِد مُمْرِض على مُصِحّ ) .
وجه الجمع : أن الأمراض لا تُعدِي بطبعها ، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للإعداء، فنفى في الحديث الأول ما يعتقده أهل الجاهلية من العدوى بطبعها، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة ، بقضاء الله وقدره وفعله.
القسم الثاني: أن يتضادا ، بحيث لا يمكن الجمع بوجه :
فإن علمنا أحدهما ناسخا : قدمناه .
وإلا ؛ عملنا بالراجح منهما، كالترجيح بكثرة الرواة ، وصفاتهم ، وسائر وجوه الترجيح، وهى نحو خمسين وجها ، جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه : "الناسخ والمنسوخ" . وقد جمعتها أنا مختصرة ، ولا ضرورة إلى ذكرها هنا كراهة للتطويل" انتهى من " شرح مسلم " (1/ 60-61).
وقال الحازمي رحمه الله فيما يعرف به الناسخ والمنسوخ:
"ويعرف ذلك بأمارات عدة :
منها : أن يكون لفظ النبي صلى الله عليه وسلم مصرحا به ؛ نحو قوله عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ؛ ألا فزوروها ) .
أو يكون لفظ الصحابي ناطقا به ، نحو حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ، ثم جلس بعد ذلك ، وأمرنا بالجلوس ) .
ومنها : أن يكون التاريخ معلوما ؛ نحو ما رواه أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله إذا جامع أحدنا ، فأكسل [أي لم ينزل] ؟ فقال النبي : ( يغسل ما مس المرأة منه ، وليتوضأ ثم ليصل ) .
هذا حديث يدل على أن لا غسل مع الإكسال ، وأن موجب الغسل الإنزال .
ثم لما استقرأنا طرق هذا الحديث ، أفادنا بعض الطرق أن شرعية هذا كان في مبدأ الإسلام ، واستمر ذلك إلى بعد الهجرة بزمان .
ثم وجدنا الزهري قد سأل عروة عن ذلك ، فأجابه عروة أن عائشة رضي الله عنها حدثته ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ولا يغتسل . وذلك قبل فتح مكة ، ثم اغتسل بعد ذلك ، وأمر الناس بالغسل .
ومنها : أن تجتمع الأمة في حكمه على أنه منسوخ ، فهذه معظم أمارات النسخ...
وإن لم يمكن التمييز بينهما ، بأن أُبهم التاريخ ، وليس في اللفظ ما يدل عليه ، وتعذر الجمع بينهما ، فحينئذ يتعين المصير إلى الترجيح .
ووجوه الترجيحات كثيرة ، أنا أذكر معظمها ..." انتهى من " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " (ص8 )، لأبي بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمداني، (المتوفى : 584هـ)، وكتابه من أنفع الكتب في هذا الباب.
وبهذا يتبين لك أن الأمر ليس مشكلا، فأكثر الأحاديث الثابتة ليست منسوخة ، ولا يتطرق النسخ إلا للأحاديث المتعارضة التي لا يمكن الجمع بينها، فهذه قد ينص الشارع فيها على النسخ، وقد ينص الصحابي أو ينعقد الإجماع على كون الحديث فيها منسوخا. وقد يُعلم النسخ من جهة التقدم والتأخر.
ولم يترك فقهاء الحديث ، وشرّاح السنة ، شيئا من ذلك إلا بينوه ، ولله الحمد والمنة ؛ فلا وجه لتطريق الاحتمالات ، وإدخال الوساوس والشكوك ، من غير طائل ، ولا موجب من العلم .
وانظر للفائدة: السؤال رقم : (228722) ، ورقم: (147416) .

والله أعلم.

موقع الإسلام سؤال وجواب


هل يجوز للمرأة الاستجمار بالحجارة من البول ؟

السؤال :
ما هي شروط الاستجمار عند المذاهب الفقهية الأربعة ؟ لقد قرأت أن المذهب المالكي يوجب على المرأة الاستنجاء بعد البول لأن بولها يتطاير عند خروجه ، فما رأي المذاهب الأخرى ؟

الجواب :
الحمد لله
"اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ إِنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ ، وَانْتَشَرَ كَثِيرًا : لاَ يُجْزِئُ فِيهِ الاِسْتِجْمَارُ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّ الاِسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى ، فَتَخْتَصُّ بِمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَبْقَى الزَّائِدُ عَلَى الأْصْل فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْغَسْل" انتهى من "الموسوعة الفقهية" (4/121) .

ويُجْزِئُ الْمَرْأَةَ الاِسْتِجْمَارُ مِنَ الْغَائِطِ بِالاِتِّفَاقِ ، وهذا واضح .
أَمَّا مِنَ الْبَوْل:
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يُجْزِئُ الاِسْتِجْمَارُ فِي بَوْل الْمَرْأَةِ ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، قَالُوا: لأِنَّهُ يُجَاوِزُ الْمَخْرَجَ غَالِبًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ : يَكْفِي فِي بَوْل الْمَرْأَةِ - إِنْ كَانَتْ بِكْرًا - مَا يُزِيل عَيْنَ النَّجَاسَةِ خِرَقًا أَوْ غَيْرَهَا، أَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نُزُول الْبَوْل إِلَى ظَاهِرِ الْمَهْبِل ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ ، لَمْ يَكْفِ الاِسْتِجْمَارُ، وَإِلاَّ كَفَى.
وَيُسْتَحَبُّ الْغَسْل حِينَئِذٍ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَفِي الثَّيِّبِ قَوْلاَنِ :
الأْوَّل: أَنَّهُ يَكْفِيهَا الاِسْتِجْمَارُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ " انتهى من "الموسوعة الفقهية" (4/122) .
وينظر : "مواهب الجليل" للحطاب (1/284) ، "منح الجليل" لعليش (1/105) .

قال ابن قدامة رحمه الله :
" والمرأة البكر : كالرجل؛ لأن عذرتها تمنع انتشار البول.
فأما الثيب : فإن خرج البول بحدَةٍ ، فلم ينتشر فكذلك.
وإن تعدى إلى مخرج الحيض ، فقال أصحابنا: يجب غسله ، لأن مخرج الحيض والولد غير مخرج البول .
ويحتمل أن لا يجب؛ لأن هذا عادة في حقها ؛ فكفى فيه الاستجمار ، كالمعتاد في غيرها؛ ولأن الغسل لو لزمها ، مع اعتياده ، لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه ، لكونه مما يحتاج إلى معرفته " انتهى من "المغني" (1/118) .

والراجح : أن المرأة في هذا كالرجل ، بكرا كانت أم ثيبا .
وهو ما اختاره جماعة من العلماء المحققين ، كالمجد ابن تيمية ، جد شيخ الإسلام ابن تيمية ، والمرداوي ، انظر : " الإنصاف " (1/160) .

سئل الشيخ عبد الله الطيار :
يقال بأن المرأة يشترط استنجاؤها من البول بالماء ، ويتزعمون هذا الذين ينتسبون إلى المالكية ؛ فهل هذا القول صحيح ؟
فأجاب :
" لا أعرف مستنداً في ذلك؛ فالمرأة مثلها مثل غيرها ، لها أن تستنجي بالماء، ولها أن تستجمر بالحجارة، وإن أتبعت الحجارة بالماء فهذا أكمل " انتهى .
http://www.m-islam.com/new/s/1276

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (9645) ، (111813) .
والله تعالى أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب


أليس للنصارى الحق في الإيمان بالصلب وقد شاهدوه عيانا ؟

السؤال :
هناك سؤال يشغل بالي ولم أجد له جواباً ، حيث نجد في القرآن الكريم أنّ عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ، ولكن شبه للنصارى مقتله وصلبه ، مما يعني أنه من الطبيعي أن يعتقد النصارى بمسألة موت المسيح وصلبه ، بل ولهم الحق في اعتقاد ذلك بما أنّ هذا الاعتقاد جاء نتيجة المشاهدة الحسية التي تناقلوها فيما بينهم . فلماذا جعلهم الله يرون ويعتقدون شيئاً ليس صحيحاً ، وكيف يمكن لهم أن يؤمنوا بشيء يخالف ما رأوه بعينهم ؟

الجواب :
الحمد لله
لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الحكم على النصارى الأولين ( أي : قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) لم يرد الحكم عليهم بالكفر من أجل اعتقادهم أن المسيح عليه السلام قد قتل وصلب ، بل كفَّرهم الله عز وجل لأنهم جعلوا المسيح إلها ، ولأنهم جعلوا الآلهة ثلاثة : الآب والابن والروح القدس .
قال الله تعالى : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) المائدة/72، 73.
ولم يرد في القرآن الكريم : ( لقد كفر الذين قالوا إن المسيح قد قتل وصلب !!) .
وسبب ذلك : أن الله ألقى شبه عيسى على رجل آخر فقتله أعداؤه وهم يظنون أنه المسيح ، ولم يكن أحد من أتباع المسيح وحواريه موجودا في ذلك المكان حتى يتحقق من الشخص المصلوب إلا بعض النساء وقفن من بعيد ينظرن ، ثم انتشر الخبر بقتل المسيح وصلبه ودفنه ، فصدق ذلك كثير من الناس ، حتى من أتباعه ، إذ لم يكن عندهم من العلم ما يبطل ذلك ، والمسيح باعتباره بشرا لا يمتنع عليه أن يقتل كما قتل اليهود قبله غيره من الأنبياء .
فكان ذلك عذرا لمن اعتقد هذا الاعتقاد الخاطئ .
ولهذا فنحن نوافقك الرأي ، أن " من الطبيعي " – على حد تعبيرك – أن يؤمن النصارى ـ ونعني بهم النصارى الأولين قبل مجيء نبينا صلى الله عليه وسلم ـ بالصلب وقتل عيسى عليه السلام.
ولكن بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن ونفيه القاطع قتل المسيح وصلبه ، كان من آمن بقتل المسيح وصلبه بعد ذلك كافرا ، لأنه مكذب لخبر الله الذي قامت الأدلة القطعية والمعجزات على أنه كلام الله حقيقة ، وليس كلام أحد من البشر .
فمن آمن من أتباع المسيح – قبل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم – بالمسيح نبينا ورسولا وليس إلها أو ابنا للإله ، واتبع تعاليمه ، غير أنه أخطأ فاعتقد أنه قتل وصلب : كان ذلك الشخص مؤمنا موحدا ، معذورا في ذلك الاعتقاد الخاطئ .
قال ابن تيمية رحمه الله :
" إذا قيل إن الحواريين ، أو بعضهم ، أو كثيرا من أهل الكتاب ، أو أكثرهم ، كانوا يعتقدون أن المسيح نفسه صلب ، كانوا مخطئين في ذلك ، ولم يكن هذا الخطأ مما يقدح في إيمانهم بالمسيح إذا آمنوا بما جاء به ، ولا يوجب لهم النار ؛ فإن الأناجيل التي بأيدي أهل الكتاب فيها ذكر صلب المسيح " انتهى من " الجواب الصحيح " (2/302) .
لكن ذلك العذر قد انقطع بمجيء الخبر الصادق من رب العالمين ، في كتابه : أن اليهود الملاعين قد شبه الأمر لهم ، وأن الله جل جلاله لم يسلطهم على نبي الله عيسى ، على وجه الحقيقة ، ولم يمكنهم من قتله ، ولا صلبه ؛ فحينئذ ، قد انقطع العذر ، بمجيء الخبر الصادق به .
ويقول ابن حزم رحمه الله :
" ولم ينزل الله عز وجل كتابا قبل القرآن يفرض إقرارا بصلب المسيح صلى الله عليه وسلم ، ولا بإنكاره ، وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه " .
انتهى من " الفصل في الملل والأهواء والنحل " (1/ 57) .
لكن خبر القرآن الكريم ، إنما ينتفع به من سمعه وبلغه ، على وجه تقوم به الحجة عليه ، وعلى من قامت عليه الحجة بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقه في خبره ورسالته .
ولذلك ، كان المناسب في الحديث هنا دعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام ، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا من عند الله تعالى ، والإيمان بالقرآن كلام الله عز وجل ، فمن أسلم لله رب العالمين ، وآمن بنبيه ، وبكتابه الكريم ؛ كان منطقيا سهلا عليه : أن يؤمن بخبر الله عز وجل عن ذلك الأمر : ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء/157، 158.
وما المحال فيما ذكره القرآن ! خاصة ونحن نتحدث عن نبي رسول كعيسى عليه السلام ، الذي كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص، وتكلم في المهد ، وكلها معجزات لا تجري على سنن الكون والبشر ، فلماذا نستبعد أن يلقي الله عز وجل شبهه على من حضر واقعة الصلب ! وما المستحيل في مثل هذا الخبر ! والله عز وجل ينصر رسله ويدافع عنهم بلطفه وقدرته ، ليكون له عليه السلام شأن مدخر عنده سبحانه في آخر الزمان ؟!
ولهذا فالمسلم لا يخاطب النصراني ابتداء بقضية الصلب ويناظره فيها إن كانت قد وقعت أم لا، إلا من جهة التباحث التاريخي المحض ، أما من جهة إقامة الحجة الدينية على أحقية دين الإسلام بالاتباع ، وأنه ناسخ لما قبله فالحوار على صعيد " الصليب " ليس بذي جدوى ولا فائدة، وإنما تبدأ الرحلة المعرفية بالتأمل في وحدانية الله سبحانه ، ثم بنبوة خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن رد هذين الركنين فهو لما سواها أشد تكذيبا ، وأحرص على الرد والتكذيب ، ومن آمن بهما فهو أحرص على الإيمان بعقيدة القرآن عن الصلب .
وإذا آمن بكلام الله ، سيبدأ حينها هذا المسلم بإعادة البحث التاريخي في حادثة الصلب ، في ضوء النفي الجازم للقرآن الكريم : أن يكون المسيح عليه السلام قد قتل أو صلب على يد أعدائه.
وسيكتشف أن الحديث عن " المشاهدة الحسية " – كما ذكرت في السؤال - محل بحث ونظر ، فلا يملك أحد نصوصا تاريخية تؤكد تواتر أو تكاثر " المشاهدات الحسية للصلب "، ولا نملك ما يؤكد شهادات أعيان على حادثة الصلب ، فالقرآن يؤكد أنه شبه للمتآمرين عليه ، ولم يتطرق لشهود عيان محايدين أو من أتباع المسيح عليه السلام شبه لهم صلبه ، والإنجيل المطبوع اليوم لا يذكر سوى شهادة بضعة نساء رأين المشهد عن بعد ، وليس عن قرب ، فلا يستبعد أن يشبه الأمر لهن ، ومثل هذه الشهادة البعيدة لا تبلغ حد التواتر الذي يظنه بعض الناس .
يقول الإمام السرخسي رحمه الله :
" وما استدلوا به من نقل النصارى واليهود قتل المسيح وصلبه فهو وهم ؛ لأن النقل المتواتر لم يوجد في ذلك .
فإن النصارى إنما نقلوا ذلك عن أربعة نفر ، كانوا مع المسيح في بيت ، إذ الحواريون كانوا قد اختفوا ، أو تفرقوا ، حين هَمَّ اليهود بقتلهم .....
واليهود إنما نقلوا ذلك عن سبعة نفر كانوا دخلوا البيت الذي كان فيه المسيح ، وأولئك يتحقق منهم التواطؤ على الكذب ، وقد روي أنهم كانوا لا يعرفون المسيح حقيقة حتى دلهم عليه رجل يقال له يهوذا ، وكان يصحبه قبل ذلك ... وبمثل هذا لا يحصل ما هو حد التواتر .
فإن قيل :
الصلب قد شاهده الجماعة التي لا يتصور منهم التواطؤ على الكذب عادة ، فيتحقق ما هو حد التواتر في الإخبار بصلبه ؟
قلنا :
لا ، كذلك ، فإن فعل الصلب إنما تناوشوه عدد قليل من الناس ، ثم سائر الناس يعتمدون خبرهم أن المصلوب فلان ، وينظرون إليه من بعد ، من غير تأمل فيه ، ففي الطباع نفرة عن التأمل في المصلوب .. والثاني : أن النقل المتواتر منهم في قتل رجل علموه عيسى وصلبه ، وهذا النقل موجب علم اليقين فيما نقلوه .
ولكن لم يكن الرجل عيسى ، وإنما كان مشبها به ، كما قال تعالى : ( ولكن شبه لهم ) وقد جاء في الخبر أن عيسى عليه السلام قال لمن كان معه : من يريد منكم أن يلقي الله شبهي عليه فيقتل وله الجنة . فقال رجل : أنا . فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه فقتل ، ورفع عيسى إلى السماء " انتهى من " أصول السرخسي " (1/ 285-286) .
ولم نطل في هذا الجواب اكتفاء بما سبق ذكره في الموضوع ذاته في الفتوى رقم : (224199) ، : (225709)

موقع الإسلام سؤال وجواب


حكم التحدث عن أمر ليس للإنسان فيه معرفة كافية.

السؤال :
ما حكم التحدث عن أمر ما دون أن يكون لدى الشخص معرفة كافية به ؟ وما حكم التحدث عن أمر ما لا يتذكر المرء وقائعه بشكل جيد ؟ وما حكم التحدث عن أمر بغير علم ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
ينبغي أن يتحرى المسلم في حديثه الصدق والأمانة ، وأن يكون حديثا مفيدا سواء في أمر الدنيا أو أمر الآخرة .
ولا يكثر من الكلام فيما لا فائدة فيه ، ولا طائل تحته ، وأن يتجنب القول بالظن ، وما لا علم له به ؛ فإن ذلك مقتضى الصدق والأمانة ، وقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين ، فقال عز وجل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/ 119
قال ابن كثير رحمه الله :
" اصدُقوا وَالْزَمُوا الصِّدْقَ تَكُونُوا مَعَ أَهْلِهِ وَتَنْجُوَا مِنَ الْمَهَالِكِ وَيَجْعَلُ لَكُمْ فَرَجًا مِنْ أُمُورِكُمْ، وَمَخْرَجًا " انتهى من "تفسير ابن كثير" (4/ 230) .
وقال السعدي رحمه الله :
" (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق ، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا ، خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة ، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة ، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة " .
انتهى من "تفسير السعدي" (ص 355) .
وروى أبو داود (4989) ، والترمذي (1971) عن ابن مسعود قال : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا .
وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا)وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

ونهانا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الظن ، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) الحجرات/ 12 .
وروى البخاري (5143) ، ومسلم (2563) عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ ) .
وقال تعالى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) الإسراء/ 36 .
قال ابن كثير رحمه الله :
" قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقُلْ : رَأَيْتُ ، وَلَمْ تَرَ، وَسَمِعْتُ ، وَلَمْ تُسْمِعْ ، وَعَلِمْتُ ، وَلَمْ تَعْلَمْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ "
وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرُوهُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ ، بَلْ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ التَّوَهُّمُ وَالْخَيَالُ " انتهى من "تفسير ابن كثير" (5/ 75) .
وقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: " لَا تتكلّم بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ " انتهى .
"تفسير البغوي" (5/ 92) .
وقال السعدي رحمه الله :
" أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 457) .

ويتأكد النهي عن ذلك في الأمور الشرعية ، وأحكام الحلال والحرام ، فإنه لا يجوز أن يتكلم أحد في دين الله بغير علم أو بالظن والتخمين ، وقد روى الإمام أحمد (6702) عَنْ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ ) وصححه محققو المسند .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ما علِم الإنسان كان عليه أن يتبعه ويأتم به ، فهو في حقه إمام يأتم به ، وما جهل منه كالذي يشتبه عليه ولا يعرف معناه فإنه يكله إلى عالمه " انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (8/ 377) .
وانظر جواب السؤال رقم : (126198) .

موقع الإسلام سؤال وجواب


حكم السفر من البلد الذي ينتشر فيه وباء الإيبولا

السؤال:
كنت في زيارة لإحدى الدول التي تفشى بها وباء فيروس الإيبولا حيث سافرت هناك لقضاء الإجازة وزيارة عائلتي ، وأنا أعلم أنّه ورد في الحديث أنّه لا يجوز للرجل الذهاب أو مغادرة بلد انتشر به الطاعون ، ولكنني لم أمانع السفر هناك لإنني أعلم أنّه ستتم عملية فحص المسافرين قبل السفر للتأكد من خلو المسافر من هذا المرض ، ومع انتهاء إجازتي يضغط علي مديري للعودة إلى العمل ، في الوقت الذي لا يزال فيه هذا المرض منتشراً ، ولم يتم القضاء عليه في هذه البلد ، فهل يجوز لي مغادرة البلاد ، أم ينبغي علي الانتظار بدون عمل إلى أن يعلن القضاء على هذا المرض في البلاد ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
"الإيبولا" : مرض فيروسي يؤدي إلى الإصابة بحمى نزفية ، وينتج عن الإصابة بأحد خمسة أنواع من فيروس الإيبولا. كما يؤدي إلى وفاة ما بين 25 و90% من المصابين ، بحسب نوع الفيروس ، وللإصابة بهذا المرض أعراض منها: الحمى – الصداع – القيء – الإسهال – التعب الشديد في الجسم – الطفح الجلدي – النزيف من العين والأنف والفم والشرج – تضخم المنطقة التناسلية .
وقد أخذ اسم مرض (الإيبولا) من مكان التفشي الذي حدث في (يامبوكو) بجمهورية الكونغو ، إذ ظهر في قرية تقع على مسافة قريبة من نهر إيبولا ، فأطلق اسم النهر عليه.
وهذا المرض ينتقل للإنسان من الحيوانات تارة ، ومن البشر تارة أخرى ، فأما انتقاله عن طريق الحيوانات فيحدث بملامسة الحيوان المصاب بالإيبولا، ويشمل هذا أعضاءه وإفرازاته وسوائل جسمه. وقد سجلت حالات إصابة بالعدوى عبر التعامل مع عدة حيوانات مصابة ، مثل خفافيش الفاكهة وقردة الشمبانزي والغوريلا والنسناس والظباء .
وأما انتقاله من البشر فيحصل بملامسة دم المريض أو إفرازاته أو منيِّه ، أو حتى جثته بعد وفاته .
ولمزيد من المعلومات حول هذا الوباء يمكن مراجعة هذا الرابط:
http://goo.gl/GVLS2R

ثانيا :
جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنهى المسلم عن الدخول إلى أرض وقع بها الطاعون ، ونهيه أيضا عن الخروج من أرض وقع بها الطاعون .
روى البخاري (5739) ، ومسلم (2219) عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ [يعني : الطاعون] بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه) .
وروى البخاري (3473) ، ومسلم (2218) عن أُسَامَةَ بْن زَيْدٍ رضي الله عنهما قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) .

والطاعون : قيل : هو مرض خاص معروف عن العلماء والأطباء ، وقيل : بل هو كل مرض عام (وباء) ، يؤدي إلى وفاة الكثيرين من الناس .

وهذه الأحاديث تدل على أن النهي خاص بمن خرج من بلد الطاعون (أو الوباء) فرارا منه ، أما من خرج لقصد آخر ، كتجارة أو دراسة أو عمل ... : فلا يشمله النهي .
وقد نص على هذا التفريق غير واحد من أهل العلم، بل حكى بعضهم اتفاق العلماء على ذلك.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم" :
"الطَّاعُون قُرُوح تَخْرُج فِي الْجَسَد ...
وَأَمَّا ( الْوَبَاء ) فَقَالَ الْخَلِيل وَغَيْره : هُوَ مَرَض الطَّاعُون ، وَقَالَ آخرون : هُوَ كُلّ مَرَض عَامّ ، وَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّهُ مَرَض الْكَثِيرِينَ مِنْ النَّاس فِي جِهَة مِنْ الْأَرْض ، دُون سَائِر الْجِهَات ، وَيَكُون مُخَالِفًا لِلْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاض فِي الْكَثْرَة وَغَيْرهَا ، وَيَكُون مَرَضهمْ نَوْعًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ سَائِر الْأَوْقَات ، فَإِنَّ أَمْرَاضهمْ فِيهَا مُخْتَلِفَة ...
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث : مَنْع الْقُدُوم عَلَى بَلَد الطَّاعُون ، وَمَنْع الْخُرُوج مِنْهُ فِرَارًا مِنْ ذَلِكَ .
أَمَّا الْخُرُوج لِعَارِضٍ : فَلَا بَأْس بِهِ ...
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز الْخُرُوج بِشُغْلٍ وَغَرَض غَيْر الْفِرَار ، وَدَلِيله صَرِيح الْأَحَادِيث " انتهى .
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (21/183( :
"وفي ذلك إباحة الخروج ذلك الوقت ، من موضع الطاعون ، للسفر المعتاد ، إذا لم يكن القصد الفرار من الطاعون" انتهى .
وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (3/367) :
"وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ وَلَسْت فِيهِ : فَلَا تَقْدَمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كُنْت فِيهِ : فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ ، لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، وَمُرَادُهُمْ فِي دُخُولِهِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ : لِغَيْرِ سَبَبٍ ، بَلْ فِرَارًا ؛ وَإِلَّا : لَمْ يَحْرُمْ " انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين" (6/569) :
"والطاعون وباء فتاك والعياذ بالله ، قال بعض أهل العلم : إنه نوع خاص من الوباء ، وأنه عبارة عن جروح وتقرحات في البدن تصيب الإنسان ...... وقيل : إن الطاعون اسم لكل وباء عام ينتشر بسرعة كالكوليرا وغيرها ، وهذا أقرب ، فإن هذا إن لم يكن داخلا في اللفظ ، فهو داخل في المعنى ، كل وباء عام ينتشر بسرعة : فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على البلد الذي حل فيها هذا الوباء ، وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه .
أما خروج الإنسان منها ، لا فرارا منه ، ولكن لأنه أتى إلى هذا البلد لحاجة ثم انقضت حاجته ، وأراد أن يرجع إلى بلده : فلا بأس" انتهى .
وقال أيضا في "الشرح الممتع" (1/110-111) : "وبالنسبة للطاعون هل يجوز للإنسان أن يخرج من البلد إذا وقع فيه؟
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا تخرجوا منه ـ أي من البلد الذي وقع فيه ـ فراراً منه) ، فقيد النبي صلّى الله عليه وسلّم منع الخروج بما إذا كان فراراً ، أما إذا كان الإنسان أتى إلى هذا البلد لغرض أو لتجارة وانتهت، وأراد أن يرجع إلى بلده ، فلا نقول: هذا حرام عليك، بل نقول: لك أن تذهب" انتهى.
وقد زاد الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (10/1990) هذه المسألة تفصيلا ؛ فذكر أن الخروج من بلد الطاعون له ثلاث حالات :
الأولى : أن يخرج فراراً منه لا لقصد آخر ، فهذا يتناوله النهي بلا شك .
الثانية : أن يخرج لقصد آخر غير الفرار ، كالعمل ونحوه ، فلا يدخل في النهي ، وهذا القسم هو الذي نقل النووي رحمه الله الاتفاق على جوازه .
الحالة الثالة : أن يخرج لعمل أو غيره ويضيف إلى ذلك قصد السلامة من الوباء ، فهذا قد اختلف العلماء فيه ، وذكر الحافظ ابن حجر أن مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه جواز الخروج في هذه الحالة .
وهو ما اختاره الإمام البخاري فإنه قد ترجم في صحيحه : "من خرج من الأرض التي لا تلائمه" ، وساق حديث العرنيين ، يستدل به على جواز ذلك ، وفي هذا الحديث : أن جماعة أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وأظهروا الإسلام ، ولكنهم أصابهم مرض من جو المدينة ، حيث لم يوافق أجسامهم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتداووا من ذلك بألبان وأبوال الإبل ، فخرجوا من المدينة لأن تلك الإبل كانت في مراعيها .
وقد ذكر البخاري ذلك قبل ذكره للحديث الذي فيه النهي عن الخروج من أرض الطاعون فرارا منه ، فقال الحافظ ابن حجر تعليقا على ذلك :
"قوله : " بَاب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْض لَا تُلَايِمُهُ " ... وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيث الَّذِي أَوْرَدَهُ بَعْده فِي النَّهْي عَنْ الْخُرُوج مِنْ الْأَرْض الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُون : لَيْسَ عَلَى عُمُومه ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَخْصُوص بِمَنْ خَرَجَ فِرَارًا مِنْهُ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيره إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى" انتهى .

موقع الإسلام سؤال وجواب


هل يستحب الدعاء عند نزول المطر ؟ وماذا يقال عند نزوله وعند سماع الرعد ؟

السؤال :
الأول : ما هو الدعاء عند نزول المطر ورؤية البرق والرعد ؟ الثاني : ما هو الحديث الدال على أن في وقت نزول المطر الدعاء مستجاب ؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
جاء عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ قَالَ : ( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ) رواه البخاري (1032) .
وفي لفظ لأبي داود (5099) أنه كان يقول : ( اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا ) صححه الألباني .
والصيب : ما سال من المطر وجرى ، وأصله من : صاب ، يصوب ؛ إذا نزل . قال الله تعالى { أو كصيبٍ من السماء } البقرة/ 19 ، ووزنه فيعل من الصوب.
ينظر : " معالم السنن " ، للخطابي (4/146) .
ويستحب التعرض للمطر ، فيصيب شيئا من بدن الإنسان لما ثبت عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أنه قال : " أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَطَرٌ ، قَالَ : فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا ؟ قَالَ : ( لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى ) " . رواه مسلم (898).
وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد المطر قال : ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) رواه البخاري (1014) .
أما الدعاء عند سماع الرعد : فقد ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه : " أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد: 13] ، ثُمَّ يَقُولُ : إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ " . رواه البخاري في "الأدب المفرد" (723) ، ومالك في "الموطأ" (3641) وصحح إسناده النووي في "الأذكار" (235) ، والألباني في "صحيح الأدب المفرد" (556).
ولا نعلم فيه شيئا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
وكذا ، لم يثبت شيء من الأذكار أو الأدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم عند رؤية البرق فيما نعلم ، والله أعلم .
ثانيا:
وقت نزول الغيث هو وقت فضل ورحمة الله من الله على عباده ، وتوسعة عليهم بأسباب الخير ، وهو مظنة لإجابة الدعاء عنده .
وقد جاء في حديث سهل بن سعد مرفوعاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ثنتان ما تردان : الدعاء عند النداء ، وتحت المطر ) .
رواه الحاكم في "المستدرك" (2534) والطبراني في "المعجم الكبير" (5756) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (3078 ).
والدعاء عند النداء : أي وقت الأذان ، أو بعده .
وتحت المطر : أي عند نزول المطر.
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب


كيف أحدد " اليوم السابع من الولادة " الذي يستحب فيه ذبح العقيقة
السؤال: سؤالي أنجبت ولداً يوم الخميس الساعة الرابعة عصراً ، متى تكون عقيقته ؟ وهل يحسب يوم الخميس ؟ مع العلم أني قرأت في كتب الفقه أنه إذا ولد الطفل بعد الزوال لا يحسب له ذلك اليوم. أفيدونا بارك الله فيكم.

الجواب :
أولاً :
تستحب العقيقة عن المولود في اليوم السابع، لقوله - صلى الله عليه وسلم – ( كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى ) رواه أبو داود (2455) وصححه الشيخ الألباني.
قال ابن قدامة رحمه الله : "قال أصحابنا : السنة أن تذبح يوم السابع... ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم القائلين بمشروعيتها في استحباب ذبحها يوم السابع. والأصل فيه حديث سمرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كل غلام رهينة بعقيقته, تذبح عنه يوم سابعه..)..." انتهى من "المغني"(9/364).

ثانياً:
إذا تقرر استحباب العقيقة عن المولد يوم سابعه، فإن يوم الولادة يدخل في ذلك عند الجمهور ؟
قال النووي رحمه الله : وَهَلْ يُحْسَبُ يَوْمُ الْوِلَادَةِ مِنْ السَّبْعَةِ ؟ فيه وجهان "أصحهما" يحسب فيذبح في السادس مما بعده
"والثاني" لا يحسب فيذبح في السابع مما بعده , وهو المنصوص في البويطي ولكن المذهب الأول وهو ظاهر الأحاديث, فإن ولد في الليل حسب اليوم الذي يلي تلك الليلة بلا خلاف.." انتهى من "المجموع" (8/411)
وفي "الموسوعة الفقهية" (30/279) " ذهب جمهور الفقهاء إلى أن يوم الولادة يحسب من السبعة, ولا تحسب الليلة إن ولد ليلاً, بل يحسب اليوم الذي يليها " انتهى

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : قوله: " تذبح يوم سابعه " ، أي: يسن أن تذبح في اليوم السابع ، فإذا ولد يوم السبت فتذبح يوم الجمعة يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه هي القاعدة، وإذا ولد يوم الخميس فهي يوم الأربعاء وهلم جرا" انتهى من"الشرح الممتع"(7/493)

وعليه فالسنة أن تذبح عقيقة ولدك يوم الأربعاء

ثالثاً:
ما قيل من أن يوم الولادة لا يحسب إذا ولد الطفل بعد الزوال قد قال به جماعة من أهل العلم رحمهم الله، بل قالوا يوم الولادة لا يحسب أصلاً، سواء ولد قبل الزوال أو بعده وهو المذهب عند المالكية.
جاء في مختصر خليل: " وندب ذبح واحدة تجزئ ضحية في سابع الولادة نهاراً, وألغي يومها; إن سبق بالفجر"
قال المواق رحمه الله : نقلاً عن ابن رشد " قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها أنه " إن ولد بعد الفجر ألغي ذلك اليوم وحسب له سبعة أيام من اليوم الذي بعده, وإن ولد قبل الفجر وإن كان ذلك بالليل حسب له ذلك اليوم " انتهى من "التاج والإكليل"(4/390)
والصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله وهو أن العقيقة تذبح عنه في اليوم السابع من ولادته، لقوله - صلى الله عليه وسلم –( تذبح عنه يوم سابعه ).
قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله : " والإضافة تقتضي تقييد الحكم بالمضاف إليه، والمعنى: أن هذا اليوم وهو السابع مضاف إلى يوم الولادة، وعلى هذا فيكون يوم الولادة هو السابع " انتهى من "شرح زاد المستقنع "
والمسألة على الاستحباب، فإن تيسر ذبح العقيقة في اليوم السابع من ولادته، فهذا خير وإن لم يتيسر إلا بعد اليوم السابع فلا حرج وقد أجزأت عنه العقيقة.
قال النووي رحمه الله: " فلو ذبحها بعد السابع أو قبله وبعد الولادة أجزأه وإن ذبحها قبل الولادة لم تجزه بلا خلاف, بل تكون شاة لحم " انتهى من "المجموع"(8/411)
والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب


إجابة المؤذن أفضل من قراءة القرآن
السؤال: إذا أذن المؤذن وأنا أقرأ القران في المسجد هل أكمل في القراءة ، وبعد الأذان أردد من بداية الأذان كأني أردد مع المؤذن أم أردد مع المؤذن ؟

 

الجواب :

الحمد لله

إذا كان الإنسان يقرأ القرآن ، فأذن المؤذن ، فالأفضل في حقه أن يترك القراءة ، ويشتغل بمتابعة المؤذن ؛ وذلك امتثالاً لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ) روى مسلم (384) ، ولأن الأذان يفوت وقته .

قال الإمام النووي رحمه الله :

" ولو سمع المؤذن قطع القراءة وأجابه بمتابعته في ألفاظ الأذان والإقامة ثم يعود إلى قراءته وهذا متفق عليه عند أصحابنا " انتهى . من "التبيان في آداب حملة القرآن" (126) .

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : إذا أذن المؤذن والإنسان يقرأ القرآن ، فهل الأفضل له أن يرجع معه فيقول مثل ما يقول ، أم إن اشتغاله بالقرآن يعتبر أفضل باعتبار تقديم الفاضل على المفضول ؟

فأجاب : " السنة إذا كان يقرأ وسمع الأذان : أن يجيب المؤذن ؛ امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) رواه مسلم في صحيحه ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما .

وفي الصحيحين ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) ، وفي صحيح البخاري ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة ) ، زاد البيهقي بإسناد حسن : ( إنك لا تخلف الميعاد ) ، ولأن إجابة المؤذن سنة تفوت إذا استمر في القراءة ، والقراءة لا تفوت ، وقتها واسع ، وفق الله الجميع " انتهى من " مجموع فتاوى ابن باز " (10/ 358) .

 

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل ، مثاله : قراءة القرآن من أفضل الذكر ، والقرآن أفضل الذكر ، فلو كان رجل يقرأ وسمع المؤذن يؤذن ، فهل الأفضل أن يستمر في قراءته أو أن يجيب المؤذن ؟ هنا نقول : إن الأفضل أن يجيب المؤذن ، وإن كان القرآن أفضل من الذكر ، لكن الذكر في مكانه أفضل من قراءة القرآن ؛ لأن قراءة القرآن غير مقيدة بوقت متى شئت فاقرأ ، لكن إجابة المؤذن مربوطة بسماع المؤذن " انتهى من "لقاءات الباب المفتوح".

 

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب


هل يجوز دفع الزكاة لمن كان يتعامل بالربا؟
السؤال : هل يجوز دفع زكاة المال في دفع مديونية بطاقة ائتمان؟

الجواب :

الحمد لله

أولاً :

يحرم التعامل "ببطاقة الائتمان" المشتملة على فرض غرامة مالية عند التأخر في سداد القرض ؛ لأنه شرط ربوي محرم .

وقد سبق تفصيل الكلام على هذه البطاقات في جواب السؤال (106245).

 ثانياً :

من مصارف الزكاة التي بينها الله في كتابه " الغارمين " ، والغرم هو الدَّين ، فمن استدان لدفع حاجته وقضاء مصالحه ، ثم عجز عن سداد الدين ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يسدد به دَينه ، وبالمقدار الذي عجز عن تسديده .

ويشترط لدفع الزكاة للمدين الغارم :  أن لا يكون دَينه في معصية ، فمن غرم في معصية ، كالخمر ، والقمار ، والربا ، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة إلا إذا تاب ، وأقلع عن هذه المعصية وندم عليها ، وعزم على عدم فعلها مرة أخرى ، فلا حرج من إعطائه من الزكاة وإعانته على التوبة .

قال المرداوي : " إذَا غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، بِلَا نِزَاعٍ ". انتهى "الإنصاف" (3/ 247)

وقال الشوكاني : " وأما اشتراط كونه في غير معصية فصحيح ؛ لأن الزكاة لا تصرف في معاصي الله سبحانه ، ولا فيمن يتقوى بها على انتهاك محارم الله عز وجل". انتهى "السيل الجرار" (2 / 59).

وينظر جواب السؤال (99829) .

وبما أن أخذ القرض عن طريق " البطاقة الائتمانية " محرَّم ؛ فلا يجوز تسديده من مال الزكاة ، إلا إذا تاب من ذلك ، وندم ، وعزم على عدم العودة إلى هذه المعصية ، ففي هذه الحال يعطى من مال الزكاة ليسدد قرضه .

قال الماوردي : "  فَإِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ، وَكَانَ مُصِرًّا عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ عَلَيْهَا بِتَحَمُّلِ الْغُرْمِ فِيهَا ". انتهى "الحاوي" (8 / 508) .

وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :

"مسألة : من غرم في محرم هل نعطيه من الزكاة؟

الجواب : إن تاب أعطيناه ، وإلا لم نعطه ، لأن هذا إعانة على المحرم ، ولذلك لو أعطيناه استدان مرة أخرى" انتهى .

"الشرح الممتع" (6/235) .

وقال الدكتور عمر سليمان الأشقر : " ومن ادَّان بالربا فلا يجوز قضاء دينه من مصرف الغارمين في الزكاة ، إلا إذا تاب وأناب من التعامل بالربا " انتهى .

من ضمن "أبحاث الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة" صـ210 .

والله أعلم .

 

الإسلام سؤال وجواب


تساعد والديها من راتبها دون علم زوجها
أنا سيدة متزوجة ولي 3 أطفال ، اشتغل بشركة وأتقاضى مرتبا شهريا أشارك به في مصروف البيت ، أي أساعد زوجي ، سؤالي هو أن أبي يبلغ 84 من العمر ، و أمي 76 ، وأنا ابنتهم الوحيدة ، فأساعدهم من مرتبي الشهري دون علم زوجي ، بالرغم من أنه لا يعارض في الأمر ؛ فما حكم الشرع في ذلك ؟

الحمد لله
إذا لم يكن هناك اشتراط من قِبل الزوج أن تعملي في مقابل مشاركتك بالراتب كله أو جزء منه ، في مصروف البيت ، فراتبك الذي تأخذينه ، أو المبلغ المتبقي منه بعد القدر الذي اشترط زوجك أن تشاركي به ،: ملكٌ لك ، يجوز أن تتصرفي فيه بما يباح من أنواع التصرف ، ولا يلزمك استئذان الزوج في ذلك ، لكن إن فعلت تطييبا لخاطره ، فهو أفضل .
ومساعدة الوالدين من أعظم أعمال البر والخير ، وهي من صلة الرحم التي تزيد في العمر ، وتبارك في الرزق ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )
رواه البخاري (5986) ومسلم (2557) .
وعلى ذلك ، فلا حرج فيما تفعلينه من مساعدة والديك بجزء من راتبك ، من دون علم زوجك ، خاصة وأنت تقولين أنه لا يمانع من مثل ذلك ، لكن لو رأيت أن إخباره بذلك يطيب خاطره فهو أفضل .
نسأل الله تعالى أن يأجرك ويثيبك على هذه المساعدة ، وأن يبارك لك في مالك وعملك .
والله أعلم .
 

الإسلام سؤال وجواب


الحكمة من إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء في حادثة الإسراء
ما العلة في إمامة النبي محمد للأنبياء في ليلة الإسراء و المعراج ، على ماذا يدل هذا ؟

الحمد لله

العلة من تقديم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة بالأنبياء إماماً في المسجد الأقصى الذي هو دار الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام هي الدلالة على أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم كما نص على ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله عند أول تفسيره لسورة الإسراء، وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ في معرض حديثه عن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء : " ثم أُظْهِرَ شرفُه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له "

ولا شك أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو مقدم الأنبياء وأفضلهم فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ) رواه مسلم ( 2278)

وقد التمس بعض العلماء حكمة أخرى من تقدمه عليه الصلاة والسلام إماماً للأنبياء فقال :

قوله في الحديث : ( فأممتهم ) فيه – والله أعلم – إشارة إلى تولي هذه الأمة أمر قيادة البشرية . "

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


حلف بالطلاق أن يحلق الابن لحيته !!
حلف على ابنه أن يحلق لحيته وإلا طلق أمه فما الحكم ؟.

الحمد لله

أولا :

يحرم على الرجل حلق لحيته ؛ للأحاديث الصريحة الآمرة بإعفائها، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ( أحفوا الشوارب ، وأعفوا اللحى ) رواه البخاري (5554) ومسلم (259).

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( خالفوا المشركين ، وفروا اللحى ، وأحفوا الشوارب ) رواه البخاري (5553).

وقوله صلى الله عليه وسلم : ( جزوا الشوارب ، وأرخوا اللحى ، خالفوا المجوس ) رواه مسلم (260).

قال العلامة ابن مفلح رحمه الله : " وذكر ابن حزم الإجماع أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض " انتهى من الفروع (1/130).

وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء : أنا شاب مسلم وأريد أن أطلق لحيتي ولكن والدي يعارض ذلك بشدة ، فهل يجب علي إطلاق اللحية أو طاعة الوالدين ؟

فأجابت : " حلق اللحية حرام ، لا يجوز فعله لطاعة والد أو رئيس ؛ لأن الطاعة في المعروف ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (5/146).

وعليه ؛ فلا يجوز للأب أن يأمر ابنه بحلقها ، ولا يجوز للابن أن يطيعه في ذلك .

وعلى الابن أن يبر أباه ويطيعه في غير ذلك ، وأن يبين له أن طاعة الله ورسوله مقدمة على طاعة كل من سواهما .

ثانيا :

إذا كان الأب قد حلف بالطلاق على ابنه أن يحلق لحيته ، فإنه يُنظر في نيته فإن أراد التهديد والتخويف وحث الابن على الامتثال ، فهذا له حكم اليمين ، في أحد قولي العلماء ، وهو الذي يفتي به جمع من فقهاء العصر . فيستمر الابن في إعفاء لحيته ، ويكفّر الأب كفارة يمين ، وهي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام .

وإن كانت نيته إيقاع الطلاق فيما لو لم يحلق الابن لحيته ، فإن استمر الابن في الإعفاء وقعت طلقة واحدة . والخطأ هنا ليس خطأ الابن ، بل هو خطأ الأب الذي أقحم الطلاق في هذه المسألة ، وعاقبة الطلاق راجعة عليه وعلى جميع أسرته ، فليتق الله تعالى ، وليقف عند حدوده ، ولا يجمع بين أمره بالمعصية وبين الإضرار بنفسه وأهله .

وهل للابن أن يحلق لحيته مرةً تفاديا لوقوع الطلاق على أمه أم لا ؟

الذي يظهر والله أعلم أنه إن تبين له أن أباه قصد وقوع الطلاق ، لا التهديد والتخويف ، وكانت هذه هي الطلقة الثالثة ، مما يترتب على وقوعها بينونة الأم ، فإنه يحلق لحيته لدفع هذه المفسدة الكبرى ، فإن حلق لحيته انحلت يمين الطلاق ، ثم يعود لإعفاء لحيته . وينبغي أن يعلم الأب حينئذ أنه لا مجال لطاعته في هذا الأمر ، وأنه لو حلف بالطلاق مرة أخرى فلن يضر إلا نفسه .

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


يريد الزواج وأمه تعارض ذلك لصغر سنه
عمري 19 سنة . أريد أن أتزوج . ولكن أمي لا تريد لأنها تظن بأنه غير وقت الزواج . هل يجوز لرجل في الإسلام أن يتزوج بدون موافقة والديه ؟ وبدون أن يخبرهما حتى تتحسن الأمور إن شاء الله ؟.

الحمد لله

أولا :

يجوز للرجل أن يتزوج بدون موافقة والديه ، بخلاف المرأة فإنه يشترط لصحة نكاحها موافقة وليها . لكن من البر وحسن المعاملة استئذان الوالدين وأخذ موافقتهما ، وذلك أدعى لحصول الوئام والاتفاق وجمع الشمل .

ثانيا :

ينبغي أن تبين لأمك مدى حاجتك للزواج ، وأن تسعى لإقناعها ، والحصول على رضاها ، فإن استجابت فالحمد لله ، وإن أصرت على موقفها ، فلا حرج عليك في الزواج من الفتاة التي تريد إذا كانت صالحة متدينة .

ومن الأخطاء الشائعة رفض الوالدين تزويج أبنائهم بحجة الدراسة أو صغر السن ، وعدم إدراكهما لما يعانيه الشاب في زمان انتشرت فيه الفتن ، وكثرت فيه المغريات ، وربما أدى رفضهما إلى انحراف الأبناء ، وسلوكهم طرق الغواية والشر ، ولهذا ننصح الآباء والأمهات بإعانة أبنائهم وبناتهم على الزواج ، وتيسير ذلك والتشجيع عليه ؛ امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) رواه البخاري (5065) ومسلم (1400).

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عمن يريد الزواج مع رفض والده ، فأجاب :

" هذا السؤال يقتضي أن نوجه نصيحتين ؛ النصيحة الأولى لوالدك حيث أصرَّ على منعك من الزواج بهذه المرأة التي وصفتَها بأنها ذات خلق ودين ، فإن الواجب عليه أن يأذن لك في تزوجها إلا أن يكون لديه سبب شرعي يعلمه ويبينه حتى تقتنع أنت وتطمئن نفسك ، وعليه أن يقدِّر هذا الأمر في نفسه لو كان أبوه منعه من أن يتزوج امرأة أعجبته في دينها وأخلاقها ، أفلا يرى أن ذلك فيه شيء من الغضاضة وكبت حريته ؟ فإذا كان هو لا يرضى أن يقع من والده عليه مثل هذا فكيف يرضى أن يقع منه على ولده مثل هذا ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

فلا يحل لأبيك أن يمنعك من التزوج بهذه المرأة بدون سبب شرعي ، وإذا كان هناك سبب شرعي فليبينه لك حتى تكون على بصيرة .

أما النصيحة التي أوجهها إليك أيها السائل : فأنا أقول : إذا كان يمكنك أن تعدل عن هذه المرأة إلى امرأة أخرى : فإرضاءً لأبيك وحثّاً على لمِّ الشمل وعدم الفرقة فافعل .

وإذا كان لا يمكنك بحيث يكون قلبك متعلقا بها وتخشى أيضا أنك لو خطبت امرأة أخرى أن يمنعك أبوك من زواجك بها – لأن بعض الناس قد يكون في قلبه غيرة أو حسد ولو لأبنائه فيمنعهم مما يريدون – أقول : إذا كنتَ تخشى هذا ولا تتمكن من الصبر عن هذه المرأة التي تعلَّق بها قلبك : فلا حرج عليك أن تتزوجها ولو كره والدك ، ولعله بعد الزواج يقتنع بما حصل ويزول ما في قلبه ، ونسأل الله أن يقدر لك ما فيه خير الأمرين " انتهى من " فتاوى إسلامية " ( 4/193) .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


يشتكي من سوء معاملة والدته
مشكلتي أن أمي لا تحبنا – نحن أولادها – لا نجتمع معها إلا وتسبنا وتشتمنا وتحاول أن تعتدي علينا بالضرب ، ماذا أفعل ؟ هل أقاطعها ؟ أنا أزورها بعد فترات متباعدة لعل قلبها يلين ، لكن بلا فائدة ، ما إن تراني حتى تبدأ في السب والشتم والطرد من البيت ، وتفعل نفس الشيء مع إخوتي كيف نصل إلى رضاها ؟ حاولنا الكثير والكثير فماذا نفعل ؟.

الحمد لله

بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر ، لقول الله تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) لقمان/14،15 .

فأمر الله تعالى بمصاحبة هذين الوالدين المشركين اللذين يبذلان الجهد في أمر ولدهما بالشرك - أمر أن يصاحبهما في الدنيا معروفا .

وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد ، أما ما لا منفعة لهما فيه ، أو ما فيه مضرة على الولد فإنه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " الاختيارات " ( ص 114) : ( ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية ، وإن كانا فاسقين ... وهذا فيما فيه منفعة لهما ، ولا ضرر عليه ) انتهى .

وأما هجرك لها فلا ينبغي ، فإنها أمك وحقها عليك عظيم ، ويمكنك مواصلتها عن طريق الهاتف ، أو زيارتها بين الحين والآخر ، وتحتسب ما يصيبك منها في هذه الزيارة من السب والشتم ونحو ذلك ، كل ذلك تبتغي بذلك مرضاة الله .

ولكن تقليلا للشر والضرر الحاصل عليك من زيارتها يمكنك مباعدة ما بين الزيارتين ، ولكن تتعاهدها بالهاتف إن أمكن أو السؤال عن أحوالها فربما تحتاج إليك أو تقع في ضائقة ما .

فإذا فعلت ذلك فلا حرج عليك إن شاء الله تعالى من تقليل زيارتها ولا تكون عاقا لها ، لأنها - وهي صاحبة الحق في بِرِّك لها – لا تريد منك زيارتها ، ولا تطالبك بذلك .

وأنت لم تقلل من زيارتها إلا اجتنابا لما يلحقك من الضرر منها .

وللفائدة ينظر جواب السؤالين رقم (2621) ، ( 3044) .

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير ، وأن يهدي والداتك ، ويصلح أحوالكم .

والله تعالى أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


ولدٌ يجادلُ والدتَه في أمورِ طعامِهِ وصلاتِهِ
أخي سمين جدًا ، ويأكل كثيرًا ، وكلما نَصَحَتْه والدتي في التقليل من الأكل ، وتهدده بأنها سوف لن ترضى عنه إذا لم يسمع كلامها ، فيقول : إن الأكل ليس محرمًا ، وليس للوالدة أن تمنعه من أمر حلال ؟
وأيضًا، هو لا يصلي في المسجد ، وكلما قالت له الوالدة : لماذا لا تذهب ؟ يقول : إن صلاة الجماعة سنة مؤكدة كما قال الإمام أبو حنيفة .
وأيضًا يؤخر الصلاة بعد الأذان بفترة طويلة ، وكلما قلنا له : لماذا لا تصلي في الوقت ؟
فيقول : أنا لم أتجاوز الوقت المحدد ، فالصلاة لها أوقاتٌ معروفةٌ ليست مقترنةً بالأذان والإقامة . فكيف نجيب عليه ؟.

الحمد لله

أولاً :

إنّ مِن أعظمِ ما امتنّ الله سبحانه وتعالى به على عبادِهِ أنْ سخَّر لهم ما في الأرضِ جميعا منه ، وأنزل عليهم النعم ، وأباح لهم الطيباتِ من المأكلِ والمشربِ والملبس وغيرها .

ولكنه سبحانه وتعالى أيضًا ذم كلَّ من يسرفُ في استعمالِ هذه المباحات ، أو يترخصُ فيها ترخصًا يؤذيه ، أو يشغله عن ما هو أنفعُ له في دينِه ودنياه .

قال سبحانه وتعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف/31 .

ثانياً :

من أخطرِ المهلكاتِ لابنِ آدمَ شهوةُ البطن ، والبطنُ ينبوع الشهواتِ ومَنِبتُ الأدواء والآفات .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنِ صُلْبَهُ ، فَإِنْ كَانَ لاْ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) رواه الترمذي (2380) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

أي : يكفي ابن آدم من الطعام ما يقيم صلبه فقط , ولا يزيد على ذلك , فإن أبى وأصَرَّ على الزيادة , فيأكل ما يملأ ثلث بطنه , ويكون ثلث آخر للشراب , ويبقى الثلث للتنفس , ولا يزيد على هذا القدر .

انظر : "تحفة الأحوذي" .

وقد كان العقلاءُ في الجاهليةِ والإسلامِ يتمدحونَ بقلةِ الأكل .

قال حاتمُ الطائيُّ :

فإنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وَفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أَجْمَعَا

"فتح الباري" (9/669) .

وإذا أكثر الإنسان من الطعام حتى ضره ذلك ، كان هذا حراما .

سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : هل كثرةُ الأكلِ حرام ؟

فأجابوا :

" نعم ، يَحرُمُ على المسلمِ أن يُكثرَ من الأكلِ على وجهٍ يضرُّه ؛ لأنّ ذلك من الإسراف ، والإسرافُ حرام ، لقول الله سبحانه وتعالى : ( يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين ) الأعراف/31 " انتهى .

"فتاوى اللجنة الدائمة" (22/329) .

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الترهيب من الإكثار من الشبع , وأن ذلك سبب للتألم بالجوع يوم القيامة ، فعن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ( كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا ، أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . رواه الترمذي (2015) . وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

والْجُشَاء هُوَ صَوْتٌ مَعَ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْ الإنسان عِنْدَ الشِّبَعِ .

وَرَوَاهُ اِبْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ , عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَزَادُوا : فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَةَ مِلْءَ بَطْنِهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا , كَانَ إِذَا تَغَدَّى لا يَتَعَشَّى وَإِذَا تَعَشَّى لا يَتَغَدَّى , وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ أَبِي الدُّنْيَا : قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ : فَمَا مَلأَتْ بَطْنِي مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً .

انظر : "تحفة الأحوذي" .

وسبيلُ ترك الأكلِ الكثير إنما هو بالتدريج ، فمن اعتادَ الأكلَ الكثيرَ وانتقلَ دفعةً واحدةً إلى القليل ضعفَ وعظُمت مشقته ، فينبغي أن يتدرجَ إليه قليلًا قليلًا ، وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامِه المعتاد ، حتى يصلَ إلى الحدّ المعتدلِ من الطعام .

ثالثاً :

إن كانت صلاةُ الجماعة سنةً مؤكدة ، أو كانت الصلاة في أول الوقت فضيلة ، فذلك يعني أن نَعَضَّ عليها بالنواجذ ونحرصَ عليها ، لا أن نُهمِلَها ونتهاونَ بأدائِها ، ولْنحمدِ اللهَ تعالى أن شرعَ لنا سُننَ الهدى ومناسكَ العبادةِ والخير ، ولْنأخذِ العبرةَ من حالِ سلفنا من الجيل الأول .

يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ( من سرّه أن يلقَى اللهَ غدًا مسلمًا فليحافِظ على هؤلاء الصلواتِ حيثُ ينادَى بهن ، فإنّ اللهَ شرعَ لنبيكم سننَ الهُدى ، وإنّهنَّ مِن سننِ الهُدى ، ولو أنّكم صلّيتُم في بيوتِكم كما يُصَلّي هذا المتخلِّفُ في بيتِهِ لتركتُم سنةَ نبيِّكم ، ولو تركتم سنةَ نبيِّكم لضلَلَتم ، وما مِن رجلٍ يتطهرُ فيُحسِنُ الطهور ، ثم يَعمِد إلى مسجدٍ مِن هذه المساجد ، إلا كتبَ اللهُ له بكلِّ خُطوةٍ يخطوها حسنة ، ويرفعُه بها درجة ، ويحط عنه بها سيئة ، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق ، ولقد كان الرجلُ يؤتى به يهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف ) رواه مسلم (654) .

وهذا على فرضِ كونِ صلاةِ الجماعة سنةً مؤكدةً , وقد سبق بيان وجوبها بالأدلة الدالة على ذلك , في أجوبة كثير من الأسئلة , وانظر السؤال رقم : (120) (8918) (10292) (21498) (40113) .

نسألُ اللهَ تعالى أن يوفقَنا وإياك لما يحب ويرضى .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


أمه تسيء إليه بعد زواجه
منذ سنة تزوجت من جارتي ويعلم الله أن البنت التي تزوجتها قمة في الأخلاق والأدب والاحترام ولقد سكنت مع أهلي في نفس الشقة وعدد أفراد أسرتي 5 شباب وبنت عمرها 17 سنة ، ومنذ أن تزوجت وحال أمي تغير تغيراً كاملاً ، إذ بها تنهال علي بالشتائم ، وتكيل لي السب أمام زوجتي ، وأمام إخوتي ، علماً بأنني الأكبر في إخوتي ، وتهينني لأتفه الأمور ، إذا حاولت أن أتحدث مع إخوتي تأتي وتقلب علي أي شيء أمامي ، وتسبني وتطردني من البيت عدة مرات ، لا أدري لماذا هذا التغير الذي حصل من أمي العزيزة ! رغم أنني لا أبخل عليهم بأي شيء ، ولست من النوعية التي تفضل زوجته على أهله ، ولكن أمي تتعامل معي بحساسية زائدة . أرجو أن توضحوا لي الأمور لأنني غير قادر على السكن بالإيجار ، لأن المرتب بالكاد يكفيني . أرجو أن تفيدوني أفادكم الله .

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يوفقك لبر والدتك والإحسان إليها ، وأن يصلح حالها ، ويؤلف بينكما على طاعته ومرضاته .

وما تعاني منه قد يكون مرده إلى شعور والدتك بالغيرة ، أو بفقدانك بعد الزواج ، واستيلاء غيرها عليك ، وهذا الشعور يلحق بعض الأمهات بعد زواج أبنائهن ، وهو شعور خاطئ ، ينبغي أن تسعى هي للتخلص منه .

وينبغي أن تعينها لتعود إلى سابق حالها ، وذلك بأمور :

1- أن تجتهد في الإحسان إليها ، وإكرامها ، والاهتمام بها ، وإشعارها بأنك لا تزال كما كنت حفيا بها ، حريصا على تلبية رغباتها .

2- تجنب الثناء على زوجتك أو الاهتمام بها أمام والدتك ، مع إعطاء الزوجة حقها من الإحسان والإكرام ، لكن بعيدا عن نظر الأم ، إلى أن تتحسن حالتها ، وتدرك الأمور على طبيعتها .

3- ترغيب الزوجة في التقرب من الأم ، بالكلام والاهتمام والإهداء ونحو ذلك .

4- الصبر على ما يصدر منها من سب وشتم وطرد ، فإنك مأمور ببرها ، ولا يجوز لك أن تقابل إساءتها بمثلها ، فإن صبرت على ذلك ، فأبشر بالفرج ، فإن العاقبة للصابرين ، وإن النصر مع الصبر ، وإن مع العسر يسرا ، وقد قال الله تعالى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) فصلت/34 . فكلما أساءت إليك بادر أنت بالتلطف والإكرام والإحسان ، فإن ذلك كفيل بأن يذهب ما في نفسها إن شاء الله .

5- الدعاء لها بالتوفيق والهداية والاستقامة وصلاح البال والحال ، فإنها أحق الناس بدعائك وإحسانك ، وإنك مهما قدمت لن تجزيها على معروفها وسابق إحسانها .

6- احرص أن تكون قدوة صالحة لإخوانك ، فيأخذوا عنك الطريقة الحسنة في معالجة هذه المشكلة ، التي قد تحدث لهم بعد زواجهم ، فلتكن مثالا للصبر والإحسان والبر ، واحذر أن يستدرجك الشيطان للتأفف أو التضجر أو الإنكار عليها أو توبيخها فإنك لن تجني من وراء ذلك خيرا ، قال الله تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) الإسراء/23 .

7- ينبغي أن تناقش المشكلة مع أحد إخوانك ، فربما خفيت عليك بعض الجوانب ، أو بدر منك ما أغضب والدتك دون أن تشعر ، فمعرفة السبب تسهل عليك طريق المعالجة .

نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


والده يمنعه من صلاة الفجر في المسجد فهل يطيعه ؟
أنا عمري 16 سنة  والمسجد قريب جدّاً من بيتنا ، ولكن أبي لا يسمح لي أن أصلي الفجر فيه ، ويسمح بباقي الصلوات قائلاً إنه يخاف عليَّ أن يحدث لي شيء ، لأن بيننا وبين المسجد تقاطعاً ، أي : شارعين متداخلين ، مع أني كلمته كثيراً وحاولت إقناعه بالآيات والأحاديث ، ولكن لا فائدة ، فهل أذهب للصلاة من دون علمه ؟.

الحمد لله

أولاً :

في البداية - أخي السائل - نود أن نحيي فيك هذه الهمة الطيبة والحرص على الفرائض وصلاة الجماعة ، ونسأل الله لك الثبات على الدين والاستقامة ، وألا تكون مثل هذه التصرفات من والدك مثبطة لك عن الاستقامة وعمل الخير والهداية ، وقبل الجواب على سؤالك فينبغي أن تتذكر أمراً هاماً جداً ، وهو :

أن بر الوالدين وطاعتهما فريضة قد وصى الله بها في مواضع كثيرة من كتابه العزيز ومن ذلك قوله تعالى : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) النساء/36 ، وقوله تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/23، 24 .

واعلم أن طاعة الوالدين ملزمة لك إلا أن يأمرا بمعصية الله تعالى ، فحينها لا طاعة لهما ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف ) رواه البخاري ( 6830 ) ومسلم ( 1840 ) .

أما عن صلاة الجماعة فهي واجبة ، لا يجوز للأب أن يمنع ولده المكلف منها ، بل الواجب على الآباء أن يأمروا أبناءهم بها ويرغبوهم فيها ويحثوهم عليها ، وإذا أحس الوالد من ولده تقصيراً في هذا الواجب فعليه أن يستشعر المسئولية التي حُمِّلَها ، والرعية التي سوف يُسأل عنها أمام الله تعالى يوم الحساب ، فيأمر وينهى ويذكر رعيته بما يجب عليهم تجاه ربهم من الواجبات وخطر التهاون فيها .

فإن قصر الوالد في حق أولاده بأن تركهم دون أمر ونهي وترغيب في الخير وترهيب من الشر ، فهذا لا يعفيهم من الإثم إن قصروا في الواجبات أو فعلوا المحرمات .

فإن تعدى الأمر عند الوالد بأن ينهى أبناءه عن الواجب الذي أمرهم الله به فعندئذ لا طاعة له في معصية الله أو في ترك ما أوجب الله ، فإذا أمر الأب ولده بترك صلاة الجماعة كل أوقاتها أو بعضها فقد أمر بمعصية ، فحينئذ لا طاعة له ، مع صحبته بالمعروف والإحسان إليه .

أما عن سؤالك هل تخرج سرّاً لصلاة الفجر : فهذا طيب بالنسبة لك ، لكنه يسيء إلى والدك من حيث لا تشعر ، فوالدك متلبس بمعصية ما دام يمنعك من صلاة الجماعة ، حتى لو خرجت سرّاً فالإثم لا يرتفع عنه ، لأنه ما يزال آمراً بالمنكر ، ناهياً عن المعروف ، حتى لو خرجت للصلاة دون علمه ، فعليك أن تحاول إقناعه أولاً بالحكم الشرعي ولو عن طريق غيرك إن كان لا يسمع منك أو يعتبرك صغيراً ، فإن لم يستجب ، فلا حرج عليك أن تخرج بلا إذن منه وبغير علمه ، مع أخذ الحيطة والحذر في طريقك للمسجد .

ثانياً :

ونقول لوالدك – هداه الله – إن الله تعالى حمَّلك مسئولية عظيمة ، وهي تعليم ونصح أهلك من زوجة وأولاد ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه : ( كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ) .

وقد أمرك الله تعالى أن تقي نفسك وأهلك ناره عز وجل فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) التحريم/6 ، وقول تعالى – ناصّاً على الأمر بالصلاة - : ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) طه/132 .

قال ابن القيم رحمه الله :

" فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه ، وتركه سدى : فقد أساء غاية الإساءة ، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبَل الآباء ، وإهمالهم لهم ، وترك تعليمهم فرائض الدين وسنُنه ، فأضاعوهم صغاراً ، فلم ينتفعوا بأنفسهم ، ولم ينفعوا آباءهم كباراً " انتهى .

" تحفة الودود " ( ص 229 ) .

ونحن نسألك سؤالاً مهمّاً : أين أنت عن صلاة الفجر ؟! أليس من الواجب عليك أداؤها جماعة ؟! أليس من الواجب عليك أن تكون قدوة لأهلك وأولادك فتصلي في بيت الله تعالى جماعة ؟! إنك إن فعلت هذا أدَّيت ما أوجبه الله عليك ، وأعنتَ ولدك على صلاته في المسجد ، واطمأننتَ عليه إن كنتَ خائفاً من ذهابه وحده .

واعلم أيها الوالد الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن من صلى الفجر فهو في ذمة الله تعالى ، فكيف تخاف على من كان في ذمته عز وجل ؟!

فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَلا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ) رواه مسلم ( 657 ) .

والذمة هنا الضمان ، وقيل : الأمان ، كما قال النووي رحمه الله .

نسأل الله تعالى أن يوفقك لأداء الأمانة ، وأن تكون قدوة صالحة لأهلك ، وأن تعين ولدك على أداء الصلوات في بيت الله عز وجل .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


هل يحج عن أمه أو عن أبيه؟
قد حججت والحمد لله ، ولكن والدي ماتا ولم يحجا ، وأنا أريد أن أحج عنهما ، فهل أبدأ بأمي ؟ وإن حججت عن أحدهما فأنا أريد أن أقترض للآخر وأوكل من يحج عنه .

الحمد لله

حق الأم في البر أعظم من حق الأب .

روى البخاري (5971) ومسلم (2548) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَبُوكَ .

" قَالَ اِبْن بَطَّال : مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُون لِلأُمِّ ثَلاثَة أَمْثَال مَا لِلأَبِ مِنْ الْبِرّ , قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَةِ الْحَمْل ثُمَّ الْوَضْع ثُمَّ الرَّضَاع , فَهَذِهِ تَنْفَرِد بِهَا الأُمّ وَتَشْقَى بِهَا , ثُمَّ تُشَارِك الأَب فِي التَّرْبِيَة . وَقَدْ وَقَعَتْ الإِشَارَة إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّه وَهْنًا عَلَى وَهْن وَفِصَاله فِي عَامَيْنِ ) فَسَوَّى بَيْنهمَا فِي الْوِصَايَة , وَخَصَّ الأُمّ بِالأُمُورِ الثَّلاثَة .

قَالَ الْقُرْطُبِيّ : الْمُرَاد أَنَّ الأُمّ تَسْتَحِقّ عَلَى الْوَلَد الْحَظّ الأَوْفَر مِنْ الْبِرّ , وَتُقَدَّمَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَقّ الأَب عِنْد الْمُزَاحَمَة .

وَقَالَ عِيَاض : وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ الأُمّ تَفْضُل فِي الْبِرّ عَلَى الأَب , وَقِيلَ : يَكُون بِرّهمَا سَوَاء , وَالصَّوَاب الأَوَّل " انتهى من "فتح الباري" .

وقال النووي في "شرح مسلم" :

" الصَّحَابَة هُنَا بِمَعْنَى الصُّحْبَة . قَالَ الْعُلَمَاء : وَسَبَب تَقْدِيم الأُمّ كَثْرَة تَعَبهَا عَلَيْهِ , وَشَفَقَتهَا , وَخِدْمَتهَا , وَمُعَانَاة الْمَشَاقّ فِي حَمْله , ثُمَّ وَضْعه , ثُمَّ إِرْضَاعه , ثُمَّ تَرْبِيَته وَخِدْمَته وَتَمْرِيضه , وَغَيْر ذَلِكَ " انتهى .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن مثل هذا السؤال ، فأجاب :

" حج عن أمك أولاً ، لأن الأم أحق بالبر عن الأب ، وهذا في الفريضة ، أما لو كان حج الأم نفلاً والأب فريضة فتبدأ بالفريضة للأب ، لكن لا تقترض لتنيب من يحج عن أبيك ، فإذا كان العام القادر وأنت قادر فحج عن أبيك ، وكونك الذي تؤدي الحج خير من كونك تنيب غيرك ، لأن إخلاصك لأبيك أكبر من إخلاص غيرك لأبيك ، لهذا نقول : لا يجوز لك أن تقترض من أجل أن تنيب من يحج عن أبيك ، بل حج عن أمك هذا العام ما دمت قادراً ، وفي العام القادم إن كنت قادراً فحج عن أبيك " انتهى .

"فتاوى ابن عثيمين" (21/ 134) .

الإسلام سؤال وجواب


هل من العقوق سفره لطلب الرزق وتركه لوالديه؟
أنا شاب في 28 من عمري وخطبت منذ حوالي عام والحمد لله ، الرزق قليل ، ولكن جاءني بإذن الله عقد عمل بإحدى الدول العربية براتب حسن ، ولكني أتردد في قبول الوظيفة حيث إني الابن الوحيد لوالدي ، والأخ الوحيد لثلاثة بنات ، فهل يعتبر سفري من أجل مستقبلي وإتمام زواجي فيه شيء من عقوق الوالدين ؟ حيث إنني إن سافرت سأتركهما وحدهما وهما كبار السن ، علما بأني إن تزوجت هنا لن أعيش معهما ، وهما يمانعان في الانتقال من بيتهما . أسألكم إرشادي لما فيه الخير والصلاح .

الحمد لله

أولاً :

إذا كان أحد والديك أو كلاهما محتاجاً إليك لخدمته ولا يوجد من يقوم بذلك بعد سفرك ، فإنك لا تسافر إلا بإذنهما .

فإن أذنا لك في السفر ، أو كانا غير محتاجَيْن إليك ، إما لكونهما يقدران على خدمة أنفسهما ، أو يوجد من يخدمهما غيرك ، فلا حرج عليك حينئذ من السفر لإتمام زواجك ، وتحصين فرجك ، ولو لم يأذنا ، ولا يعد سفرك من العقوق .

إلا أنه من الأحسن بلا شك إرضاؤهما ، وبيان ما في السفر من مصالح لك ، وأنك لن تضيعهما ، وسيكون سفرك بقدر حاجتك ، ثم تعود إليهما . . . ونحو ذلك .

وقد نص العلماء رحمهم الله على جواز سفر الولد لطلب الرزق بدون إذن والديه ، بشرط أن يكون السفر آمناً لا خطورة فيه على الولد ، وأن يكونا غير محتاجين إليه .

قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (7/98) أثناء حديثه عن الخروج للجهاد إذا كان فرض كفاية ، قال :

" وَلا يُبَاحُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْرُجَ إلا بِإِذْنِ مَوْلاهُ , وَلا الْمَرْأَةُ إلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ; لأَنَّ خِدْمَةَ الْمَوْلَى , وَالْقِيَامَ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ ، كُلُّ ذَلِكَ فَرْضُ عَيْنٍ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ , وَكَذَا الْوَلَدُ لا يَخْرُجُ إلا بِإِذْنِ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا إذَا كَانَ الآخَرُ مَيِّتًا ; لأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ .

وَالأَصْلُ أَنَّ كُلَّ سَفَرٍ لا يُؤْمَنُ فِيهِ الْهَلاكُ , وَيَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ لا يَحِلُّ لَلْوَلَدِ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدِيهِ ; لأَنَّهُمَا يُشْفِقَانِ عَلَى وَلَدِهِمَا فَيَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ , وَكُلُّ سَفَرٍ لا يَشْتَدُّ فِيهِ الْخَطَرُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إذَا لَمْ يُضَيِّعْهُمَا ; لانْعِدَامِ الضَّرَرِ , وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ رَخَّصَ فِي سَفَرِ التَّعَلُّمِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ; لأَنَّهُمَا لا يَتَضَرَّرَانِ بِذَلِكَ بَلْ يَنْتَفِعَانِ بِهِ , فَلا يَلْحَقُهُ سِمَةُ الْعُقُوقِ " انتهى .

وقال السرخسي في "السير الكبير" (1/197) :

" وَكُلُّ سَفَرٍ أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ غَيْرَ الْجِهَادِ لِتِجَارَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَبَوَاهُ , وَهُوَ لا يَخَافُ عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةَ فَلا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ ; لأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذِهِ الأَسْفَارِ السَّلامَةُ , وَلا يَلْحَقُهُمَا فِي خُرُوجِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ , فَإِنَّ الْحُزْنَ بِحُكْمِ الْغَيْبَةِ يَنْدَفِعُ بِالطَّمَعِ فِي الرُّجُوعِ ظَاهِرًا , إلا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا عَلَيْهِ مِنْهُ . . . فَحِينَئِذٍ حُكْمُ هَذَا وَحُكْمُ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ سَوَاءٌ ; لأَنَّ خَطَرَ الْهَلاكَ فِيهِ أَظْهَرُ " انتهى باختصار يسير .

وقال النووي في "المجموع" (8/314) :

" إذَا أَرَادَ الْوَلَدُ السَّفَرَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فَقَدْ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ (يعني : أبا إسحق الشيرازي رحمه الله) فِي أَوَّلِ كِتَابِ السِّيَرِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ الأَبَوَيْنِ , قَالَ : وَكَذَلِكَ سَفَرُ التِّجَارَةِ لأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا السَّلامَةُ " انتهى .

ثانياً :

وأما عدم إقامتك معهما بعد الزواج ، مع رغبتهما في بقائك معهما ، فلا حرج عليك في ذلك ، إن شاء الله تعالى ، إذا لم يكن في ذلك تضييع لهما ، أو الإضرار بهما .

لاسيما وقد تكون هناك أسباب تدعو إلى ذلك ، كضيق المسكن ، أو رغبة الزوجة في الانفراد بمسكن مستقل- وهذا حق لها- ونحو ذلك من الأسباب .

مع التنبه على أن انفرادك عنهما لا يعني عدم السؤال عنهما ، ولا قضاء حوائجهما وبرهما ، بل إن ذلك من أوجب الواجبات عليك لاسيما مع كبرهما ، قال الله تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/23، 24 .

وبر الوالدين باب مفتوح إلى الجنة ، فاحرص على إرضائهما ، والإحسان إليهما ، وعدم إغضابهما .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


طلاق الرجل زوجته بأمر والديه
ما هو الحكم الشرعي في طلاق الرجل زوجته وذلك عندما يطلب منه والداه ؟ بحجة أن هذه الزوجة كانت تعمل عندهم كخادمة سابقاً , وهل هذا يعتبر من عقوق الوالدين ؟ مع العلم أن هذه الزوجة حالياً تعيش معززة مكرمة ..

الحمد لله

لا شك أن الوالدين هما أحق الناس بالبر والطاعة والإحسان والمعاملة الحسنة ، وقد قرن الله سبحانه الأمر بالإحسان إليهما بعبادته حيث قال : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) الإسراء/23 .

وطاعة الوالدين واجبة على الولد فيما فيه نفعهما ولا ضرر فيه على الولد ، أما ما لا منفعة لهما فيه ، أو ما فيه مضرة على الولد فإنه لا يجب عليه طاعتهما حينئذ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات ص 114 : " ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية ، وإن كانا فاسقين ... وهذا فيما فيه منفعة لهما ، ولا ضرر عليه " اهـ .

والطلاق من غير سببٍ يبيحه يكرهه الله تعالى ، لما فيه من هدر لنعمة الزوجية ، وتعريض الأسرة للضياع والأولاد للتشتت ، وقد يكون فيه ظلم للمرأة أيضا ، وكون الزوجة كانت خادمة في الماضي ليس سببا شرعيا يبيح الطلاق ، لاسيما إذا كانت مستقيمة في دينها وخلقها.

وعلى هذا ، لا تجب طاعة الوالدين في طلاق هذه الزوجة ولا يعتبر هذا من العقوق لهما ، لكن ينبغي أن يكون رفض الابن للطلاق بتلطف ولين في القول لقول الله تعالى : ( فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) الإسراء/23 .

سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله عن حكم طلاق الرجل لزوجته إذا طلب منه أبوه ذلك فقال :

" إذا طلب الأب من ولده أن يطلق زوجته فلا يخلو من حالين :

الأول : أن يبين الوالد سببا شرعيا يقتضي طلاقها وفراقها مثل أن يقول : " طلِّق زوجتك " ؛ لأنها مريبة في أخلاقها كأن تغازل الرجال أو تخرج إلى مجتمعات غير نزيهة وما أشبه ذلك . ففي هذا الحال يجيب والده ويطلقها ؛ لأنه لم يقل " طلِّقها " لهوى في نفسه ولكن حماية لفراش ابنه من أن يكون فراشه متدنسا هذا الدنس فيطلقها .

الثانية : أن يقول الوالد للولد "طلِّق زوجتك " لأن الابن يحبها فيغار الأب على محبة ولده لها ، والأم أكثر غيرة فكثير من الأمهات إذا رأت الولد يحب زوجته غارت جدا حتى تكون زوجة ابنها ضرة لها ، نسأل الله العافية . ففي هذه الحالة لا يلزم الابن أن يطلق زوجته إذا أمره أبوه بطلاقها أو أمه . ولكن يداريهما ويبقي الزوجة ويتألفهما ويقنعهما بالكلام اللين حتى يقتنعا ببقائها عنده ولا سيما إذا كانت الزوجة مستقيمة في دينها وخلقها .

وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هذه المسألة بعينها ، فجاءه رجل فقال : إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي ، قال له الإمام أحمد : لا تطلقها ، قال : أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك ؟ قال : وهل أبوك مثل عمر ؟

ولو احتج الأب على ابنه فقال : يا بني إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته لما أمره أبوه عمر بطلاقها ، فيكون الرد مثل هذا ، أي وهل أنت مثل عمر؟ ولكن ينبغي أن يتلطف في القول فيقول : عمر رأى شيئا تقتضي المصلحة أن يأمر ولده بطلاق زوجته من أجله ، فهذا هو جواب هذه المسالة التي يقع السؤال عنها كثيرا " اهـ . الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة 2/671 .

وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن مطالبة الوالدة من ابنها طلاق زوجته دون سبب أو عيب في دينها بل لحاجة شخصية فأجابت بما نصها : " إذا كان الواقع كما ذكر السائل من أن أحوال زوجته مستقيمة وأنه يحبها ، وغالية عنده ، وأنها لم تسئ إلى أمه وإنما كرهتها لحاجة شخصية ، وأمسك زوجته وأبقى على الحياة الزوجية معها ، فلا يلزمه طلاقها طاعة لأمه ، لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : " إنما الطاعة في المعروف " وعليه أن يبر أمه ويصلها بزيارتها والتلطف معها والإنفاق عليها ومواساتها بما تحتاجه وينشرح به صدرها ويرضيها بما يقوى عليه سوى طلاق زوجته " . فتاوى اللجنة الدائمة 20/29 .

الإسلام سؤال وجواب


زوجها ضعيف فهل تضع له الدواء في الطعام بدون علمه
أنا امرأة لي حاجة في المعاشرة الزوجية وزوجي به ضعف من هذه الناحية وقد حاولت أن أقنعه بالعلاج لكن دون جدوى فهل يجوز أن أضع له الدواء المقوي للشهوة في طعامه دون أن يشعر ؟.

الحمد لله

سألت عن هذا شيخنا عبد الرحمن البراك فأجاب :

ليس لها ذلك وإن لم تتحمل يجوز لها طلب الطلاق .

الإسلام سؤال وجواب


أسلمت ويريد الزواج بها وأمه ترفض
أحببت فتاة نصرانية ثم أسلمت وأردت الزواج منها ولكن والدتي لم توافق ، والدي متوفى ولا أريد أن أغضب والدتي فقد تعبت من أجلنا كثيراً ، صليت الاستخارة ورأيت تلك الفتاة في منامي ثم رأيت فتاة أخرى ، لست أدري ما أفعل ، هل أعصي والدتي وأتزوجها أم أطيع والدتي وأترك تلك الفتاة مع أنها بحاجة ماسة لي (لأنها مسلمة جديدة) وأخشى إن تركتها أن تعود لحياتها السابقة ؟ أظن بأنها لن تفعل ذلك ولكن الظروف تغير حال الإنسان ، أرجو أن تقترح علي ما أفعله لأجعل الطرفين راضيين .

الحمد لله

نقترح عليك أن تستمر في محاولة إقناع والدتك ، لتقبل بزواجك من هذه الفتاة ، فإن أصرت على رفضها فالخير لك في طاعة والدتك وتلبية رغبتها ، والنساء كثير ، ولا يلزم الرجل أن يتزوج من امرأة بعينها ، لذا كانت طاعة الأم مقدمة هنا ، لما في ذلك من البر بها والإحسان إليها . قال الله تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) الاسراء / 23 .

وروى أحمد (15577) أن معاوية بن جاهمة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أردت الغزو وجئتك أستشيرك فقال هل لك من أم ؟ قال : نعم . فقال : الزمها فإن الجنة عند رجلها .. ". قال الشيخ شعيب الأرناؤوط : إسناده حسن .

ورواه ابن ماجه (2781) بلفظ " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال : ويحك أحية أمك قلت : نعم قال : ارجع فبرها ثم أتيته من الجانب الآخر فقلت : يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال : ويحك أحية أمك ، قلت : نعم يا رسول الله ، قال : فارجع إليها فبرها ثم أتيته من أمامه فقلت : يا رسول الله إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة قال : ويحك أحية أمك ، قلت : نعم يا رسول الله قال : " ويحك الزم رجلها فثم الجنة " والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة .

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي طلحة الأسدي قال : كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه أعرابيان فاكتنفاه فقال أحدهما : إني كنت أبغي إبلا لي فنزلت بقوم فأعجبتني فتاة لهم فتزوجتها فحلف أبواي أن لا يضماها أبدا , وحلف الفتى فقال : عليه ألف محرر وألف هدية وألف بدنة إن طلقها , فقال ابن عباس : ما أنا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك ولا أن تعق والديك , قال : فما أصنع بهذه المرأة ؟ قال : ابرر والديك .

وروى مثله عن أبي الدرداء ، وإذا كان هذا في تطليق المرأة بعد زواجها ، فأولى أن تطاع الأم قبل حصول الزواج .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


كيف يبر المسلم والديه ؟
مشكلتي تتلخص في أن أبي وأمي على خلاف دائم ذلك لأن أبي ذو أسلوب لاذع جارح وهو ذو شخصية غامضة كتومة جافة .
أنا وإخوتي نخاف منه كثيرا ولا نتبادل معه أي حوار إلا في حدود سطحية . أحب أن أرضي ربي لأحظى بالجنان وقد قرأت عن أهمية بر الوالدين لهذا فأنا في حيرة بالغة وهي كيف أبر والدي لا أدري لذلك سبيلا ؟.

الحمد لله

فقد قرن الله تعالى الإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته وتوحيده ، فقال سبحانه : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) الإسراء / 23 .

وقال : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ) النساء / 36 .

وهذا دليل على أهمية بر الوالدين والإحسان إليهما.

وبر الوالدين يكون بطاعتهما واحترامهما وتوقيرهما ، والدعاء لهما ، وخفض الصوت عندهما ، والبشاشة في وجوههما ، وخفض الجناح لهما ، وترك التأفف والتضجر عندهما ، والسعي في خدمتهما ، وتحقيق رغباتهما ، ومشاورتهما ، والإصغاء إلى حديثهما ، وترك المعاندة لهما، وإكرام صديقهما في حياتهما وبعد موتهما .

ومن ذلك ألا تسافر إلا بإذنهما ، وألا تجلس في مكان أعلى منهما ، وألا تمد يدك إلى الطعام قبلهما ، وألا تفضل زوجتك أو ولدك عليهما .

ومن البر : زيارتهما ، وتقديم الهدايا لهما ، وشكرهما على تربيتك والإحسان إليك صغيرا وكبيرا.

ومن البر: أن تسعى في تقليل الخلاف الواقع بينهما ، وذلك بالنصح والتذكير قدر الاستطاعة ، والاعتذار للمظلوم منهما ، وتطييب خاطره وترضيته بالقول والفعل .

ومهما كان أسلوب والدك معك ، فكن متخلقا بما سبق من الآداب ، مجانبا لكل ما يغضبه أو يحزنه ، ما لم يترتب على ذلك إثم أو معصية لله ، فحق الله تعالى مقدم على حقوق العباد .

وسل الله تعالى أن يهديهما ، وأن يصلح حالهما ، فإنه سبحانه سميع قريب مجيب .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


والداه يرفضان أن يرفع إزاره فهل يطيعهما ؟
والداي لا يسمحان لي برفع إزاري ، فهل أطيعهما أم لا ؟.

الحمد لله

أمرنا الله تعالى ببر الوالدين في مواضع كثيرة في كتابه الكريم ، ومنها : قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } العنكبوت / 8 .

وأعلى الحقوق وأعظمها هو حق الله تبارك وتعالى ثم من بعده حق المخلوقين ، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين في آيات كثيرة من القرآن الكريم ، منها قوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً } الإسراء / 23 .

فطاعة الوالدين واجبة إلا إذا أمروا بمعصية فلا طاعة لهما ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل ) رواه البخاري ( 4340 ) ومسلم ( 1840 ) وأحمد ( 1098 ) واللفظ له ، وإسبال الإزار من كبائر الذنوب ، فلا طاعة لهما إذا أمرا به ، لكن يمكنك رفع إزارك إلى الحد الأدنى بحيث لا يلامس الكعبين ، فلا تكون عصيت ربك بهذا الفعل ، ولا تكون مخالفاً لرغبة والديك ، إذ ليس شرطاً في تقصير الإزار أن يكون إلى نصف الساق بل يحصل امتثال الشرع أن لا يلامس الإزار الكعبين .

فإن أصرا على إطالة ثوبك إلى ما دون الكعبين فتلطف معهما في العبارة وحاول أن تسايسهم وتداريهم ، ولكن لا تعصي الله من أجلهما في إسبال الثوب .

سئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ :

ما حكم الإسبال ؟ وهل يجوز أن أطيع والدي إذا أرادوا مني إسبال ثيابي ؟.

فأجاب :

الإسبال محرم ، بل هو من كبائر الذنوب ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة " ، وذكر الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم وذكر منهم المسبل ، فالمسبل عاص لله ومتعد لحدوده ، فواجب عليه أن يتوب إلى الله ، فإنه عوقب بأن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ، وعوقب بتوعده بالنار ، مما يدل على أن الإسبال من كبائر الذنوب مع أن الإسبال لا خير فيه ، ففيه إفساد للملبس وربما سبب تعثر للمسبل في مشيه كما قال عمر رضي الله عنه للشاب الذي رآه مسبلا - وقد عاد عمر في مرض موته - : " يا غلام ارفع إزارك فإنه أبقى لثوبك وأطوع لربك " .

وأما طاعة الوالدين : فإن الوالدين لا يطاعان في معصية الله ، فلو أمراك بالإسبال فاعصهما لأن الإسبال من كبائر الذنوب ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

" فتاوى مجلة الدعوة " العدد : ( 1741 ) .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


هل يطيع أباه ويشتري له خمراً ؟
أبى يشرب الخمر ، ويطلب منى أن أحضر له خمراً ، وأنا لا أقدر أن أقول له " لا " ؛ لأنه مصدر المال في البيت ، فهل أحاسب على تلك الخمر الذي أشتريه ؟.

الحمد لله

أوجب الله سبحانه وتعالى على الأبناء بر والديهم وطاعتهم .

قال تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } الأنعام / 151 .

وحرَّم عليهم العقوق .

قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } الإسراء / 23 .

وهذه الطاعة واجبة إلا إذا أمرا بشرك أو معصية .

لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

والخمر محرَّمة بالكتاب والسنَّة والإجماع .

قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } المائدة / 90 ، 91 .

وقد لُعن في الخمر عشرة ومنهم المشتري لها .

وعن أنس بن مالك قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة : عاصرها ، ومعتصرها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وساقيها ، وبائعها ، وآكل ثمنها ، والمشتري لها ، والمشتراة له " .

رواه الترمذي : ( 1259 ) وابن ماجه ( 3381 ) .

والحديث : صححه الشيخ الألباني في " صحيح الترمذي " رقم ( 1041 ) .

والخلاصة : لا يحل لك شراء الخمر لوالدك ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الله ، وحتى لو سبَّب ذلك غضباً منه ودعاءً عليك ، فهو آثم على فعله ، ولا وزن له في الشرع .

عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مَن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ، ومَن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس " رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 1 / 115 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (2311 ) .

ونسأل الله تعالى أن يهدي والدك .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


يغضب ولا يكلم والديه ولا يصطلح معهما
لي أخ عندما يغضب منَّا لا يكلِّم أحداً قط حتى والديه ، وهو أشد مخاصمة لوالديه لاعتقاده بأن معظم أفعالهما خاطئة ، وعندما يتكلمان معه لكي يصالحاه لا يصطلح ، ولا أدرى كيف نصنع معه ، فقد حدث هذا الأمر كثيراً ، وكان يرضى بصلح والديه له بعد عناء كبير ، أما هذه المرة فلا يريد صلحاً ، فكيف نصنع وقد نفد صبرنا عليه وأنا أخوه الأكبر ؟ .

الحمد لله

أولاً :

حق الوالدين حق عظيم ، وقد قرن الله عز وجل قرن حق الوالدين بحقه في آيات كثيرة ، مثل قوله عز وجل : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } النساء / 36 ، وقوله عز وجل : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } الإسراء / 23 ، وقوله سبحانه : { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } لقمان / 14 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وهذه الآيات تدل على وجوب برهما ، والإحسان إليهما وشكرهما على إحسانهما إلى الولد من حين وجد في بطن أمه إلى أن استقل بنفسه وعرف مصالحه ، وبرهما يشمل الإنفاق عليهما عند الحاجة ، والسمع والطاعة لهما في المعروف ، وخفض الجناح لهما ، وعدم رفع الصوت عليهما ، ومخاطبتهما بالكلام الطيب والأسلوب الحسن ، كما قال الله عز وجل في سورة بني إسرائيل : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً } الإسراء / 23 ، 24 ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على وقتها ، قيل : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ، قيل : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله " ، وقال صلى الله عليه وسلم : رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد خرجه الترمذي 1821 ، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ولفظ الطبراني ( في رضا الوالدين ) ، والأحاديث في وجوب برهما والإحسان إليهما كثيرة جدا .

وضد البر : هو العقوق لهما ، وذلك من أكبر الكبائر ؛ لما ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ - ثلاثاً – قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس ، فقال : ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور " رواه البخاري ( 2654 ) ومسلم ( 126 ) ، وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من الكبائر شتم الرجل والديه ، قيل : يا رسول وهل يسب الرجل والديه ؟ قال : نعم ، يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه " رواه البخاري 5973 ومسلم 130 ، فجعل صلى الله عليه وسلم التسبب في سب الوالدين سبّاً لهما ، فالواجب على كل مسلم ومسلمة العناية ببر الوالدين ، والإحسان إليهما ، ولا سيما عند الكبر والحاجة إلى العطف والبر والخدمة ، مع الحذر كل الحذر من عقوقهما والإساءة إليهما بقول أو عمل . ا.هـ من كلام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله

" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ( 8 / 306 ، 307 ) .

ثانياً :

ذكروا أخاكم بالله وخوفوه عذابه ، وبينوا له نصوص الوعيد على من عق والديه ومنزلة البر في الإسلام حتى تقوم عليه الحجة وتبرأ ذمتكم أمام الله ، ويجب أن يعلم أنه آثم بعمله القبيح مع والديه واقع فيما حرمه الله عليه ، ومع ذلك لا تيأسوا من هدايته ولا تملوا من السعي في الإصلاح بين أخيكم ووالديه .. ، فإن عجزتم عن ذلك : فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

واحرصوا على تنويع طرق توصيل النصيحة لأخيكم فتارة باسماعه شريطاً مؤثراً وتارة بإهدائه كتاباً نافعاً سهلاً عن هذا الأمر ، وعليكم بتذكيره بما يمكن أن يعاقبه الله تعالى بأولاده وأنهم قد يفعلون معه كما يفعل مع والديه الآن ، وهكذا ...

ثم إن من طرق العلاج أن تفتشوا في الأسباب التي تدعوه لمثل هذا التصرف ثم السعي في حلها ، فقد تبين أن هناك مشكلات نفسية وخاصة لكثيرين من العاقين لوالديهم كتأخر الزواج ، أو وجود المنكرات في بيوتهم كانت سبباً في عقوقهم ... الخ .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


ما حكم العيش مع والدة كافرة ؟
ما حكم العيش مع والدة كافرة ونقل الزوجة لنفس البيت للعيش معها ؟.

الحمد لله

لا مانع من أن يعيش الولد مع والدته الكافرة ، أو أن تعيش هي معه ، وقد يكون هذا سبباً في هدايتها إذا أحسن الولد لها في المعاملة ، وأحسن في عرض الإسلام عليها ، والبعد عنها قد يكون سبباً في تأخير هدايتها .

والمسلم مأمورٌ بالإحسان إلى والديه وبرهما حتى لو كانوا كفَّاراً ، ولا يحل للمسلم أن يعقهما أو يسيء إليهما في القول أو الفعل ، على أن ذلك لا يعني أن يطيعها في المعصية أو يداهنها في الكفر الذي تعتنقه .

أ‌. قال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } العنكبوت / 8 .

ب‌. وقال تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } لقمان / 15 .

ت‌. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : " نعم ، صِلي أمك " .

رواه البخاري ( 2477 ) ومسلم ( 1003 ) .

ث. عن سعد بن أبي وقاص : أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال : حلفتْ أم سعد أن لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب ، قالت : زعمتَ أن الله وصاك بوالديك ، وأنا أمك ، وأنا آمرك بهذا ، قال : مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد ، فقام ابنٌ لها يقال له " عمارة " فسقاها فجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك على أن تشرك بي } وفيها : { وصاحبهما في الدنيا معروفاً } ... .

رواه مسلم ( 1748 ) .

هـ. وهذه فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في حكم طاعة الوالدين في حلق اللحية :

السؤال : عن حكم طاعتك لوالدك في حلق اللحية .

فأجاب الشيخ رحمه الله :

بأنه لا يجوز لك طاعة والدك في حلق اللحية ، بل يجب توفيرها وإعفاؤها ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى خالفوا المشركين " ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الطاعة في المعروف " ، وإعفاء اللحية واجب وليس بسنَّة حسب الاصطلاح الفقهي ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ، والأصل في الأمر الوجوب ، وليس هناك صارف عنه .

" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ( 8 / 377 – 378 ) .

وانظر جواب السؤالين ( 5053 ) و ( 6401 ) .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


يريد نفع والده الميت
دفعت مالاً بالنيابة عن والدي (المتوفى) ، أريد أن أنفع والدي وهو ميت فهل هناك شيء آخر يمكن أن أقوم به غير الإطعام في رمضان ؟ .

الحمد لله

الصدقة عن الميت تنفعه ويصل ثوابها إليه بإجماع المسلمين .

روى مسلم (1630) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالا وَلَمْ يُوصِ ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

وروى مسلم أيضاً (1004) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ( أي : ماتت فجأة ) ، وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .

قال النووي رحمه الله :

وَفِي هَذَا الْحَدِيث جَوَاز الصَّدَقَة عَنْ الْمَيِّت وَاسْتِحْبَابهَا , وَأَنَّ ثَوَابهَا يَصِلهُ وَيَنْفَعهُ , وَيَنْفَع الْمُتَصَدِّق أَيْضًا , وَهَذَا كُلّه أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ اهـ

وإطعام الطعام من أعمال البر التي رغب فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاسيما تفطير الصائم .

وكذلك من أحسن الأشياء التي تنفع بها والدك وتبره بها الدعاء ، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ : إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) رواه مسلم (1631) .

فعليك أن تكثر من الدعاء له في صلاتك وغيرها أن يغفر الله له ، ويدخله الجنة ، وينجيه من النار .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب


هل أطيع والدي بترك مصاحبة الأخيار ؟
إذا أمرني والداي بأن أترك أصحابا طيبين وزملاء أخيارا ، وألا أسافر معهم لأقضي عمرة ، مع العلم بأني في طريقي إلى الالتزام . فهل تجب علي طاعتهم في هذه الحالة ؟.

الحمد لله

ليس عليك طاعتهم في معصية الله ولا فيما يضرك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الطاعة في المعروف ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) فالذي ينهاك عن صحبة الأخيار لا تطعه ، لا الوالدان ولا غيرهما ، ولا تطع أحدا في مصاحبة الأشرار أيضا ، لكن تخاطب والديك بالكلام الطيب ، وبالتي هي أحسن ، كأن تقول : يا والدي كذا ، ويا أمي كذا ، هؤلاء طيبون ، وهؤلاء أستفيد منهم ، وأنتفع بهم ، ويلين قلبي معهم ، وأتعلم العلم وأستفيد ، فترد عليهم بالكلام الطيب والأسلوب الحسن لا بالعنف والشدة ، وإذا منعوك فلا تخبرهم بأنك تتبع الأخيار وتتصل بهم ، ولا تخبرهم بأنك ذهبت مع أولئك إذا كانوا لا يرضون بذلك . ولكن عليك أن لا تطيعهم إلا في الطاعة والمعروف .

وإذا أمروك بمصاحبة الأشرار ، أو أمروك بالتدخين أو بشرب الخمر أو الزنا أو بغير ذلك من المعاصي فلا تطعهم ولا غيرهم في ذلك ، للحديثين المذكورين آنفا وبالله التوفيق .

مجموع فتاوى ومقالات للشيخ ابن باز 6 / 126


هل يحق للابن أو للبنت رفض من اختاره لهما والداهما في الزواج
إلى أي مدى يحق للوالدين اختيار رفيق حياة ابنهما ؟ وما هو الحكم إن هما أجبراها على الزواج من أحد أقاربها ولم يكن هو الاختيار النهائي في ذهنها الذي ترغب في الارتباط به ؟ وإلى أي حد تكون مذنبة إن هي رفضت ؟ هل يحق لها رفض الشخص الذي قام والداها باختياره لها ؟.

الحمد لله

الأصل أن من شروط النكاح رضا الزوجين ؛ لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تنكح البكر حتى تستأذن ، ولا الأيم حتى تستأمر . قالوا : يا رسول الله ، كيف إذنها ؟ قال : أن تسكت " أخرجه البخاري ( 5136) ، ومسلم (1419) .

فالرضى معتبر بالنسبة للزوج ، وكذلك أيضا بالنسبة للزوجة ، فلا يحق للوالدين أن يجبرا ابنهما أو ابنتهما على أن يتزوج زوجا لا يرغبه .

لكن إذا كان الزوج الذي اختاره الوالدان صالحا فإنه ينبغي للولد سواء كان ذكرا أو أنثى أن يطيع والديه في ذلك ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه " أخرجه الترمذي (1084) ،وابن ماجه (1967) . حسنه الألباني في صحيح الترمذي ( 865 )

لكن إذا كانت هذه الطاعة قد تسبب فرقة بعد ذلك فإنه لا يلزمه أن يطيعهما في ذلك ؛ لأن الرضا أساس العلاقة الزوجية ، وهذا الرضا لا بد أن يكون وفق الشريعة ، وذلك بأن يرضى ذا الخلق والدين .

الشيخ : د. خالد المشيقح

ولا يعتبر الولد عاصياً أو مذنباً إذا لم يطع والديه في ذلك .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

" وليس للأبوين إلزام الولد بنكاح من لا يريد ، فإن امنتع فلا يكون عاقاً ، كأكل ما لا يريد " . الإختيارات ( 344 ) .

الإسلام سؤال وجواب


هل يتزوج بغير رضى والده ؟
هل يجوز أن يتزوج الرجل بمن يعجبه دينها وخلقها ووالده غير راض عن ذلك ؟ .
الحمد لله

لم يخطئ الابن في اختياره ذات الدين والخُلُق فهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم للراغب في النكاح ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تُنكح المرأة لأربعٍ : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك " .

رواه البخاري ( 4802 ) ومسلم ( 1466 ) .

وإليك نصيحة لوالدك ولك من فضيلة الشيخ ابن عثيمين تتعلق بموضوعك :

قال الشيخ – رحمه الله – :

هذا السؤال يقتضي أن نوجه نصيحتين ؛ النصيحة الأولى لوالدك حيث أصرَّ على منعك من الزواج بهذه المرأة التي وصفتَها بأنها ذات خلق ودين ، فإن الواجب عليه أن يأذن لك في تزوجها إلا أن يكون لديه سبب شرعي يعلمه ويبينه حتى تقتنع أنت وتطمئن نفسك ، وعليه أن يقدِّر هذا الأمر في نفسه لو كان أبوه منعه من أن يتزوج امرأة أعجبته في دينها وأخلاقها ، أفلا يرى أن ذلك فيه شيء من الغضاضة وكبت حريته ؟ فإذا كان هو لا يرضى أن يقع من والده عليه مثل هذا فكيف يرضى أن يقع منه على ولده مثل هذا ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .

فلا يحل لأبيك أن يمنعك من التزوج بهذه المرأة بدون سبب شرعي ، وإذا كان هناك سبب شرعي فليبينه لك حتى تكون على بصيرة .

أما النصيحة التي أوجهها إليك أيها السائل : فأنا أقول : إذا كان يمكنك أن تعدل عن هذه المرأة إلى امرأة أخرى : فإرضاء لأبيك وحثّاً على لمِّ الشمل وعدم الفرقة فافعل .

وإذا كان لا يمكنك بحيث يكون قلبك متعلقا بها وتخشى أيضا أنك لو خطبت امرأة أخرى أن يمنعك أبوك من زواجك بها – لأن بعض الناس قد يكون في قلبه غيرة أو حسد ولو لأبنائه فيمنعهم مما يريدون – أقول : إذا كنتَ تخشى هذا ولا تتمكن من الصبر عن هذه المرأة التي تعلَّق بها قلبك : فلا حرج عليك أن تتزوجها ولو كره والدك ، ولعله بعد الزواج يقتنع بما حصل ويزول ما في قلبه ، ونسأل الله أن يقدر لك ما فيه خير الأمرين .

" فتاوى إسلامية " ( 4 / 193 ، 194 ) .

الإسلام سؤال وجواب


يريد الزواج ووالده رافض
مشكلتي مع والدي فنحن سبعة إخوة وأنا الخامس بينهم ، وقد طلبت من والدي أن يزوجني ، فأجاب أن أنتظر 4 سنوات ، وأنا في طريقي لإنهاء تدريبي إن شاء الله ( وسأنتهي من برنامج التدريب ) بعد عام من الآن ، والبلد الذي أسكنه مليء بالفتن ، والله المستعان ، وعليه : فأنا أريد أن أعرف ما إذا كان والدي ستلحقه ذنوب لأنه لم يتركني أتزوج ، وللمعلومية فكل إخوتي عزاب كذلك ، أنا لا أستطيع أن أتحدث معه مرة أخرى في هذا الخصوص لأني عندما أكلمه ، فإنه يغضب ثم لا أتمكن من التفوه بأي كلمة وأنا في ذلك الوضع ، وأنا لا أريد حقّاً أن أقع في أية معصية – والله - فأنا أريد أن أفعل كل شيء بالطريق الصحيح ، لكنه لا يسمح لي بفعل ذلك ،   أرجوك .. أرجوك .. أرجوك .. أريد منك النصيحة ، فأنا – والله - أخاف أن أقع في الأمور المحرمة ، فأنا لا أستطيع منع نفسي أكثر من ذلك ، والله المستعان .
الحمد لله

أولاً :

لا حظنا في سؤالك أخي الفاضل أنك بارٌّ بأبيك ، وهذا أمرٌ تشكر عليه ، ونحثك على الاستمرار فيه ، وقد أوجب الله ذلك عليك ، والنصوص في ذلك أشهر من أن تذكر .

ثانياً :

ولا حظنا في سؤالك – أيضاً – مدى حرقتك على نفسك أن لا تقع في الموبقات المهلكات ، وهذا يدل – إن شاء الله – على دينٍ متين عندك ، فدِينك هو رأس مالك فإياك أن تفرط فيه فتخسر الدنيا والآخرة ، وابق على خوفك هذا من أن تقع في الفاحشة فيحل عليك سخط الله ، وتذكر مراقبة ربك لك في الليل والنهار ، واعلم أنه يعلم السر وأخفى ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويكفيك أن تتصور لو قبض الله روحك وأنت – حاشاك من ذلك – في حال مقارفتك للمعصية ، فكيف ستلقى الله تعالى ؟

ثالثاً :

ونوصيك بتقوى الله ، فهي الحاجز المنيع بينك وبين الفواحش ، ونوصيك بغض البصر عن كل ما حرَّم الله ، وليس لك إلا النظرة الأولى التي تقع من غير قصدٍ ، ونوصيك بعدم الاستماع لما حرَّم الله مما قد يثير الشهوة الكامنة ، وبالبعد عن أصحاب السوء ، وأصدقاء الفحش الذين لا يريدون لك إلا النار في الآخرة ، والعار في الدنيا .

وهذه بعض أسباب الوقوع في الفاحشة ، فبمقدار بعدك عنها يكون بُعدك عن الفاحشة .

وبعد ذلك نوصيك بالطاعات ، وخاصة الصيام فهو العلاج الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في مثل أحوالك هذه .

عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " . رواه البخاري ( 4778 ) ومسلم ( 1400 ) .

معنى الباءة : تكاليف الزواج .

ومعنى وِجاء : وقاية .

ونوصيك بقراءة القرآن والإكثار من الدعاء أن يجنبك الله الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ونوصيك بالصحبة الصالحة التي تدلك على الخير ، وتحثك عليه ، وكذا نوصيك بالتمارين الرياضية ، والنوم مبكِّراً .

وهذه بعض الأسباب التي يُرجى أن تكون سبباً لابتعادك عن كل ما لا يُرضي ربك تعالى .

وإليك هذه الفائدة النفيسة :

قال ابن مفلح - نقلاً عن ابن عقيل في " الفنون " - : وتسمع قوله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } وأنت تُحَدِّقُ إلى المحظورات تحديقَ متوسل أو متأسف كيف لا سبيلَ لكَ إليها ، وتسمع قوله تعالى { وجوه يومئذِ ناضرة } تهشُّ لها كأنها فيكَ نزلت ، وتسمع بعدها { ووجوه يومئذِ باسرة } فتطمئن أنها لغيرك ‍! ومِن أين ثبت هذا الأمر ؟ ومِن أين جاءَ الطمعُ ؟ اللهَ اللهَ ، هذه خدعةٌ تحول بينك وبين التقوى . أ.هـ .

" الآداب الشرعية " ( 1 / 151 ، 152 ) .

رابعاً :

وأما فعل والدك من منعك من الزواج وتأخيره عليك : فهو خطأ منه ، وينبغي عليه أن يتقي الله في أبنائه ، وأن يسارع في تزويجهم ، وأن يعلم أن حاجة بعض أبنائه وبناته للزواج قد تكون أكثر وأعظم من حاجتهم للطعام والشراب .

وهذه فتوى الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في مثل حال والدك :

قال – رحمه الله - :

" الواجب على أبيك ما دام الله قد أغناه أن ينفق عليك طعاماً وشراباً وكسوة وسكنى ، ويجب عليه أيضاً أن يزوجك إذا كنت محتاجاً إلى الزواج ، كما قال ذلك أهل العلم ، .......

وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أمر مهم ، وهو أن بعض الآباء وهم أغنياء يطلب منهم أبناؤهم الزواج فيرفضون ، قائلين للولد : اسع في الكسب للصرف على نفسك وتزوج فأنت رجل ، وما أشبه ذلك ، وقد نص أهل العلم أن من وجبت عليه نفقة شخص وجب عليه إعفافه وتزويجه ، فليتق الله هؤلاء الآباء ، وليقوموا بما أوجب الله عليهم من إعفاف أبنائهم والله الموفق " .

من كتاب " فتاوى منار الإسلام " ج/ 3 ص/619

 وأخيراً : نسأل الله لنا ولك الثبات والعفة والمعونة إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير .

الإسلام سؤال وجواب


هل للأم أن تمنع أبنتها من الصيام لأجل التغذية
هل من حق الأم منع ابنتها من صيام التطوع بحجة الحاجة للغذاء ؟ وهل يجوز للبنت في هذه الحالة الصوم رغما عن أمها ؟.
الحمد لله

للوالدين منع الولد سواء كان ابناً أو بنتاً من التطوع ، سواء كان بالحج أو الصيام أو الجهاد أو غيرها لا سيما إذا رأى الوالدان أن التطوع بمثل ذلك مما يضرّ بالولد ، أو كانت حاجة الوالدين لا يمكن تأديتها إلا بذلك ، أما الفرائض فلا ، وإذا مُنع الولد من قبل الوالد من التطوع فأجره على الله .

الشيخ : عبد الكريم الخضير.


مسؤولية الزوجة تجاه والديها
ما هي مسؤوليات المرأة المتزوجة تجاه والديها ؟.

الحمد لله

مسؤولية المرأة المتزوجة تجاه والديها كمسؤولية أي امرأة أخرى، وحقوق الوالدين باقية قبل الزواج وبعده، إلا أن طاعة الزوج تصبح آكد من طاعة الوالدين حين التعارض.

فلو تعارض أمر الوالدين مع أمر الزوج فالمقدم هو أمر الزوج، إلا أن الواجب على الزوج المسلم، والزوجة المسلمة أن يسعيا إلى تلافي تعارض أوامرهما مع أوامر الوالدين، وإلى الحرص على التوافق بينهما وبين والديهما.

ومما ينبغي أن ترعاه المرأة المتزوجة مع والديها: الحرص على زيارتهما بين فترة وأخرى، وإهداؤهما هدايا مناسبة ولو لم تكن ذات قيمة مادية عالية. والحرص على البعد عن إزعاجهما بعبث أطفالها عند زيارتهما ، والبعد عن نقل الخلافات الزوجية إليهما.

الشيخ محمد الدويش .

ولو احتاج أبواها إلى نفقة وهي مقتدرة فالواجب عليها أن تنفق عليهما بما تستطيع . وإذا لم يكن لديها مال خاص فشفعت لدى زوجها المقتدر ليساعد والديها فإنها تؤجر على ذلك إن شاء الله وهو من بر أبويها .

الشيخ محمد صالح المنجد


حكم قراءة القرآن لآخر حيا أو ميتا
لي والدة لا تقرأ وأحب أن أبرها وكثيرا ما أقرأ القرآن وأجعل ثوابه لها ، ولما سمعت أنه لا يجوز عدلت عن ذلك وأخذت أتصدق عنها بدراهم ، وهي الآن حية على قيد الحياة ، فهل يصل ثواب الصدقة من مال وغيره إليها سواء كانت حية أو ميتة ، أم لا يصل إلا الدعاء ، حيث لم يرد إلا ذلك كما في الحديث : ( إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث وذكر : ولد صالح يدعو له ) ، وهل الإنسان إذا كان كثير الدعاء لوالديه في الصلاة وغيرها قائما وقاعدا يشهد له الحديث في بأنه صالح ويرجى له خير عند الله ؟ أرجو الإفادة ولكم من الله الثواب الجزيل.

الحمد لله

أما قراءة القرآن فقد اختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الميت على قولين لأهل العلم ، والأرجح أنها لا تصل لعدم الدليل . لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعلها لأمواته من المسلمين كبناته اللاتي ، متن في حياته عليه الصلاة والسلام ، ولم يفعلها الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فيما علمنا ، فالأولى للمؤمن أن يترك ذلك ولا يقرأ للموتى ولا للأحياء ولا يصلي لهم ، وهكذا التطوع بالصوم عنهم . لأن ذلك كله لا دليل عليه ، والأصل في العبادات التوقيف إلا ما ثبت عن الله سبحانه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم شرعيته .

أما الصدقة فتنفع الحي والميت بإجماع المسلمين ، وهكذا الدعاء ينفع الحي والميت بإجماع المسلمين ، وإنما جاء الحديث بما يتعلق بالميت . لأنه هو محل الإشكال : هل يلحقه أم لا يلحقه فلهذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) لما كان من المعلوم أن الموت تنقطع به الأعمال بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا لا ينقطع ، وأما الحي فلا شك أنه ينتفع بالصدقة منه ومن غيره وينتفع بالدعاء ، فالذي يدعو لوالديه وهم أحياء ينتفعون بدعائه ، وهكذا الصدقة عنهم وهم أحياء تنفعهم .

وهكذا الحج عنهم إذا كانوا عاجزين لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فإنه ينفعهم ذلك ، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : أن امرأة قالت يا رسول الله : إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه . قال : ( حجي عنه ) .

وجاءه رجل آخر فقال : يا رسول الله : إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا الظعن أفأحج عنه وأعتمر ؟ ، قال : ( حج عن أبيك واعتمر ) ، فهذا يدل على أن الحج عن الميت أو الحي العاجز لكبر سنه أو المرأة العاجزة لكبر سنها جائز ، فالصدقة والدعاء والحج عن الميت أو العمرة عنه وكذلك عن العاجز كل هذا ينفعه عند جميع أهل العلم .

وهكذا الصوم عن الميت إذا كان عليه صوم واجب سواء كان عن نذر أو كفارة أو عن صوم رمضان لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) متفق على صحته ، ولأحاديث أخرى في المعنى ، لكن من تأخر في صوم رمضان بعذر شرعي كمرض أو سفر ثم مات قبل أن يتمكن من القضاء فلا قضاء عنه ولا إطعام لكونه معذورا .

وأنت أيها السائل على خير إن شاء الله في إحسانك إلى والديك بالصدقة عنهما والدعاء لهما ، ولا سيما إذا كان الولد صالحا ، فهو أقرب إلى إجابة الدعاء ، لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أو ولد صالح يدعو له ) لأن الولد الصالح أقرب إلى أن يجاب من الولد الفاجر ، وإن كان الدعاء مطلوبا من الجميع للوالدين ، ولكن إذا كان الولد صالحا صار أقرب في إجابة دعوته لوالديه .

كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز يرحمه الله ، م/4 ، ص/348 .


هل يطيع والديه أم يطبق السنة
سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) مهمة جدا.  والمثال الذي أسمعه دائما هو أن الفرائض هي مثل جدر البيت، والسنن هي مثل أثاثه.  وعليه فإن سؤالي هو:  إذا كان الشخص يواجه معارضة من والديه تجاه ارتدائه للملابس الموافقة للسنة، وأكله ونومه حسبما جاءت به السنة .. الخ، فهل يترك من هو في مثل هذا الوضع القيام بتلك السنن إرضاءً لوالديه؟.

الحمد لله
عليه أن يُقنع أبويه ويبيّن لهما السنة في اللباس والأكل والنوم ونحو ذلك ، فإذا أصرّ كلاهما أو أحدهما فله أن يطيعهما في اللباس والأكل والنوم الذي لا يخالف نصا ولا دليلا واضحا حيث أن الأصل في اللباس ونحوه الإباحة ، وأنه يرجع في ذلك إلى العادة لأن هذه الأمور من العادات الطبيعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها قبل الإسلام ويفعلها غيره ، فلا حرج على المسلم إذا لبس لباس أهل بلده وأكل مما يناسبهم ، ووافقهم فيما لا يخالف نصا صريحا سيّما إذا كان الوالدان يأمرانه بذلك .

الشيخ ابن جبرين .

أما إذا  أمراه بأمر يخالف الشريعة في اللباس ، مثلاً كالإسبال وتطويل اللباس ليجاوز الكعبين  أو أمراه أن يأكل بالشمال مثلاً فلا يطعهما في هذا مع استعمال الرفق معهما ، والله اعلم.

الشيخ محمد صالح المنجد


صاحب قلب نظيف لكنه لا يحترم والديه
إذا كان المسلم يصلي ويقوم بالعديد من الأمور الصالحة وكان صاحب قلب نظيف ، إلا أنه كان لا يحترم والديه أو لا يهتم بهما ، فهل هذا خطأ ؟ وهل يعاقب مثله على ذلك ؟.

الحمد لله
نعم يعتبر ذلك خطأ ، ويعاقب فاعله ، لأن الله تعالى قال : ( ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة  ) .

الشيخ سعد الحميد .

فكل إيذاء للوالدين بقول أو فعل فهو عقوق يأثم عليه الولد لمخالفة أمر الله ونهيه عندما أمر ببرهما بالقول الحسن والفعل الحسن ، قال تعالى : ( وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) .

ونهى عن عقوقهما بالقول السيء أو الفعل السيء ، قال تعالى : ( ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) ، وإذا حصل من الولد ذلك فعليه بالتوبة إلى الله وطلب المسامحة من والديه حتى ينجو من العقوبة .

الشيخ محمد صالح المنجد


زوجها يمنع أولادهما من زيارة أبويها الكافرين
السؤال : سألت شيخنا فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن امرأة تقول أبواي كافران وزوجي يمنع أولادي من رؤيتهما ، فهل له حق في ذلك ؟.

فأجاب حفظه الله بقوله :
الحمد لله

ليس له حق ، ولكن ينبغي عليك مداراته ، ويقال للزوج إذا لم يكن على الأبناء خطر في الدين فلا تمنعهم ، وبإمكانه أن يتفادى الخطر بأن يحضر الزيارة بنفسه .

الشيخ محمد بن صالح العثيمين


حق أمي عليّ وحقي على أمي ومدى استقلاليتي
لدي بعض الأسئلة عن الوالدين
1- ما هو حق الأم علي ؟
2- ما هو حقي على أمي ؟
3- ما هي الأشياء التي يمكن أن أعملها (المباحة طبعاً) دون أن يكون لأمي الحق من منعي ؟
4- متى يكون للأب القرار الأخير في الموضوع ؟
أنا أحب أمي جدا جدا وهي تريد حمايتي حتى أنني أشعر بعض الأحيان بأنني مقيد ، أعلم بأنها تفعل هذا من فرط حبها لي فكيف أخبرها بأنني أريد بعض الحرية في اختياراتي في الحياة ؟.
الحمد لله

أولاً : حق الأم على ولدها :

للأم على ولدها حقوق كثيرة وكبيرة لا يحصيها المحصي ولكن نذكر منها :

أ - حبها وتوقيرها في النفس والقلب ما استطاع لأنها أحق الناس بحسن صحبته .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال   : جاء رجل إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك ، قال ثم من ؟ قال : أمك ، قال : ثم من ؟  قال : أمك ، قال : ثم من ؟ قال : ثم أبوك " . رواه البخاري ( 5626 )  ومسلم ( 2548 ) .

فهي التي جعلت بطنها لك وعاءاً وثديها لك سقاءاً ، فحبها لازم ولا بد ، والفطرة تدعو إليه ، بل إن حب الأولاد لأمهاتهم وحب الأمهات لأولادها فطر الله عليه البهائم والدواب ، فبنو البشر أولى بذلك والمسلمون أولى بذلك كله .

ب - الرعاية والقيام على شؤونها إن احتاجت إلى ذلك بل إن هذا ديْن في عنق ولدها . أليست قد رعته طفلاً صغيراً وسهرت عليه وكانت تصبر على أذاه .

قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً } ( الأحقاف / 15 ) . بل إن ذلك قد يقدّم على الجهاد إن تعارض معه .

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فاستأذنه في الجهاد فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم : أحيٌّ والداك ؟ قال : نعم، قال : ففيهما فجاهد .  رواه البخاري ( 2842 ) ومسلم ( 2549 ) .

ت -عدم الأذية وإسماعها ما تكره من القول أو الفعل .

قال تعالى : { فلا تقل لهما أفٍ } ( الإسراء / 23 ) .

فإذا كان الله تعالى حرَّم قول " أف " للوالدين : فكيف بمن يضربهما ؟!! .

ث - النفقة عليها إن أعوزت ولم يكن لها زوج ينفق عليها أو كان زوجها معسراً بل إن النفقة عليها وإطعامها عند الصالحين أحب إليهم من أن يطعموا أبناءهم .

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه فقال أحدهم اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء قال ففرج عنهم …. " . رواه البخاري ( 2102 ) ومسلم ( 2743 ).

يتضاغون : يبكون بصوت عالِ .

ج - الطاعة والائتمار بأمرها إن أمرت بمعروف ، أما إن أمرت بشرٍّ كالشرك : فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

قال تعالى :{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } ( لقمان / 15 ) .

ح - أما بعد موتها فيسن قضاء ما عليها من كفارات والتصدق عنها والحج أو الاعتمار عنها.

عن ابن عباس رضي الله عنهما :" أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيتِ لو كان على أمك ديْن أكنتِ قاضيته ، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء". رواه البخاري ( 1754 ) .

خ - وكذلك بعد موتها يسنّ برها بصلة من كانت تصله وتحترمه كأقاربها وأصدقائها .

عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ". رواه مسلم ( 2552 ) .

ثانياً : حقوقك على أمك :

أ - القيام على شأنك وأنت طفل وإرضاعك وحضانتك وهذا معلوم من فطرة الناس وهو متواتر عنهم من بدء الخليقة .

قال تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ….. } (البقرة / 233 ) .

ب - أن تربيك تربيةً صالحةً وهي مسؤولة عنك يوم القيامة أمام الله لأنك من رعيتها وهي راعيتك .

عن عبد الله بن عمر يقول : سمعت رسول الله  صلى الله عليه وسلم يقول  : " كلكم راع  وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع  في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع  في مال سيده ومسؤول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع  في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع  ومسؤول عن رعيته". رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .

ثالثاً : أما ما يحل لك أن تصنعه دون أن تتدخل أمك في شؤونك من المباحات : فليس لها الحق في اختيار ما تحب من المباحات التي لا سلطة لها عليك بها كالطعام والشراب والملبس والمركب ونحو ذلك .

وأما التدخل في شؤونك من جهة خروجك ودخولك  المنزل أو السهر في الليل مع الرفقة الذين تصحبهم : فيجب على الوالدين كليهما أن يراقبا أولادهما في ذلك ليضبطوا الأمر ولا يضيع الأولاد مع رفقة السوء ، فإن أكثر ما سبّب للشباب الفساد رفقة السوء ، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " . رواه الترمذي ( 2387 ) وأبو داود ( 4833 ) .

والحديث حسَّنه الترمذي وصححه النووي كما في " تحفة الأحوذي " ( 7 / 42 ) .

وكذلك يراقبان ولدهما في وقت رجوعه إلى البيت وإلى أين يخرج لأنه لا يجوز لهما أن يتركا الحبل على غاربه للولد خصوصا إذا لم يكن صاحب استقامة .

وينبغي عليك أن تراعي منزلتهما وتوقيرهما وأخذهما بالصحبة الحسنة حتى وإن ضيقا عليك فيما أباح الله لك ، فإنه أمرنا أن نصحب آباءنا بالصحبة الحسنة حتى ولو كانوا كفاراً يدعوننا إلى الشرك فكيف وهما لا يدعوننا إلا إلى شيء يظنان كل الظن أن الخير لنا فيه وإن كان في بعض ما يأمران به تضييق عليك في بعض ما يباح لك . فالأحسن أن تطيعهما وأن تصنع ما يريدان وتنزل عند رغبتها وإن كان لا يجب عليك ولكن من باب التضحية والإيثار فإنهما أحق من يحسن إليهما وقد جعل الله تعالى طاعة الوالدين بعد عبادته مباشرة كما ذكر في كتابه وذلك بيانا لمنزلة بر الوالدين .

رابعاً : يكون للأب القرار الأخير في كل ما هو داخل في مسئوليته تجاهك فهو الذي يقرر مثلا في أيّ مدرسة يدرس ولده الذي تحت نفقته وكذلك يكون للأب القرار في كل تصرّف يتعلّق بملكه مثل استعمالك لسيارته وأخذك من ماله وهكذا .

وأما الولد الكبير المستقل بنفسه ونفقته فإنّه يقرر لنفسه ما يريد مما أباحه الله ويُشرع له إرضاء أبيه ما لم يتعارض ذلك مع طاعة الله وعلى الولد أن يستمر في توقير أبيه مهما بلغ الولد من العمر وذلك من باب البر وحسن العشرة ، فقد روي عن ابن عمر أنه قال : " ما رقيت سطح منزل أبي تحته " .

وكذلك إذا أمر الأب ولده بمعروف أو بترك المباح فيُطاع ما لم يكن ضرر على الولد .

خامساً : أما كيف تخبر أمك برغبتك في مزيد من الحرية فإنّ ذلك يكون بالقول والعمل  .

أ - أما العمل  : فيكون بعد أن تثبت عملا وواقعا لأمك بأنك لم تعد الصبي الذي تعهد وأنك أصبحت رجلاً قادراً على تحمل المسئولية وتتصرف أمامها تصرف الرجال في مواقفك فإن هي رأت منك ذلك مرارا فستثق بك وسيستقيم أمرك عندها ويكبر مقامك في نفس أمك .

ب - أما القول : فيكون بالحجة الواضحة والمناقشة الهادئة والقول اللين وضرب الأمثلة على مواقفك السليمة الصحيحة ، ولعل الله تعالى أن يشرح صدرها لتعاملك معاملة الرجل البالغ العاقل الراشد السوي ما دمت كذلك .

ونسأل الله لنا ولك ولوالديك أن يهدينا سبيل الرشاد وصلى الله على نبينا محمد .

الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد


والده يطلب منه شراء الدخان
السؤال :
هل يجوز أن أشتري سجائر لشخص ما ؟ إذا كان هذا غير جائز فهل هذا ينطبق على الوالد أيضا إذا طلب مني ؟ جزاك الله خيراً .

الجواب :
الحمد لله

لا يجوز أن تشتري لوالدك شيئاً استعماله محرم ، سواء كان دخاناً أم أفيوناً أم حشيشة أم خمراً .. أو غير ذلك ، ولو أمر بذلك ، لما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ، وقوله : ( إنما الطاعة في المعروف ) وعليك أن تنصحه ، وتعتذر له بأسلوب حسن عن شرائه .

من فتاوى اللجنة الدائمة ج13/64.


لمن الأفضلية عند المسلم الزوجة أم الأم
السؤال :
لمن تكون الأفضلية عند الرجل المسلم ، الزوجة أم الأم ؟.
الجواب :
الحمد لله
الأفضلية عند المسلم للأم لما جاء في الحديث أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك ... الحديث "
رواه البخاري ( 5514 ) ومسلم ( 4621 ) ، إلا أن الزوجة تقدم على الأم في شيء واحد وهو النفقة إذا كان الزوج لا يستطيع أن ينفق على زوجته وأمه معا لفقره ففي هذه الحالة تقدم الزوجة على الأم ، وعلى المسلم أن يعطي كل ذي حق حقه ، وأن ينصر المظلوم ، فلو ظلمت أمه زوجته كفَّ ظلمها بالحسن وأنصف . والله تعالى أعلم ..
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد


طاعة الوالدين في حلق اللحية
السؤال :
أنا شاب مسلم وأريد أن أطلق لحيتي ولكن والدي يعارض ذلك بشدة ، فهل يجب علي إطلاق اللحية أو طاعة الوالدين ؟

الجواب:

الحمد لله
حلق اللحية حرام لا يجوز فعله لطاعة والد أو رئيس ؛ لأن الطاعة في المعروف ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) .
فتاوى اللجنة الدائمة 5/146


كيفية معاملة الأم الفاسقة
السؤال:
سؤالي يتعلق بأحد الشباب الصغار من المسلمين . هو ما شاء الله شاب جاد مخلص وعلى علم ملتزم بتعاليم الإسلام وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحاول بكل جهده اتباع العقيدة الصحيحة . إنه يعيش بمفرده مع أمه المطلقة والتي لا تتبع الإسلام بالكلية وتنهمك في الكثير من الأعمال التي لا تتفق مع الإسلام في شيء …أنا على صلة بالشاب وأمه وهما على تراحم وتواد لكني أرى أن الشاب أحيانا يضيق بتصرفات أمه التي تضعه في مواقف حرجة وأنا لا أستطيع تقديم النصح له بصورة صحيحة .وفيما يلي بعض الأمثلة لهذه المواقف مثل خروج الأم من المنزل لمدة قصيرة فيشعر الابن  بالخزي من ذلك  لكنه يسير معها خوفا عليها من أن يبادرها أحدا بالكلام ، ….الأم كثيرة التعرف على الرجال من الجنس الآخر على الطريقة الغربية ، وهي كثيرة الذهاب إلى دعوات العشاء وتجلس على الطاولة التي غالبا ما تكون ممتلئة بالخمر الذي يحتسيه رفاقها وصديقاتها لكنها لا تشرب الخمر على الإطلاق وهناك العديد والعديد من الموضوعات التي يمارسها أصدقاء الأم مثل البدع ويحاول الابن باستمرار دعوة الأم وتوضيح الأمور لها لكنها دائما ما تتهمه بالتعصب والمغالاة أو أنه من العصر الحجري . أرجو تقديم النصيحة لصديقي الذي لم يصاحب أحدا غيري فهو يشعر انه ديوث ويود أن يعرف هل بقاءه مع والدته وهي على هذا النحو من السلوكيات يعد أمرا صحيحا وهو يخشى عليها من أن يتحرش بها أحد من الغرباء نظرا لأنها ترتدي الملابس القصيرة غير الإسلامية وهو لم يخبرني بهذه الأشياء كما أنه لم يفش أسرار الأسرة لكن الأمر بات واضحا لي ولمن حوله . الرجاء المساعدة جزاك الله تعالى خير الجزاء .
الجواب:
الحمد لله
لا شكّ أنّ القصّة المذكورة مؤلمة ومؤثّرة وخصوصا عندما يُصاب الإنسان بمصيبة الدّين في أقرب النّاس إليه ويُؤذى أيضا ، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون ولْيعلم هذا الأخ أنّ بر الوالدين من أوجب الواجبات التي تجب للبشر على البشر لقول الله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } فأمر بمصاحبة هذين الوالدين المشركين اللذين يبذلان الجهد في أمر ولدهما بالشرك ومع ذلك أمر الله أن يصاحبهما في الدنيا معروفا ، وإذا كان كذلك فالواجب عليك نحو والدتك أن تنصحها بالكفّ عن هذه المعاصي وأن تبيّن لها ما في فعلها من الإثم والعقاب فإن استجابت فالحمد لله ، وإلا فاهجرها هجراً جميلاً ولا تخالطها مخالطةً تضرك في دينك ولا تؤذيها بل صاحبها في الدنيا بالمعروف وتابع نصيحتها بين الحين والأخر ، وهجرك إياها لا يضرك لأنك إنما فعلته غيرةً لله وإنكاراً للمنكر .
أنظر إجابة الشيخ محمد بن عثيمين في فتاوى إسلامية (4/196) واللجنة الدائمة في فتاوى إسلامية (4/204) والشيخ عبد الله بن جبرين في فتاوى المرأة المسلمة (2/957)
وخلاصة القول في مسألة مساكنتك لها أنّه إذا سُكناك معها سيُفيدها في زيادة دين أو إيمان أو التزام بواجب أو بُعد عن محرّم أو التّخفيف منه على الأقل من خلال شعورها بشيء من الرّقابة مثلا أو ردّ أهل السوء عنها وصرفهم ، ولم يكن في هذه المخالطة ضرر عليك ، فابق معها محتسبا الأجر في كلّ ما تقدّم والله يُثيبك على صبرك ، وإن كنت قد أعيتك المحاولة ولم تجد فائدة في إحراز أيّ تقدّم في أيّ مجال مما تقدّم ذكره وكانت المُخالطة لها تسبب ضررا عليك في دينك أو سُمعتك فلا عليك من حرج في هجرها كما تقدّم مع الاستمرار في تفقّدها وقضاء حاجاتها ونصحها بين الفَينة والأخرى ، ونسأل الله أن يرزقك الصّبر ويأجرك على جهدك وهو نِعم المولى ونِعم النّصير .
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد


بر الوالد المنكر للحديث
السؤال:
أعيش في أسرة غير متدينة تضطهدني وتسخر مني وأنا متمسك بالسنة ولله الحمد ووالدي يعتقد بأن الأحاديث التي تشرح أمورا في القرآن كالصلاة يجب اتّباعها والأحاديث التي تذكر أمورا ليست في القرآن كتحريم مصافحة المرأة الأجنبية لا يجب اتباعها وعنده اعتقادات أخرى وأنا أعلم أن بر الوالدين واجب ، هل يجوز لي أن أصلي وراء أبي وإذا كان الجواب بالنفي فهل يجوز أن أتظاهر أني أصلي معه كي لا أغضبه ثم أعيد الصلاة.
الجواب:
الحمد لله
إنّ الوضع الذي تعيش فيه أيها الأخ السائل هو وضع صعب فعلا ، وليس بالهيّن على المؤمن أن يعيش مع أب عنده ضلالات وانحرافات عن المنهج الصحيح منهج أهل السنّة والجماعة ولكن المسلم يحتسب الأجر في الصّبر على مثل هذا الأب والتلطّف في نصحه وتبصيره بالحقّ بالوسائل المناسبة التي لا تُشعر الأب بتعالي ولده عليه ولا بانتقاصه له وإنما يشعر الأب بأنها نصيحة ابن معترف بالأبوة موقّر ومشفق كما حصل لإبراهيم عليه السلام في دعوته لأبيه ، قال الله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43)يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47) سورة مريم
فقد استعمل إبراهيم عليه السلام نداء الأبوة في أرقّ ألفاظه فقال : يا أبت ، ولم يقل له أنا عالم وأنت جاهل بل قال إنّي قد جاءني من العلم ما لم يأتك
وأظهر شفقته على أبيه وحرصه على سلامته بقوله : يا أبت إني أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن
ولما رفض أبوه الحقّ وتهدّده بالرّجم ما زاد إبراهيم على أن قال لأبيه بكلّ أدب سلام عليك ووعده أن يستغفر له
هكذا فلتكن دعوة الأبناء الصالحين لآبائهم الضالين .
واعلم بأنّ مسألة إنكار السنّة أو شيء منها أمر خطير جدا - ولعلّنا نذكر شيئا من التفصيل في الموضوع في موضع آخر - ولكن نقول باختصار هنا إذا كانت بدعة أبيك تخرجه عن الإسلام كإنكار السنّة نهائيا وقد أقيمت الحجّة عليه ورفض الحقّ فلا تصحّ صلاتك خلفه حينئذ لكفره ، وأما إذا كانت بدعة أبيك لا تصل إلى الكفر كعدم التزامه - عن تقصير وتفريط - بحكم قد جاءت به السنّة فيجوز لك أن تصلي وراءه حينئذ وصلاتك صحيحة . والله تعالى أعلم .
إضافة : وردنا من الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في خصوص هذا السؤال ما يلي :
الإنكار قد يكون إنكار تأويل وقد يكون إنكار جحد فإذا كان إنكار جحد بمعنى أنّه يقول : نعم أنا أعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا لكن أنا أنكر ذلك ولا أقبله فإن كان هذا فهو كافر مرتدّ عن الإسلام ولا تجوز الصلاة خلفه .
وإن كان إنكاره إنكار تأويل فيُنظر إن كان التأويل محتملا مما تسوّغه اللغة ويعلم مصادر الشريعة ومواردها فهذا لا يكفر ويكون من جملة المبتدعين إذا كان قوله بدعيا فيصلى خلفه إلا إذا كان في ترك الصلاة خلفه مصلحة بحيث يرتدع ويفكّر في الأمر مرة ثانية فلا يُصلّى خلفه .

حال هذا الأب أنه يقر ببعض أقسام السنة و هو ما كان موافقاً للقرآن شارحاً له . في الوقت الذي ينكر القسم الآخر و هو ما كان زائداً على القرآن . و مثل هذا يُعد من البدع العظيمة التي توعد الشارع عليها كما ثبت عنه عليه الصلاة و السلام : " لا أُلفين أحدكم متكئاً على أريكة … " الحديث .
فهي بدعة كبيرة يخشى على صاحبها . و الله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
بر الوالدين