الاثنين 10 ذو القعدة 1439 - 23 يوليو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


205660: لماذا فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول البعثة ، وكم كانت مدته ؟


السؤال :
لماذا غاب الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وكم مده غياب الوحي؟ وماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام خلال انقطاع الوحي؟

تم النشر بتاريخ: 2013-10-29

الجواب :
الحمد لله
أولا :
فتر [ يعني : انقطع ] الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين :
مرة في أول نزول الوحي ، ثم نزلت بعده سورة المدثر ، ومرة بعد نزول عدة سور من القرآن ، ثم نزلت بعده سورة الضحى .
فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( ثُمَّ فَتَرَ عَنِّى الْوَحْىُ فَتْرَةً ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ بَصَرِى قِبَلَ السَّمَاءِ ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ ، حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ : زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) إِلَى ( فَاهْجُرْ ) .
رواه البخاري (3238) ، ومسلم (161) .
قال النووي رحمه الله :
" قوله ( ثم تتابع الوحى ) يعنى بعد فترته ، فالصواب أن أول ما نزل ( اقرأ ) وأن أول ما نزل بعد فترة الوحى ( يا أيها المدثر ) انتهى .
وروى البخاري (4953) حديث عائشة في بدء الوحي وفيه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم ورقة بما رأي ، وقول ورقة له : " إِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا " قالت عائشة : " ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ ، وَفَتَرَ الوَحْيُ " .
وهذه هي المرة الأولى .

وروى البخاري (4950) ، ومسلم (1797) عن جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ( اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثًا - ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثَةٍ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) .
وهذه هي المرة الثانية .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" الْفَتْرَة الْمَذْكُورَة فِي سَبَب نُزُول (وَالضُّحَى) : غَيْر الْفَتْرَة الْمَذْكُورَة فِي اِبْتِدَاء الْوَحْي , فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَيَّامًا ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا " .
انتهى من "فتح الباري" (8/710) .

وقال ابن عاشور رحمه الله :
" وَاحْتِبَاسُ الْوَحْيِ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولَاهُمَا: قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ أَوِ الْمُزَّمِّلِ ، وَتِلْكَ الْفَتْرَةُ هِيَ الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الْوَحْيُ ، وَهِيَ الَّتِي رَأَى عَقِبَهَا جِبْرِيلَ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
وَثَانِيَتُهُمَا: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِنْ ثَمَانِ سُوَرٍ، أَيِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْرَةِ الْأُولَى فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ " انتهى من "التحرير والتنوير" (30/ 396) .

ثانيا :
اختلف العلماء في مدة فترة الوحي الأولى ، فقيل ثلاث سنين ، وقيل قريبا من سنتين ، أو سنتين ونصف ، وقيل اثنا عشر يوما ، وقيل خمسة عشر يوما ، وقيل أربعون يوما ، وقيل غير ذلك .
قال الحافظ رحمه الله :
" وَقَعَ فِي تَارِيخِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مُدَّةَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ كَانَت ثَلَاث سِنِين ، وَبِه جزم ابن إِسْحَاقَ " انتهى من "فتح الباري" (1/ 27) .
وقال ابن كثير :
" قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مُدَّةُ الْفَتْرَةِ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ " .
انتهى من "البداية والنهاية" (4/ 42) .
وقال الرازي رحمه الله :
" وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مُدَّةِ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: أَرْبَعُونَ يَوْمًا " انتهى من "تفسير الرازي" (31/ 192) .
وقال ابن عاشور :
" وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ فِي الْفَتْرَةِ الْأُولَى كَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا " .
انتهى من "التحرير والتنوير" (30/ 396) .

أما فترة الوحي الثانية فكانت ليلتين أو ثلاثا ، كما تقدم في حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه .
وقال ابن كثير رحمه الله :
" نَزَلَتْ سُورَةُ وَالضُّحَى بَعْدَ فَتْرَةٍ أُخْرَى ، كَانَتْ لَيَالِيَ يَسِيرَةً ، كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا " انتهى من "البداية والنهاية" (4/ 41) .

ثالثا :
كانت الحكمة من فتور الوحي مدة : أن يذهب الروع الذي كان قد وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه لما نزل عليه جبريل عليه السلام أول مرة ، وليحصل له التشوف إلى عودة الوحي والاشتياق إليه ، ولتنزل السلوى على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله تعالى ، فيزداد إيمانا وتثبيتا ، وليبتلي الله الناس فيثبت المؤمنين ويضل الكافرين .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" وَفُتُورُ الْوَحْيِ : عِبَارَةٌ عَنْ تَأَخُّرِهِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لِيَذْهَبَ مَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ " .
انتهى من "فتح الباري" (1/ 27) .
وقال مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ : " وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَقَالُوا : لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَتَتَابَعَ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَالضُّحَى) وَ (أَلَمْ نَشْرَحْ) بِكَمَالِهِمَا " .
انتهى من "فتح الباري" (8/ 710) .

رابعا :
لا يعرف على وجه التحديد ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم خلال فترة انقطاع الوحي ، إلا أن المقطوع به أنه أحزنه ذلك ، وأنه تشوف إلى عودته ، ورغب في الأنس به بعد الذي أصابه من الوحشة والفزع أول الأمر .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ رحمه الله :
" ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتْرةً مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى شقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَأَحْزَنَهُ ، فَجَاءَهُ جبريلُ بِسُورَةِ الضُّحَى ، يُقسم لَهُ رُّبه، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ ، مَا ودَّعه وَمَا قَلاَه " انتهى من "سيرة ابن هشام" (1/ 225) .

وما ذُكر من أنه صلى الله عليه وسلم رغب مرارا في الانتحار والتردي من رءوس شواهق الجبال بسبب ما أصابه من الحزن لذلك : فباطل ؛ كما تقدم بيانه وتقريره في إجابة السؤال رقم : (152611) .

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا