لا يصح وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه "عبراني"، بل هو عربي قرشي اللسان والمنشأ والنسب.
هل يوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبراني لكونه من ذرية إبراهيم؟
السؤال 260224
إذا كان النبي إبراهيم عليه السلام عبرانيا، وابنه إسماعيل عليه السلام عبرانيا كذلك، فهل يصح أن نقول أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم عبراني؛ باعتبار أن أجداده إسماعيل وإبراهيم كانا عبرانيين؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إنَّ مسألة نسب النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام من المسائل التي اعتنى بها علماء الأمة وسطروا فيها المجلدات. وللإجابة على تساؤلكم حول صحة وصف النبي صلى الله عليه وسلم بـ "العبراني"، لا بد من توضيح عدة حقائق علمية وتاريخية:
أولاً: معنى "العبراني" ونسبة إبراهيم عليه السلام إليها.
اختلف المؤرخون والنسابون في أصل كلمة "عبراني" المنسوبة لإبراهيم عليه السلام على أقوال:
1. النسبة إلى عابر: وهو جد إبراهيم عليه السلام الذي ينحدر من سام بن نوح وهو عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. ينظر كتاب "الطبقات الكبير" لابن سعد (3/ 388).
2. بمعنى العبور: قيل سمي عبرانياً لأنه عبر النهر (نهر الفرات) من بابل إلى الشام، أو لأنه كان يتكلم العبرانية.
ويستند أصحاب هذا الرأي على ما ذكره سفر التكوين من نسبة إبراهيم عليه الصلاة والسلام نفسه باسم: " أَبْرَام الْعِبْرَانِيّ" "سفر التكوين" (14: 13).
وكذلك ما جاء في سفر يشوع (24: 2): "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الدَّهْرِ".
والمشهور عند أهل التاريخ أن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم السريانية، ثم تكلم العبرانية بعد عبوره النهر.
روى ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" (69/182): "وخرج إبراهيم من حران يؤم أرض بني كنعان حتى عبر الفرات إلى الشام فانحرف لسانه عن السريانية إلى العبرانية وإنما سميت العبرانية لأنه تكلم بها حين عبر الفرات". انتهى.
وروى الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (1/ 310):
"لَمَّا هَرَبَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ كُوثَى، وَخَرَجَ مِنَ النَّارِ وَلِسَانُهُ يَوْمَئِذٍ سِرْيَانِيٌّ، فَلَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ مِنْ حَرَّانَ غَيَّرَ اللَّهُ لِسَانَهُ فَقِيلَ: عِبْرَانِيٌّ، أَيْ حَيْثُ عَبَرَ الْفُرَاتَ وَبَعَثَ نَمْرُودُ فِي أَثَرِهِ، وَقَالَ: لا تَدَعُوا أَحَدًا يَتَكَلَّمُ بِالسِّرْيَانِيَّةِ إِلا جِئْتُمُونِي بِهِ، فلقوا ابراهيم ع فَتَكَلَّمَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، فَتَرَكُوهُ وَلَمْ يَعْرِفُوا لُغَتَهُ". انتهى.
3. إن سبب التسمية يرجع إلى الموطن الأصلي لبني إسرائيل، ذلك أنهم في الأصل كانوا من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها للبحث عن الماء والمرعى وهم قد عبروا بين الشعوب، وعبروا الصحاري والوديان والأنهار.
وفي هذا يقول سفر يشوع (24: 7 –17):
" وَأَقَمْتُمْ فِي الْقَفْرِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، ثُمَّ أَتَيْتُ بِكُمْ إِلَى أَرْضِ الأَمُورِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ فَحَارَبُوكُمْ، وَدَفَعْتُهُمْ بِيَدِكُمْ......، ثُمَّ عَبَرْتُمُ الأُرْدُنَّ وَأَتَيْتُمْ إِلَى أَرِيحَا......، فَالآنَ اخْشَوْا الرَّبَّ وَاعْبُدُوهُ .....، فَأَجَابَ الشَّعْبُ وَقَالُوا: حَاشَا لَنَا أَنْ نَتْرُكَ الرَّبَّ لِنَعْبُدَ آلِهَةً أُخْرَى، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَنَا هُوَ الَّذِي ..... حَفِظَنَا فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّتِي سِرْنَا فِيهَا وَفِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ عَبَرْنَا فِي وَسَطِهِمْ". انتهى.
لا بد من التنبه أن إبراهيم عليه السلام ليس يهودياً ولا نصرانياً: وقد أشار القرآن الكريم إلى أن إبراهيم عليه السلام كان "حنيفاً مسلماً"، ولم يكن يهودياً (وهي التسمية التي ارتبطت لاحقاً بالعبرانية في سياق بني إسرائيل). قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ آل عمران/ 67.
وقال المؤرخ الفلسطيني محمد حسن شُرَّاب في كتابه العرب واليهود في التاريخ (63): " لفظ العبري أطلق تاريخياً على شراذم من الغجر الرحل كانوا يعيثون في الأرض فساداً، ويتبعون الجيوش الغازية، بوصفهم مرتزقة يستعان بهم في الأعمال الدنية، ووصفهم إبراهيم بأنه عبري غير صحيح، إلا إذا أخذنا من لفظ عبري معنى: الترحال والتنقل، وقد ألصق اليهود بإبراهيم وصف "العبري" ليصلوا إلى وصف لغتهم بأنها "عبرية" قديمة ترجع إلى زمن إبراهيم عليه السلام، وهذا كلام باطل لأن اللغة العبرية جاءت متأخرة جداً عن زمن إبراهيم عليه السلام". انتهى.
ولمزيد من التفصيل حول خروج النبي إبراهيم عليه السلام من العراق، يمكنكم مراجعة إجابة السؤال رقم: (13043).
ثانياً: إسماعيل عليه السلام وأصل العرب المستعربة.
إسماعيل عليه السلام هو الابن الأكبر لإبراهيم عليه السلام، وقد نقله والده وهو رضيع مع أمه هاجر إلى مكة المكرمة، وهي أرض عربية سكنتها قبيلة "جرهم" العربية (من العرب العاربة).
وهناك نشأ إسماعيل عليه السلام وتزوج من جرهم وتعلم منهم العربية الفصحى، لذلك، يصنف النسابون ذرية إسماعيل عليه السلام بأنهم "العرب المستعربة" ويقال لهم: "العدنانيون"، أو "النزاريون"، أو "المعديون". وهم الذين دخلوا في العربية بالتعلم والمجاورة، حتى صاروا من صميم العرب لساناً وطباعاً ونسباً.
يقول الدكتور جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (1/294):
" واتفقوا، أو كادوا يتفقون على أن القحطانيين هم عرب منذ خلقهم الله، وعلى هذا النحو من العربية التي نفهمها ويفقهها من يسمع هذه الكلمة. فهم الأصل، والعدنانية الفرع، منهم أخذوا العربية، وبلسانهم تكلم أبناء إسماعيل بعد هجرتهم إلى الحجاز، شرح الله صدر جدهم إسماعيل، فتكلم بالعربية، بعد أن كان يتكلم بلغة أبيه التي كانت الآرامية، أو الكلدانية، أو العبرانية على بعض الأقوال". انتهى.
ولمزيد من التفصيل حول تعلم إسماعيل عليه السلام العربية، يمكنكم مراجعة إجابة السؤال رقم: (242659)، ورقم: (506331).
ولمزيد من التفصيل حول تقسيم العرب وأصولهم، يمكنكم مراجعة إجابة السؤال رقم: (111121)، ورقم: (458860).
ثالثاً: لا يصح وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالعبراني من عدة وجوه:
1. انقطاع النسبة بالاستعراب: النسبة إلى الأصول البعيدة تنقطع إذا استقرت الذرية في أمة أخرى وتكلمت بلسانها وصارت جزءاً منها. فإسماعيل عليه السلام وذريته صاروا عرباً، ولم يعد يطلق عليهم "عبرانيون" في عرف التاريخ أو الشرع.
والعبرانية أصبحت لقباً خاصاً بذرية يعقوب بن إسحاق (بني إسرائيل) الذين حافظوا على لسانهم العبراني وتميزوا به.
2. النصوص الشرعية: وصف الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالعربي، ووصف كتابه بالعربي.
قال تعالى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ النحل/ 103. وقال صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ" رواه مسلم (2276).
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو صفوة العرب من ولد إسماعيل عليه السلام.
3. الهوية اللسانية والثقافية: العبرانية في العرف التاريخي ترتبط بلسان معين وهوية معينة تميز بها بنو إسرائيل.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في العرب، بلسان العرب. والقول بأنه عبراني يوهم بأنه من بني إسرائيل، وهذا خلاف الواقع والوحي.
والحاصل:
أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم نبي عربي قرشي هاشمي، وهذا هو الثابت في الكتاب والسنة وإجماع المؤرخين، من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وإسماعيل عليه السلام وإن كان أبوه عبرانياً، إلا أنه استعرب وصار أصل العرب المستعربة. وبناءً عليه، فإن النسبة العبرانية لا تنسحب على النبي صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟