الخميس 13 شعبان 1440 - 18 ابريل 2019
العربية

الفرق بين دعاء عيسى في سورة المائدة، ودعاء إبراهيم عليهما السلام في سورة إبراهيم

289611

تاريخ النشر : 03-02-2019

المشاهدات : 640

السؤال

في سورة المائدة يقول سيدنا عيسى لله سبحانه وتعالى : ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، وفي سورة إبراهيم يقول سيدنا إبراهيم لله سبحانه وتعالي : ( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ، فلماذا قال سيدنا عيسى وهو مستحضر العبودية والذل والضعف أمام الله فإنك العزيز الحكيم ، ولم يقل فإنك غفور رحيم مثل سيدنا إبراهيم الذي قالها ـ وهو مستحضر الرجاء في الله ـ وقال فإنك غفور رحيم ؟ ولماذا دعا سيدنا إبراهيم بهذا الدعاء ، مع أن سياق الآيات مع الذين آمنوا والذين كفروا ، فلماذا قال فإنك غفور رحيم مع الكفار ؟

نص الجواب

الحمد لله 

أولًا:

أما قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ المائدة/118 .

فقد سبق الكلام عن سبب التعبير ب( العزيز الحكيم) بدل (الغفور الرحيم) مفصلاً في جواب السؤال (287967) . 

ثانيًا:

أما السؤال المتعلق بسبب تغيير الأسلوب في الآيتين، فإنما كان ذلك لاختلاف المقامين ، فإن قول عيسى عليه السلام ، إنما يكون منه في موقف العرض في الآخرة ، على أظهر القولين في الآية ، حينما يخاطبه الله تعالى ، وهو علام الغيوب ، مظهرا براء عيسى عليه السلام مما أشرك به المشركون ، وضل  به الضالون ، ومقيما لحجته على من خالفه من عباده .

قال الله تعالى :  وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  المائدة/116-120 .

وأما قول إبراهيم عليه السلام ، فقد كان كله في دار الدنيا ، لما أسكن ذريته بمكة المكرمة ، ودعا ربه لهم ، وللوادي الذي أنزلهم فيه ، وتضرع إلى ربه في مقام عظيم :

 وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ   إبراهيم /35-41 .

قال ابن القيم: " ومن هاهنا كان قول المسيح عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: 118] ، أحسن من أن يقول: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم .

أي : إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عن عزة، وهي كمال القدرة، وعن حكمة، وهي كمال العلم، فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني ؛ فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة، وعلم تام، وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها، فهذا أحسن من ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع، الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها، وقد فاتت، فإنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، كان في هذا من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ، ما ينزه عنه منصب المسيح عليه السلام، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال، وموقف انتقام ممن جعل لله ولدا، واتخذه إلها من دونه؛ فذكر العزة والحكمة فيه: أليق من ذكر الرحمة والمغفرة.

وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام : واجنبني وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 35] .

ولم يقل: فإنك عزيز حكيم ؛ لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء ؛ أي إن تغفر لهم وترحمهم، بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، كما في الحديث : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .

وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به، وأن كل اسم يناسب ما ذكر معه، واقترن به، من فعله وأمره، والله الموفق للصواب " انتهى من "مدارج السالكين"(1/ 60).

ويقول السعدي، [وقوله]: " وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من شفقة الخليل عليه الصلاة والسلام ؛ حيث دعا للعاصين بالمغفرة والرحمة من الله ، والله تبارك وتعالى أرحم منه بعباده ، لا يعذب إلا من تمرد عليه " انتهى من  "التفسير"(426).

والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات