الاثنين 12 ربيع الأوّل 1443 - 18 اكتوبر 2021
العربية

ما صحة أثر ابن عباس: (.. فلما تكلم ربنا بالوحي، كان صوته كصوت الحديد)؟

350027

تاريخ النشر : 28-09-2021

المشاهدات : 915

السؤال

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم) سبأ/٢٣ الآية، قال: كان ابن عباس يقول: " إن الله لما أراد أن يوحي إلى محمد، دعا جبريل، فلما تكلم ربنا بالوحي، كان صوته كصوت الحديد على الصفا؛ فلما سمع أهل السموات صوت الحديد خروا سجدا؛ فلما أتى عليهم جبرائيل بالرسالة رفعوا رءوسهم، فقالوا: (ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) سبأ/٢٣، وهذا قول الملائكة، رواه الطبـري، فما صحة هذا الأثر؟

ملخص الجواب

1. الأثر المروي عن ابن عباس الذي قال فيه: (إن الله لما أراد أن يوحي إلى محمد، دعا جبريل، فلما تكلم ربنا بالوحي، كان صوته كصوت الحديد على الصفا...) رواه الطبري عنه بإسنادين ينظر تفصيل الحكم عليهما في الجواب المطول.  2. هذا المتن ثابت من تفسير الصحابة، وهو متن معروف تداوله أئمة السنة في مصنفاتهم، في التفسير والعقائد، دون نكير منهم له، ولا إنكار لثبوته عن الصحابة وهذه الأخبار الصحيحة تثبت صفة الصوت لله تعالى؛ وأنه سبحانه وتعالى يتكلم بصوت مسموع. وهذه النصوص لا تقتضي تشبيه صفة الله تعالى بخلقه.

الحمد لله.

أولا: 

أثر ابن عباس (فلما تكلم ربنا بالوحي، كان صوته كصوت الحديد على الصفا)

هذا الأثر رواه الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه بإسنادين: 

الإسناد الأول

فقال: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُوحِيَ إِلَى مُحَمَّدٍ، دَعَا جِبْرِيلَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ رَبُّنَا بِالْوَحْيِ، كَانَ صَوْتُهُ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَوْتَ الْحَدِيدِ خَرُّوا سُجَّدًا؛ فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِمْ جبْريلُ بِالرِّسَالَةِ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَالُوا: (مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) وَهَذَا قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ) رواه الطبري (19 / 279).

وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ الطبري، وكذا أبو معاذ وهو الفضل بن خالد النحوي، لم نقف على من نص على توثيقه.

وعبيد هو ابن سليمان الباهلي، قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:

"عبيد بن سليمان الباهلى أبو الحارث روى عن الضحاك. 

روى عنه أبو تميلة، وزيد بن حباب، وابو معاذ الفضل بن خالد النحوي. سمعت أبى يقول ذلك، وسألته عنه، فقال: لا بأس به." انتهى من"الجرح والتعديل" (5 / 408).

والضحاك هو ابن مزاحم، وروايته عن ابن عباس مرسلة، كما نص على هذا كثير من أهل الحديث.

قال الذهبي رحمه الله تعالى: 

" الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، صاحب التفسير. 

كان من أوعية العلم، وليس بالمجود لحديثه، وهو صدوق في نفسه...

حدث عن: ابن عباس... وبعضهم يقول: لم يلق ابن عباس، فالله أعلم... " انتهى من "سير أعلام النبلاء" (4 / 598 - 599).

وأما الإسناد الثاني فهو من الأسانيد المشهورة في نقل أقوال ابن عباس التفسيرية، فقال الطبري (19 / 279) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حدثني أَبِي، قَالَ: حدثني عَمِّي، قَالَ: حدثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) إِلَى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) قَالَ:

(لَمَّا أَوْحَى اللَّهُ تبارك وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الرَّسُولَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَبَعَثَ بِالْوَحْيِ، سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتَ الْجَبَّارِ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ؛ فَلَمَّا كَشَفَ عَنْ قُلُوبِهِمْ سَأَلُوا عَمَّا قَالَ اللَّهُ، فَقَالُوا: الْحَقَّ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَأَنَّهُ مُنْجِزُ مَا وَعَدَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَصَوْتُ الْوَحْيِ كَصَوْتِ الْحَدِيدِ عَلَى الصَّفَا؛ فَلَمَّا سَمِعُوهُ خَرُّوا سُجَّدًا؛ فَلَمَّا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)).

وهذا الإسناد رواته: محمد بن سعد، وهو العَوفِيّ. 

وأبوه: سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جُنَادَةَ، العَوفِيّ.

وعمّه، هو: الحسين بن الحسن العوفي. وأبوه، هو: الْحَسَن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي، ويروي عن أبيه: عطية العوفي.

وهم كلهم بين ضعيف ومتكلم فيه، قال البيهقي رحمه الله تعالى: "وأما الذي روي عن ابن عباس... فإنه لم يبلغني عنه بإسناد صحيح، إنما هو عندي في تفسير عطية العوفي برواية أولاده عنه، وهو إسناد ضعيف." انتهى من "معرفة السنن" (9 / 243).

إلا أنه إسناد يستأنس به في التفسير، خاصة إذا وجد ما يؤيده. 

جاء في "مختصر الصواعق المرسلة" (3 / 1280) للموصلي رحمه الله تعالى:

"وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم التفسير وغيره عن ابن عباس، وهو إسناد متداول بين أهل العلم... " انتهى.

وقد ورد ما يشهد له ويعضده، عند البخاري في "الصحيح" (4800) عن عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ).

وكذا ورد بإسناد صحيح عن ابن مسعود، رواه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص 351 - 354) والطبري (19 / 277) وغيرهما؛ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، فَإِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ: مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ قَالَ: الْحَقَّ " قَالَ سَلْمٌ: (فَيَقُولُ الْحَقَّ)، وَقَالَا: " فَيُنادُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ).

ورواه أبو داود في "السنن" (4738) وغيره، عن ابن مسعود مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: 

هل يتكلم الله بصوت مسموع؟

قد تبين أن هذا المتن ثابت من تفسير الصحابة، وهو متن معروف تداوله أئمة السنة في مصنفاتهم، في التفسير والعقائد، دون نكير منهم له، ولا إنكار لثبوته عن الصحابة. 

وهذه الأخبار الصحيحة تثبت صفة الصوت لله تعالى؛ وأنه سبحانه وتعالى يتكلم بصوت مسموع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة: أن الله يتكلم بصوت، وجاء ذلك في آثار مشهورة عن السلف والأئمة، وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التي فيها ذكر تكلم الله بالصوت، ولا ينكرها منهم أحد، حتى قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت؟! فقال: يا بني هؤلاء جهمية، إنما يدورون على التعطيل. ثم ذكر بعض الآثار المروية في ذلك.

وكلام البخاري في "كتاب خلق الأفعال" صريح في أن الله يتكلم بصوت، وفرق بين صوت الله وأصوات العباد، وذكر في ذلك عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم...

وكما أنه المعروف عند "أهل السنة والحديث"، فهو قول جماهير فرق الأمة." انتهى من "مجموع الفتاوى" (6 / 527 – 528).

وهذه النصوص لا تقتضي تشبيه صفة الله تعالى بخلقه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" قوله: (صفوان): هو الحجر الأملس الصلب، والسلسلة عليه يكون لها صوت عظيم.

وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا؛ لأن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، بل المراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه، بفزع من يسمع سلسلة على صفوان " انتهى من "القول المفيد" (1 / 310).

وقال رحمه الله تعالى:

"ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر). وكذلك في حديث الوحي: (كأنه سلسلة على صفوان). فهذه الأمثلة التقريبية لا تستلزم بأي حال من الأحوال التماثل بين المشبه والمشبه به، فكلٌّ له حكمه." انتهى من "شرح بلوغ المرام" (1 / 543).

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب