لماذا لا يعد تارك عبادة من العبادات كافرا؟

السؤال 465414

إذا كانت العبادة، والتي هي غاية خلقنا، كما عرفها العلماء كلمة جامعة لكل ما يحبه الله من أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، تشمل الإيمان بأركان الإيمان الستة، والشهادتين اللتين هما إعلان الاستسلام والانقياد والخضوع والإذعان لله عز وجل، أفلا يعني ذلك أن الإسلام في حد ذاته هو العبادة التي خلقنا لأجلها؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يعني أيضا أن العاصي تارك العبادات صاحب الذنب المصر عليه كافر؛ لأنه لم يحقق الاستسلام والانقياد لله تعالى؟
وبناء على التعريف المذكور أعلاه، أيضا فالمباحات يمكن أن تصير عبادات إذا صلحت النية، ولكن هل لو فضل الشخص الاكتفاء بالعبادات الواجبة فقط، وقضاء سائر وقته في المباحات من غير إصلاح نيته، وربما تحقيق طموحاته الدنيوية يأثم؛ لأن ذلك مخالف لقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)؟
وفي الأخير أطلب من سادتكم الأفاضل الدعاء لي بالهداية، فأنا بأمس الحاجة إليها.

ملخص الجواب

التدين بالإسلام اعتقادًا وعملًا: هو نفس العبادة التي خلق الله الناس من أجلها، ومن التدين بدين الإسلام: اعتقاد أن من أذنب ذنبًا دون الشرك؛ لا يكون كافرًا، ومآله الخلود في الجنة ولو بعد عذاب بسبب اقترافه الكبائر بلا توبة.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

لا شكَّ أن التدين بالإسلام هو العبادة التي خلق الله الخلق من أجلها، وأن معنى الإسلام لله تعالى هو الانقياد والخضوع والإذعان له تعالى، فالإسلام هو الاستسلام لله رب العالمين.

ولا يمكن تحقيق هذا الاستسلام إلا باتباع القرآن، كلام الله، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

كما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وكما قال عز وجل: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية الأولى:

"وَهَذَا القرآن العظيم، والذكر الحكيم كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذَكَر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة.

فَاتَّبِعُوهُ فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه.

وَاتَّقُوا الله تعالى أن تخالفوا له أمرا. لَعَلَّكُمْ إن اتبعتموه تُرْحَمُونَ؛ فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملا"، انتهى من "تفسيره" (ص 280).

ويقول في تفسير الآية الثانية عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم:

"وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا إلى الصراط المستقيم، قولًا وعملًا؛ فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال.

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي: تبليغكم البين، الذي لا يُبقي لأحد شكًّا ولا شبهةً، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام بوظيفته"، انتهى وهو في (ص 572) من "تفسير السعدي" أيضا.

وفي القرآن والسنة من الآيات والأحاديث ما لا يحصى، في التوكيد على هذا المعنى، بل هذا المعنى هو أصل دين الإسلام وفرعه، فالاهتداء والإذعان والاستسلام والانقياد لله رب العالمين لا يمكن أن يحصل إلا باتباع القرآن والسنة، في الأصول والفروع، والعقائد والأقوال والأعمال.

والله تعالى قد أتمَّ الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ القرآن، وبيَّنه وفصَّله، تارة بقوله، وتارة بفعله، وتارة بسكوته، حتى ترك الناس على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.

فلا نجاة إلا بالإسلام، ولا إسلام إلا بالقرآن والسنة، وكل ما يحتاجه الخلق لصلاح الدنيا والآخرة، قد بيَّنه الرسول، وكل ما جاء به الرسول؛ فهو نافع في الدنيا والآخرة، صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا:

ليس كل من عصى الله تعالى كفر بمعصيته، وليس كل من ترك عبادةً مما أمر الله تعالى بها، كان تاركًا للإسلام كله، كافرا، بسبب تركه عبادةً.

وهذا من الأحكام التي جاء بيانها في الكتاب والسنة بيانا شافيا قاطعا للعذر، بحيث لا يمكن لمن بلغته حجج الوحي أن ينكر ذلك إلا بسبب تفريطه أو ظلمه.

قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ؛ فبيَّن رب العالمين تعالى أن ما دون الشرك من الذنوب؛ قد يغفره تعالى إذا شاء أن يغفره.

ثم جاءت غيرها من النصوص لبيان الأسباب التي جعلها الله تعالى موجبة للمغفرة، رحمة منه وفضلا ونعمة.

فانظر أسباب المغفرة وأدلتها من القرآن والسنة في الجواب (13693).

وقال الله رب العالمين بعد أن ذكر تعذيبه للمنافقين: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

يقول الشيخ السعدي رحمه الله في "تفسيره" (ص 350):

"ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المُخرِج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك، والرجاء بأن يغفر الله لهم"، انتهى.

وتأمل قول الرحمن الرحيم، الغفور الودود سبحانه، في سورة "فاطر":

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ* وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ.

قال الشيخ السعدي أيضًا رحمه الله:

"ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا وهم هذه الأمة فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ بالمعاصي التي هي دون الكفر وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ أي: سارَعَ فيها، واجتهد، فسبق غيرَه، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه.

فكلهم اصطفاه الله تعالى، لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، وأعمال الإيمان: من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثةُ علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه.

وقوله بِإِذْنِ اللَّهِ راجع إلى السابق بالخيرات، لئلا يغتر بعمله، بل ما سبق إلى الخيرات إلا بتوفيق الله تعالى ومعونته، فينبغي له أن يشتغل بشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه.

ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي: وراثة الكتاب الجليل، لمن اصطفى تعالى من عباده، هو الفضل الكبير، الذي جميع النعم بالنسبة إليه، كالعدم، فأجل النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل، وراثة هذا الكتاب.

ثم ذكر جزاء الذين أورثهم كتابه فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا أي: جنات مشتملات على الأشجار، والظل، والظليل، والحدائق الحسنة، والأنهار المتدفقة، والقصور العالية، والمنازل المزخرفة، في أبد لا يزول، وعيش لا ينفد ..." إلى آخر كلامه رحمه الله في "التفسير" (689).

فبهذا نعلم أن من محكمات دين الإسلام: أن الله تعالى قد وعد الأصناف الثلاثة ، من الموحدين، بالجنة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات.

وهذا كتاب الله، وهذا كلامه الله المحكم؛ ولا يحل لأحد بلغه هذا المعنى أن يعرض عنه، متبعا خطرات نفسه أو ذوقه، فإنما جاء الوحي لهداية الناس وإخراجهم من داعي الهوى، سواء كان تشديدا يروم الاعتساف، أو تخفيفًا ينشد الانحراف. 

وكذلك: قد بين النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الظالم لنفسه، المرتكب للكبائر؛ قد يختار الله تعالى أن يطهِّره بنار الآخرة، حتى يهذَّب وينقَّى، ويطهَّر من أثر معصيته، ثم يُخرَج من النار ويُدخَل الجنة فيخلَّد فيها، وذلك بأن معه التوحيد، وهو أصل النجاة، وما شاء الله من أعمال صالحة، لا يترها الله، ولا يضيعها عليه. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

وقد شرحنا ذلك مفصَّلا في الجواب (500078) فراجع (ثانيا) وما بعده من ذاك الجواب، ينفعك إن شاء الله.

وراجع للفائدة الجوابين (215431) و(626218) كذلك.

ثالثا:

حذار – أيها السائل الكريم - مِن جَعْل الدِّين والإيمان شيئًا واحدًا لا يتجزأ، ولا يزيد ولا ينقص، مع جَعْله هو (فعل المأمور وترك المحظور)، هكذا بلا تفصيل ولا تفرقة بين مراتب الدين، كما فصل الكتاب والسنة، فإن هذا من أصول البدع والبلاء التي ضل بسببها كثيرون.

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة دلالة يقينية على أن الإيمان يزيد وينقص، ويتفاضل الناس فيه، وانعقد عليه إجماع الصحابة والسلف وأئمة أهل السنة والجماعة.

وإنما خالف في ذلك فرق من المبتدعة، قالوا: الإيمان شيء واحد، هو فعل المأمور وترك المحظور، ولا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه، ثم قال بعضهم: إذا زال هذا الشيء كان خروجا من الدين كله.

وليتأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"كان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة: بدعة الخوارج المكفِّرة بالذَّنب، فإنهم تكلموا في الفاسق المِلّي فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة - ومنهم من قال: والصغيرة - لا تجامع الإيمان أبدا، بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام.

قالوا: لأن الإيمان هو فعلُ المأمورِ وتركُ المحظور؛ فمتى بطل بعضُه؛ بطلَ كلُّه كسائر المركبات.

ثم قالت الخوارج: فيكون العاصي كافرا؛ لأنه ليس إلا مؤمن وكافر، ثم اعتقدوا أن عثمان وعليا وغيرهما عصوا، ومن عصى فقد كفر، فكفروا هذين الخليفتين وجمهور الأمة.

وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين ...

وقابلتهم المرجئة والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية، فقالوا: ليس من الإيمان فعلُ الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية، والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان؛ بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين؛ من الملائكة والنبيين والمقربين والمقتصدين والظالمين ...

ونكتة هؤلاء جميعهم: توهمهم أن من ترك بعض الإيمان فقد تركه كله.

وأما أهل السنة والجماعة؛ من الصحابة جميعهم، والتابعين، وأئمة أهل السنة وأهل الحديث، وجماهير الفقهاء والصوفية، مثل مالك والثوري والأوزاعي وحماد بن زيد والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومحققي أهل الكلام: فاتفقوا على أن: (الإيمان، والدين: قول وعمل).

هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم ...

الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين والإيمان، ويدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والجوارح.

وقال المفسرون لمذهبهم: إن له أصولا وفروعا، وهو مشتمل على: أركان، و: واجبات ليست بأركان، و: مستحبات.

بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرهما من العبادات ... فمن فعل الواجب وترك المحظور: فقد أتم الحج والعمرة لله، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل، لكن من أتى بالمستحب: فهو أكمل منه وأتم منه حجا وهو سابق مقرَّب، ومن ترك المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بركنه وترك مفسده: فهو حاج حجا ناقصا يثاب على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك مع عقوبته على ما تركه، ومن أخل بركن الحج أو فعَل مفسدا: فحجه فاسد لا يسقط به فرض؛ بل عليه إعادته ...

فصار الحج ثلاثة أقسام: كاملا بالمستحبات، وتاما بالواجبات فقط، وناقصا عن الواجب ...

فهذا في الأعمال المشروعة، وكذلك في الأعيان المشهودة، فإن الشجرة مثلا: اسمٌ لمجموع الجذع والورق والأغصان، وهي بعد ذهاب الورق شجرة، وبعد ذهاب الأغصان شجرة؛ لكن: كاملة، وناقصة.

فليُفعل مثلُ ذلك في مسمى الإيمان والدين، أن (الإيمان ثلاث درجات):

1- إيمان السابقين المقربين؛ وهو ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات: من فعلٍ وتركٍ.

2- وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين؛ وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك.

3- وإيمان الظالمين؛ وهو ما يترك فيه بعض الواجبات، أو يفعل فيه بعض المحظورات ..".

إلى أن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: (الإيمان بضع وستون - أو بضعة وستون أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)= فعُلِم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة، وأن قليلَه يُخرِج اللهُ به من النار من دخلها، ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة: إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة بل هو شيء واحد إما أن يحصَّل كلُّه أو لا يحصَّل منه شيء)"، انتهى كلامه رحمه الله باختصار، فلينظر تمامه في "مجموع الفتاوي" (12/ 470) وما بعده.

وقال رحمه الله في (7/ 510) من "مجموع الفتاوي":

"وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان)"، انتهى.

وبذلك تعلم:

أن الإسلام والدين والإيمان، كما قلنا: هو نفسه عبادة الله التي خلقنا لأجلها، وهو الاستسلام لله والإذعان له والانقياد، فكذلك يجب أن نقول: إن العاصي بترك عبادةٍ من العبادات، أو بفعل معصية من المعاصي دون الشرك، مع إذعانه واستسلامه وانقياده بفعل عبادات أخرى وترك محرمات أخرى:

لم يترك (الدين) و(الإسلام) و(الانقياد) كله، بل ترك بعضا فقط، فيجوز أن يجتمع في العبد فعل أشياء من الإيمان، وفعل أشياء من المعاصي، لأن الإيمان يتبعَّض ويتجزَّأ، فيزيد وينقص.

فالمصرُّ على ذنبٍ أو ذنوب، أو التارك لعبادة أو عباداتٍ: بقي معهم التوحيد وأجزاء من الإيمان.

وكذلك تعلم:

أن من اكتفى بالعبادات الواجبة فقط، وقضى سائر وقته في المباحات من غير نية التقرب – على ما جاء في السؤال – ليس آثمًا، فقد استوفى ما أوجبه الله عليه، فهو من المقتصدين الذين أخبر الله تعالى أنه ممن أورثهم الكتاب، ووعدهم بجنات عدن، كما سبق شرحه.

بل الظالم لنفسه كذلك، داخل فيمن أورثهم الله الكتاب ووعدهم بالخلود في الجنة، وهو الذي ارتكب شيئا من المحرمات، أو ترك شيئا من الواجبات، وجاء يوم القيامة غير تائبٍ توبة مقبولة، لكن معه أصل التوحيد، وأنواع من العمل الصالح، فقد يغفر الله له، وقد يعذبه حتى ينقيه ويهذبه ثم يكون قراره في الجنة بعد ذلك خالدًا فيها.

وليس في الانشغال بالمباحات، مع استيفاء الواجبات، إبطال لقوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لأن رب العالمين إذ أخبرنا بهذه الآية، فقد أذِنَ كذلك في التمتع بالمباحات، وجعلها من الطيبات التي أنعم بها ورزق وتفضَّل وأكرم، ولم يرتب على إتيانها إثمًا، وفرّقَ بينها وبين الواجبات التي رتب على تركها الإثم.

فمن ارتكب ما أذِن الله فيه؛ كان محياه أيضًا لله، وإن كان الذي أكثرَ من النوافل، واستحضر النية مع المباح أكملَ منه، كما سبق شرحه في الفرق بين المقتصد والسابق بالخيرات.

وحاصل ذلك أن يقال:

"إن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله، ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله.

فمن أطاعه طاعة تامة: دخل الجنة بلا عذاب.

ومن عصى الله ورسوله معصية تامة، يدخل فيها الشرك فما دونه: دخل النار وخلد فيها.

ومن اجتمع فيه معصية وطاعة: كان فيه من موجِب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية.

وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين، الذين معهم طاعة التوحيد: غيرُ مخلَّدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها"، "تفسير السعدي" (ص 170).

هذا؛

وكل ما سبق شرحه هو ما بيَّنه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بيانا لا لبس فيه، لكن تأتي الآفة من الغفلة عن شيء مما بينه الكتاب والسنة، أو تعمد مخالفته بعد أن تبيَّن، أو الإيمان ببعض الكتاب دون بعض، أو الانشغال بكد الذهن بعيدا عن سلطان الوحي وهدايته.

ومحصَّل ما سبق:

أن التدين بالإسلام اعتقادًا وعملًا: هو نفس العبادة التي خلق الله الناس من أجلها.

وأن من التدين بدين الإسلام: اعتقاد أن من أذنب ذنبًا دون الشرك؛ لا يكون كافرًا، ومآله الخلود في الجنة، ولو بعد عذاب بسبب اقترافه الكبائر بلا توبة مقبولة.

ومن التدين بالإسلام كذلك: معرفة أن من ارتكب المباحات التي أذن الله فيها واقتصر على أداء الفرائض حسب؛ ليس آثما، وإن كان السابق بالخيرات أعظمَ أجرًا منه.

ونسأل الله العظيم أن يصلح بالك ويرزقك العلم النافع ويهديك إلى خير ما يحبه تعالى من القول والعمل.

والله أعلم.

المراجع

الألوهية

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android