علو الله جل جلاله: من صفات الذاتية الثابتة لها، وهو علو حقيقي، وليس نسبيا باعتبار بعض مخلوقاته؛ فهو سبحانه العلي الأعلى، الظاهر، فلا شيء فوقه.
صفة العلو لله كيف تثبت قبل خلق الخلق؟
السؤال 499371
هناك سؤال عنَّ على بالي وأرقني مفاده، أنَّا نحن أهل السنة نقول أنَّ علوَّ الله الذاتي صفة ذات، وليس صفة فعل، فقبل خلق الخلق كيف تحققت صفة العلو ولم يكن شيء تحت الله حتى يعلو عليه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
الله تبارك وتعالى هو العلي الأعلى، كما قال: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة/255
وقال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1
والعلو له، صفة ذاتية، فلم يزل، ولا يزال عاليا.
وهذا ضابط الصفة الذاتية، وهي اللازمة لذات الرب، لا تنفك عنه، بخلاف الصفة الفعلية التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية:
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة.
ومنها الصفات الخبرية، كالوجه، واليدين، والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا " انتهى من مجموع الفتاوى (3/ 287).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله في شرح الطحاوية، ص 56:
" وصفات الله نوعان: صفات ذاتية، وهي: اللازمة لذات الرب؛ التي لا تنفك عن الذات، كالعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والعزة، والرحمة، والقيّوميّة، فهي صفاتٌ ذاتية.
وصفاتٌ فعلية مثل: الاستواء على العرش، والنزول، والمجيء، والغضب.
فكل ما تستطيع أن تقول فيه: (مازال كذا)؛ فهي ذاتية.
وضابط الذاتية والفعلية: (أن الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة).
فتقول: إن الله تعالى ينزل إذا شاء، واستوى على العرش حين شاء، ويجيء يوم القيامة إذا شاء، فهذه فعلية.
ولكن لا يصح أن تقول: إنه يعلم إذا شاء، ويسمع إذا شاء، وهو حيٌ إذا شاء؛ لأن هذه من لوازم ذاته سبحانه وتعالى.
وهناك صفات ذاتية فعلية، مثل: الكلام، والخلق، والرَزق.
فيصح أن تقول: إنه مازال متكلما إذا شاء؛ لأن الكلام من جهة القدرة عليه معنى ذاتي، فيقال للمتكلم مازال متكلما، وهو يتكلم بمشيئةٍ، خلافا لمن قال: إن كلام الله قديم مطلقا" انتهى.
والله تعالى لم يزل عاليا، فله العلو بجميع أنواعه، علو الذات، وعلو الشأن والقدر، وعلو القهر والغلبة.
وهو متصف بالعلو قبل خلق هذا العالم المشاهد، من السموات والأرض، وبعد خلقه.
وهذا العالم المشاهد يجوز أن يكون قد خلق الله قبله عوالم كثيرة، كل مخلوق منها يسبقه مخلوق إلى ما لا نهاية له في الأزل؛ بناء على أن الله تعالى لم يزل خلَّاقا؛ وأنه يكن معطلا عن الخلق في الأزل.
وينظر: جواب السؤال رقم (162155)
والله فوق هذه العوالم، وفوق كل شيء، فهو الظاهر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) رواه مسلم (2713).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: " ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء"، فأدخل معنى العلو في اسمه الظاهر؛ لأن الظاهر يعلو، والعالي يظهر. وكذلك العالي يعرف قبل غيره"انتهى، من "النبوات" (2/458).
وقال: «وهذا نص في أن الله ليس فوقه شيء.
وكونه (الظاهر): صفة لازمة له؛ مثل كونه الأول والآخر. وكذلك (الباطن).
فلا يزال ظاهرا ليس فوقه شيء، ولا يزال باطنا ليس دونه شيء». انتهى، من مجموع الفتاوى (5/ 581).
وقال أيضا: " وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء).
والبارئ سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقية؛ ليست فوقية الرتبة، كما أن التقدم على الشيء قد يقال: إنه بمجرد الرتبة، كما يكون بالمكان؛ مثل تقدم العالم على الجاهل، وتقدم الإمام على المأموم، فتقدم الله على العالم ليس بمجرد ذلك؛ بل هو قبله حقيقة.
فكذلك العلو على العالم، قد يقال: إنه يكون بمجرد الرتبة، كما يقال العالم فوق الجاهل، وعلو الله على العالم ليس بمجرد ذلك، بل هو عال عليه علوًّا حقيقيًّا، وهو العلو المعروف، والتقدم المعروف، فهذا هو الذي يدل عليه ما ذكره من الموازنة والمقابلة، وكلاهما حق يقولون به، فعلم أن الحجة عليه لا له". انتهى، من بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (1/390).
والله جل جلاله غني عن كل ما سواه غنىً مطلقًا، وليس هو بمفتقر في علوه إلى العرش أو ما سواه من الخلائق؛ بل له العلو المطلق، فلا شيء فوقه، لا قبل أن يخلق شيئا، ولا بعد أن خلقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: " والرب تعالى يمتنع أن يحتاج إلى شيء من مخلوقاته لا إلى العرش، ولا إلى غيره، أو يحيط به شيء من الموجودات؛ إذ هو الظاهر، فليس فوقه شيء.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ).
فهو غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، ولهذا لم يكن ما وصف الله به نفسه، مماثلا لصفات المخلوقين، كما لم تكن ذاته كذوات المخلوقين، فهو مستو على عرشه، كما أخبرنا عن نفسه مع غناه عن العرش.
والمخلوق المستوي على السرير أو الفلك أو الدابة لو ذهب ما تحته لسقط؛ لحاجته إليه، والله غني عن كل ما سواه، وهو الحامل بقدرته للعرش ولحملة العرش". "الجواب الصحيح" (3/491-492).
ثانيا:
يبدو أنه قد التبس على السائل صفة الذات بصفة الفعل؛ فإن الإشكال الذي ذكره إنما يرد على صفة الفعل، كيف يتصف بكذا مما يتعلق بالعالم قبل وجود العالم؟
أما صفة الذات كالعلو، فلا تتوقف على وجود العالم، فهو العلي الأعلى، سواء وجد العالم أو لم يوجد، وهذا العلو المطلق.
وأما العلو المقيد، كاستوائه على العرش، فهذه صفة فعل، وهو موصوف بها بعد خلق العرش وخلق السموات والأرض كما قال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) الأعراف/54.
قال الشيخ عبد العزيز الراجحي في شرح الطحاوية: " والعلو صفة من صفات الله، والاستواء صفة من صفات الله، لكن هل هناك فرق بين العلو والاستواء، يتبين الفرق واضحا بين هاتين الصفتين من وجهين:
الوجه الأول: أن العلو من صفات الذات، فهو ملازم للرب الرب لا يكون قط إلا عاليا، والاستواء من صفات الأفعال، وكان بعد خلق السماوات والأرض، كما أخبر الله بذلك في كتابه.
فدل على أنه -سبحانه- تارة كان مستويا على العرش، وتارة لم يكن مستويا عليه.
فاستواؤه على العرش: كان بعد خلق السماوات والأرض، العرش مخلوق قديم، ولكن استواء الله على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض.
فالاستواء علو خاص، فكل مستو على شيء: عال عليه.
وليس كل عال على شيء: مستويا عليه.
فالأصل أن علوه سبحانه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله سبحانه بمشيئته وقدرته، ولهذا قال: ثم استوى.
الثاني: أن العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل، هذا الفارق الثاني، العلو من الصفات المعلومة بالسمع والعقل، وأما الاستواء على العرش فهو من الصفات المعلومة بالسمع، لا بالعقل. يعني أن العلو، صفة العلو: ثابتة بالعقل والشرع؛ كل الناس يثبتون ويدركون أن الله في العلو، حتى البهائم.
أما الاستواء على العرش هذا ما عرف إلا من الشرع" انتهى من شرح الطحاوية، ص200 ترقيم الشاملة.
وينظر للفائدة: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (25/196-198)، درء تعارض العقل والنقل (6/327).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟