هل صفة اليد صفة كمال، وهل عدمها نقص؟

السؤال: 501277

الكمال يقتضي أن نقيضه يكون نقصانا له، مثل العلم نقيضه الجهل والحياة الموت، فما هو نقيض اليد الذي جعل صفة اليد صفة كمال؟

ملخص الجواب

صفات الله تعالى توقيفية، والمرجع الأصل في إثباتها: دلالة كتاب الله، أو سنة رسوله عليها، أو وقوع الإجماع على ثبوتها. وكل ما ثبت لله فهو صفة كمال.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

صفات الله عز وجل كلها صفات كمال وجلال وعظمة، كما قال الله: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) النحل/60

قال ابن الجوزي رحمه الله: " قوله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى قال المفسرون: أي: له الصِّفة العُليا" انتهى من "زاد المسير" (3/ 421).

وقال الشوكاني في "فتح القدير" (4/ 314): " قال الخليل: المثل الصفة: أي وله الوصف الأعلى في السموات والأرض " انتهى.

ثانيا:

اليد صفة كمال وعظمة، بها يكون الخلق، والقبض، والبسط، والبطش، والإعطاء، وغير ذلك، وقد مدح الله نفسه بذلك.

قال الله تعالى: (قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) ص/75

وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر/67

وروى البخاري (7411) ومسلم (993) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ).

وروى مسلم (1014) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلَّا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ).

وروى مسلم (2788) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَأْخُذُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ، فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ) حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟".

وروى البخاري (7513) ومسلم (2786) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [أي ابن مسعود] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلاَئِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام: 91] إِلَى قَوْلِهِ يُشْرِكُونَ [الزمر: 67].

فهذا ما مدح الله به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أجمع أهل السنة على إثبات هذه الصفة العظيمة لله، لم يخالف في ذلك إلا أهل الضلال والبدع.

وقد حكى إجماعهم على ذلك حرب الكرماني (ت 280هـ)، وأبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)، وابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ)، وأبو عثمان الصابوني (ت 449هـ)، وغيرهم.

قال حرب الكرماني رحمه الله: "هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها؛ فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم".

إلى أن قال فيما أجمعوا عليه:

"وقلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويرعيها ما أراد.

وخلق آدم بيده، على صورته، والسماوات والأرضون يوم القيامة في كفه، وقبضته" انتهى من "مسائل حرب الكرماني" (3/967).

وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: "وأجمعوا على أنه عزّ وجلّ يسمع ويرى، وأن له تعالى يدين مبسوطتين، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، من غير أن يكون جوارح.

وأن يديه تعالى غيرُ نعمته، وقد دل على ذلك تشريفه لآدم عليه السلام حيث خلقه بيده، وتقريعه لإبليس على الاستكبار عن السجود مع ما شرفه به بقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]" انتهى من "رسالة إلى أهل الثغر"، للأشعري، ص 225.

وقال ابن أبي زيد القيرواني رحمه الله: "فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة: أن الله تبارك اسمه له الأسماء الحسنى والصفات العلى...

وأن الله عز وجل كلم موسى بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلامًا قام في غيره، وأنه يسمع ويرى، ويقبض ويبسط.

وأن يديه مبسوطتان، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه" انتهى من مقدمة كتابه: "الجامع في السنن والآداب"، ص 107

فهذا ما عليه السنة، يعتمدون النصوص لإثبات الصفات، ويعتقدون أنها صفات كمال.

ثالثا:

عدم اليد نقص وعيب، وقد عاب الله على المشركين عبادة من لا يد له يبطش بها، فدل على أن اليد صفال كمال ومدح، وضدها نقص.

قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ) الأعراف/194، 195

قال الطبري رحمه الله في تفسيره (13/ 322): " يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه، أيها القوم (أرجل يمشون بها) ، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم (أم لهم أيد يبطشون بها)، فيدفعون عنكم، وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ (أم لهم أعين يبصرون بها) ، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه (أم لهم آذان يسمعون بها) فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟

يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها، والمعظَّم من الأشياء: إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم، فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها، وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟" انتهى.

ولا شك أنه إذا عرض على العقل الصريح: موجودان، أحدهما له يد تليق به، يفعل بها ما يشاء، ويقبض بها ويبسط، ويعطي ويمنع، ويخلق، ويرزق، والآخر ليست له يد، أو لها يد لا تفعل من ذلكم شيئا؛ لا شك أنه يقضي بأن الموجود الأول: أكمل وأجمل وأجل من الثاني.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله:

"وكذلك إذا قدر اثنان: أحدهما يقدر أن يفعل بيديه، ويقبل بوجهه، والآخر لا يمكنه ذلك - إما لامتناع أن يكون له وجه ‌ويدان، وإما لامتناع الفعل والإقبال عليه باليدين والوجه - كان الأول أكمل.

فالوجه ‌واليدان لا يعدان من صفات النقص في شيء مما يوصف بذلك.

ووجه كل شيء بحسب ما يضاف إليه، وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار، ووجه الثوب، ووجه القوم، ووجه الخيل، ووجه الرائ، وغير ذلك.

وليس الوجه المضاف إلى غيره، هو نفس المضاف إليه، في شيء من موارد الاستعمال، سواء كان الاستعمال حقيقة أو مجازًا.

فإن قيل: من يمكنه الفعل بكلامه أو بقدرته بدون يديه ‌أكمل ‌ممن يفعل بيديه؟

قيل: من يمكنه الفعل بقدرته أو تكليمه إذا شاء، وبيديه إذا شاء: هو ‌أكمل ‌ممن لا يمكنه الفعل إلا بقدرته أو تكليمه، ولا يمكنه أن يفعل باليد، لهذا كان الإنسان أكمل من الجمادات التي تفعل بقوى فيها، كالنار والماء.

فإذا قدر اثنان: أحدهما لا يمكنه الفعل إلا بقوة فيه، والآخر: يمكنه الفعل بقوة فيه بكلامه - فهذا أكمل.

فإذا قدر آخر يفعل بقوة فيه، وبكلامه، وبيديه إذا شاء: فهو أكمل، وأكمل". انتهى، من "مجموع الفتاوى" (6/ 93).

ويقول ابن القيم، رحمه الله:

"ومن المعلوم بالضرورة: أن ما يُرى ‌أكمل ‌ممَّن لا يمكن أن يُرى؛ فإنه إمَّا معدومٌ، وإما عرضٌ، والمرئي أكمل منهما.

وما يَتكلم ‌أكمل ‌ممَّن لا يتكلم، فإنه إمَّا جمادٌ وإمَّا عرضٌ وإمَّا معدومٌ، والمتكلم أكمل من ذلك.

وما له سمعٌ وبصرٌ ووجهٌ ‌ويدان: أكمل من الفاقد لذلك بالضرورة.

وهكذا سائر الصِّفات، فلا أحسن الله في تلك العقول عن أصحابها إذا أحسن عن الصَّابئين، ولا حيَّاها بما حيَّى به عباده المرسلين، ولا زكَّاها بما زكَّى به أتباعهم من المؤمنين، ونسأله ألَّا يبتلينا بما ابتلاهم به، من مفارقة المنقول والمعقول، وتلقي العلم واليقين من غير مشكاة الرَّسول، ولا يجعلنا من أتباع قومٍ ضلُّوا من قبلُ وأضلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل."

"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" (2/ 652).

والحاصل:

أنه يجب إثبات ما أثبت الله لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات، واعتقاد أن صفاته صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجه.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android