هل الباعث، الواقي والمدبِّر من أسماء الله الثابتة؟

السؤال 536167

هل الباعث، الواقي والمدبِّر من أسماء الله الثابتة؟

ملخص الجواب

كل اسم من هذه الأسماء الثلاثة: (الباعث) و(الواقي) و(المدبر) قد ورد عن بعض العلماء إثباته في أسماء الله تعالى الحسنى، ولا حرج في اختلاف العلماء في ذلك، ما دام الجميع يلتمس من القرآن والسنة، فإن الأسماء الحسنى غير محصورة بتسعة وتسعين، ولا يصح حديث في سرد الأسماء الحسنى.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

روى البخاري (7392) ومسلم (2677) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة).

وإحصاء أسمائه تعالى الحسنى له ثلاث مراتب، هي: مرتبة عدُّ ألفاظ الأسماء وحفظها، ثم فهم معانيها ومدلولاتها، ثم التعبد بدعاء الله تعالى بها كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

"في قوله: (من أحصاها) أربعة أقوال:

أحدها: من حفظها؛ فسره به البخاري في صحيحه، وتقدمت الرواية الصريحة به، وأنها عند مسلم.

ثانيها: من عرف معانيها وآمن بها.

ثالثها: من أطاقها بحسن الرعاية لها، وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها.

رابعها: أن يقرأ القرآن حتى يختمه فإنه يستوفي هذه الأسماء في أضعاف التلاوة، وذهب إلى هذا أبو عبد الله الزبيري.

وقال النووي: الأول هو المعتمد.

قلت: ويحتمل أن يراد مَن تَتبَّعَها من القرآن، ولعله مراد الزبيري"، انتهى من "التلخيص الحبير" (4/ 321).

وينظر: "شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة" لسعيد بن علي بن وهف، (ص73).

وقد ورد سردٌ لهذه الأسماء التسعة والتسعين في حديث يضعفه أكثر أهل العلم، وقال الصنعاني في "سبل السلام" (8/ 24): "اتفق ‌الحفاظ ‌من ‌أئمة ‌الحديث ‌أنَّ ‌سَرْدها ‌إدراجٌ ‌من ‌بعض ‌الرواة"، ويراجع الجواب (472693) للفائدة.

ثانيًا:

أسماء الله تعالى الحسنى كثيرة غير محصورة في تسعة وتسعين، وهو قول أكثر أهل العلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"لما كانت حاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم الحاجات؛ كانت طرق معرفتهم له سبحانه في كل لغة أسماء، وله في اللغة العربية أسماء كثيرة.

والصواب، الذي عليه جمهور العلماء: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا، فإنه في الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأبو حاتم في صحيحه: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أستأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي وهمي).

وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لا يحصى ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه"، انتهى من "درء التعارض" (3/ 332).

ثالثًا:

اعتنى جماعة من العلماء من السلف والخلف بتتبع الثابت من أسماء الله تعالى الحسنى، من غير تقيد بعددٍ، منهم الأئمة: جعفر الصادق وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل، والخطابي وابن منده والحليمي وابن حزم وابن العربي، وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع – يعني غير حديث الترمذي - واستخرجوها من القرآن، منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (6/ 380).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد"، انتهى من "فتح الباري" (11/ 217).

رابعًا:

قد وقع خلاف بين العلماء المتتبعين للأسماء الحسنى في عدِّها وإحصائها وإثباتها، كما يُعلم من مطالعة كلامهم.

وهذا الخلاف قديم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قد تتبع جماعة من السلف الأسماء الحسنى من القرآن، وفصَّلوها اسمًا اسمًا، من سورةٍ سورةٍ، على ترتيب المصحف، منهم جعفر الصادق وسفيان بن عيينة وغيرهما، ووقع في ذلك بينهم اختلاف بالزيادة والنقص"، انتهى من "تخريج حديث الأسماء الحسنى" (66).

ولا حرج في هذا الخلاف، ما دام المثبت للاسم قد استنبطه من القرآن أو السنة الصحيحة، فهذا هو معنى التوقيف، ولم يأت نص صحيح بحصر أسمائه تعالى، ولا بتحديد التسعة والتسعين اسمًا، فالعدّ اجتهادي.

قال ابن العربي المالكي رحمه الله متحدِّثا عن التسعة والتسعين اسمًا، وخفائها من بين الأسماء الحسنى الكلية: "والذي أدلكم عليه: أن تطلبوها في القرآن والسنة، فإنها مخبوءة فيهما، كما خبئت ساعةُ الجمعة في اليوم، وليلةُ القدر في الشهر؛ رغبةً، والكبائرُ في الذنوب؛ رهبةً؛ لتعُمَّ العبادات اليومَ بجميعه والشهرَ بكليته، وليقع الاجتناب لجميع الذنوب.

وكذلك أخفيَت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها"، انتهى من "أحكام القرآن" (4/ 340).

وأما سبب اختلاف العلماء في عدّ الأسماء الحسنى، فمرجعه إلى اختلاف مناهجهم في ضوابط إثبات الاسم، وينظر للتوسع "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى" لمحمد بن خليفة التميمي، (114- 128).

خامسًا:

1- (الباعث):

ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى عدِّ (الباعث) في أسماء الله تعالى الحسنى، منهم الأئمة: جعفر الصادق كما في "فتح الباري" (11/ 217)، والخطابي في "شأن الدعاء" (ص 75)، والحليمي في المنهاج" (1/ 207) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (1/ 140)، وابن منده في "التوحيد" (2/ 87)، وأبو القاسم التيمي في "الحجة" (1/ 142)، ، وابن العربي في "الأمد الأقصى" (2/ 340)، وقال: إن الأمة أجمعت عليه.

وقد استدل بعض هؤلاء العلماء بقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، فمعنى الباعث على ذلك: الذي يبعث من في القبور بعد موتهم، ووسع بعضهم المعنى ليشمل بعث الرسل، وبعث العباد للطاعة كذلك.

وقد ورد هذا الاسم في بعض طرق حديث سرد الأسماء الحسنى، كما في طريق الوليد بن مسلم، وطريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، وطريق عبد العزيز بن الحصين الترجمان، والحديث مضطرب، مختلَف فيه، والصواب ضعفه كما سبق ذكره.

قال ابن العربي: "ورد به القرآن فعلا، قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ، و: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ، وورد في حديث أبي هريرة المفسّر، وأجمعت عليه الأمة"، انتهى.

وأسندَ ابن منده في "التوحيد" أحاديث يَحتج بها على ثبوت الاسم، تدل على توسعه في معنى (الباعث)، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك)، وقول علي بن أبي طالب: (يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله عز وجل، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأشهد أن وعدك حق ولقاءك حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور).

وقال الخطابي في "شأن الدعاء" (ص 75): "الباعث: هو الذي يبعث الخلق بعد الموت، أي: يحييهم فيحشرهم للحساب لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى . ويقال: هو الذي يبعث عباده عند السقطة، وينعشهم بعد الصرعة"، انتهى.

وقال ابن العربي رحمه الله، بعد ذكر المعنى اللغوي للبعث:

"اعلموا أن حقيقة البعث تحريك الشيء بعد سكونه في إزعاج واستعجال، وإليه يرجع استعمال ما تقدّم، فالباري تعالى هو الذي يحرّك الموتى ويُظهرهم، وهو الذي حرّك الرسل لدعاء الخلق وأظهرهم، وهو الذي حرّك عباده إلى الطاعة، وهو الذي بعث عبادا له على بني إسرائيل، وهو الذي يبعث الكسير وينعشه، فعاد جميع ما بيّنّاه إلى الإظهار والتحريك، لكن سبب ذلك يختلف"، انتهى من "الأمد الأقصى" (2/ 341).

فالمقصود: أن معنى (الباعث) يشمل البعث بعد الموت، وبعث الرسل، وبعث العباد للعمل الصالح، ولا تعارض بين هذه المعاني.

2- (الواقي):

ورد عد (الواقي) في بعض طرق حديث الأسماء الحسنى، والحديث بطرقه مضطرب، مختلف فيه كما سبق التنبيه عليه.

وأثبته أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير، معتمدا على الرواية، وعلى وردود الفعل في آي القرآن، فقال في الاستدلال على ثبوته:

"جاء في حديث ابن الترجمان اسمًا، ومعناه معنى الحفيظ، وفي التنزيل: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ، وقال: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ...

فالله سبحانه الواقي على الإطلاق، يقي عباده المؤمنين، ويحفظهم ويدفع عنهم، فهو من صفات الأفعال. وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ، أي: من دافع"، انتهى مختصرًا من "الأسنى" (1/ 313 ط. الصحابة).

وأكثر العلماء المعتنين بالإحصاء لم يثبتوه اسمًا، وقد سبق بيان سبب اختلافهم، والزيادة والنقصان في إحصائهم.

3- (المدبر):

ممن أثبته اسما لله تعالى من الأئمة: الخطابي في "شأن الدعاء" (ص 104)، والحليمي في "المنهاج" (1/ 200)، وتبعه البيهقي في "الأسماء والصفات" (1/ 84)، وابن العربي في الأمد الأقصى (2/ 260).

قال ابن العربي رحمه الله: "جاء في القرآن فعلا، ولم يجئ به اسمًا، قال تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وورد في حديث أبي هريرة المفسَّر من طريق عبد العزيز بن الحصين"، انتهى.

وأما معناه:

فقال الخطابي: "والمدبر: هو العالم بأدبار الأمور وعواقبها، ومقدر المقادير ومجريها إلى غاياتها، يدبر الأمور بحكمته، ويصرفها على مشيئته"، انتهى.

وقال الحليمي: "معناه: مصرِّف الأمور على ما يوجب حسن عواقبها.

واشتقاقه من الدبر، فكان المدبِّر: هو الذي ينظر إلى دبر الأمور، فيدخل فيه على علم به، والله عز وجل عالم بما هو كائن قبل أن يكون، فلا يخفى عليه عواقب الأمر.

وهذا الاسم فيما يؤثر عن نبينا صلى الله عليه وسلم". انتهى، "المنهاج في شعب الإيمان" (1/200).

ويراجع الجواب (472693) للفائدة.

وبعدُ:

فلا خلاف أن الله تعالى هو باعث الرسل إلى العباد، وهو باعث الأجساد يوم التناد، وباعث أجسادهم للعمل الصالح في الدنيا.

وأنه تعالى وحده هو الذي يقي السيئات، ومن يقه السيئات يوم الحساب فقد رحمه.

وأنه تعالى هو المدبر، يدبر الأمر كله، أمر السماء والأرض، جل جلاله.

وإنما يبحث العلماء في إثبات أسماء الله تعالى خاصة، وذلك بأن إثبات الأسماء الحسنى أضيق بابا من إثبات الأفعال، كما بيناه في الجواب (155206) فليراجع.

والله أعلم.

المراجع

الأسماء والصفات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android