قول ابن عباس رضي الله عنهما ليس فيه تشبيه وتمثيل لصفة الله تعالى، فالخبر لا يشبه صفة القبض، وإنما فيه تمثيل وتشبيه لحجم السماوات والأرض، فهو يبيّن بوصف تمثيلي يقرب المعنى للذهن مدى صغر السماوات والأرض بالنسبة لعظمة الله تعالى.
قول ابن عباس إن السموات كخردلة في يد أحدكم هل يفيد التشبيه؟
السؤال: 546961
"ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"، قرأت أن هذه الجملة منسوبة لابن عباس رضي الله عنه، فهل هذا صحيح؟ وإن صح، فكيف أرد شبهة أن هذه الجملة فيها تشبيها وتسوية بين قبض الإنسان للخردلة وقبض الله للسماوات والأراضين، ونحن نعلم أنه لا يجوز تشبيه أفعال الله بأفعال العباد؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
هذا الخبر رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "السنة" (2/476)، والطبري في "التفسير" (20 / 246): عن مُعَاذ بْن هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِمَا، فِي يَدِ اللَّهِ عز وجل؛ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ".
ومدار هذا الخبر على عمرو بن مالك النكري، فهناك من المحققين المعاصرين من ضعّف هذا الخبر عن ابن عباس بسبب عمرو بن مالك النكري هذا، لما ورد فيه من تليين لضبطه.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمه الله تعالى:
" سمعت أبي يقول: لم تثبت عندي صلاة التّسبِيح، وقد اختلفوا في إسناده، لم يثبت عندي.
وكأنّه ضعف عمرو بن مالك البكريّ [ النكري] " انتهى. "مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله" (ص89).
لكن هذا النص ليس بقاطع في تضعيفه، فهو على سبيل الاحتمال، كما أنه قد يكون قصد تضعيفه تضعيفا نسبيا، حاصله: أن عَمرا لم يبلغ درجة الأثبات الذين يقبل منهم بعض ما يتفردون به.
وكذا ضعفوه بقول ابن حبان، حيث قال رحمه الله تعالى:
" يحيى بن عمرو بن مالك النكري:
من أهل البصرة، يروي عن أبيه عن أبي الجوزاء، روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي والبصريون، كان منكَر الرواية عن أبيه، ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه، أو من أبيه، أو منهما معا، ولا نستحل أن نطلق الجرح على مسلم قبل الإيضاح، بل الواجب تنكُّب كلِّ رواية يرويها عن أبيه، لما فيها من مخالفة الثقات، والموجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعًا متروكين، من غير أن يُطلق وضعها على أحدهما، ولا يغربهما [كذا، ولعلها: نبرئهما] من ذلك؛ لأن هذا شيء قريب من الشبهة.
هذا حكم جماعة ذكرناهم في هذا الكتاب، جَبُنَّا عن إطلاق القدح فيهم لهذه العلة، على أن حماد بن زيد كان يرمي يحيى بن عمرو بن مالك بالكذب " انتهى. "المجروحين" (3 / 114).
وهنا تكلم في تركه الروايات التي يرويها عنه ابنه يحيى، وابنه ضعيف، وقد نص في أماكن أخرى على تقوية حال والده عمرو، والاعتبار بحديثه إن ورد من غير رواية ابنه.
فقال في "الثقات" (7/228):
" عمرو بن مالك النكري، كنيته أبو مالك: من أهل البصرة، يروي عن: أبي الجوزاء.
روى عنه: حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وابنه يحيى بن عمرو.
ويعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه " انتهى.
وقال في "مشاهير علماء الأمصار" (ص185):
" عمرو بن مالك النكري: أبو مالك، والد يحيى بن عمرو: وقعت المناكير في حديثه من رواية ابنه عنه. وهو في نفسه صدوق اللهجة " انتهى.
ووثقه يحيى بن معين، كما جاء في "سؤالات ابن الجنيد" (ص445):
" سألت يحيى عن عمرو بن مالك النكري؟ فقال: "ثقة"، قلت ليحيى: ابن عمرو بن مالك؟ فقال: "ليس بشيء" ، قلت ليحيى: النكري ممن هو؟ قال: "مِن نُكْرة، من عبد القيس" انتهى.
وكذا الذهبي، حيث قال رحمه الله تعالى:
"عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري شيخ للترمذي قال ابن عدي كان يسرق الحديث وضعفه أبو يعلى وثنا عنه.
قلت فأما: عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، وعمرو بن مالك الجنبي عن الصحابة: فثقتان " انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/ 488 — 489).
فالحاصل؛ أن عَمر بن مالك النكري هذا، وإن لم يبلغ الغاية في الضبط، فإنه لم يبلغ درجة الضعف التي تهدر بها جميع رواياته، وإنما يعتبر بها.
وهذا الخبر له ما يشهد له من نصوص الوحي من كتاب وسنة.
قال الله تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) الزمر/67.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى:
" وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها: مذهب السلف، وهو إمراراها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البخاري: قوله تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ )، حدَّثنا آدَمُ: حدَّثنا شَيْبَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عَبِيدَةَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ: اللَّهَ عز وجل يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ على إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ على إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ على إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى على إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ على إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الآية. )، ورواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما ... " انتهى. "تفسير ابن كثير" (6/466).
وليس في خبر ابن عباس رضي الله عنه ما يُستنكر، فما ورد فيه من تشبيه وتمثيل، ليس من باب تمثيل صفة الله تعالى بصفة خلقه، فليس فيه تمثيلا لصفة القبض، وإنما هو تمثيل تقريبي لمدى صغر السماوات والأرض مقارنة بعظمة الله تعالى، فهي بالنسبة له سبحانه وتعالى كأصغر شيء يضرب به المثل في الصغر وهو الخردلة، وهي حب صغير جدا كحب السمسم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فيهن وما بينهن فِي يَدِ الرحمن إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ )، وهو سبحانه بيّن لنا من عظمته بقدر ما نعقله، كما قال عبد العزيز الماجشون: والله ما دلهم على عظيم ما وصف من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم … " انتهى. "مجموع الفتاوى" (5/482).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
" يعني: السمّاوات السّبع على عظمها والأرضين السّبع مثلما لو وضع الإنسان في يده خردلة -وهي حبّة الخردل التي بكبر حبّة السّمسم- وهذا أيضا تمثيل على سبيل التّقريب، وإلّا فالله تعالى أعظم وأجلّ، فكل المخلوقات بالنسبة له تعالى ليست بشيء " انتهى. "تفسير العثيمين: سبأ" (ص171).
وقال الشبخ صالح الفوزان:
" هذا تشبيه لصغر هذه المخلوقات بالنسبة إلى الله، كصغر حبّة الخردل في يد المخلوق، وليس هو من تشبيه الله سبحانه وتعالى، أو صفة من صفاتِه بصفات المخلوقين، وإنّما هو تشبيه لصغر المخلوقات بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بصغر حبّة الخردل بالنسبة ليد المخلوق.
وهذا من باب ضرب الأمثال التي تقرب بها المعاني ويوضح المقصود " انتهى. "إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد" (2/324).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟