هل حديث (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ..) يشمل جميع الناس؟

السؤال 552057

حديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله)، هل يشمل الذين يدخلون الجنة بغير حساب والأنبياء والكفار؟ وهل الجميع يقف أمام الله تعالى؟ هل الكافر يقف أمام الله تعالى مباشرة مثل المؤمن؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

أخبر الله تعالى أن البشر كلهم مجموعون ليوم القيامة للقاء الله، فيحشرون جميعًا، ويُعرضون على الله جميعًا، ويُسألون جميعًا، لا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر، فهذا أمر سيقع لكل نفسٍ.

كما قال الله تعالى أن من دعاء المؤمنين: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

وقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.

وقال تعالى عن الحساب: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ.

وقال تعالى عن السؤال يوم القيامة: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)، رواه البخاري (25)، ومسلم (21).

فجميع الناس حسابهم على الله تعالى.

ثانيًا:

كلام الله رب العالمين في الآخرة أنواع، وفي أوقات مختلفة، كما جاء به القرآن والسنة، فمنه ما يكون كلاما يسمعه جميع الخلق، ومنه ما يكون لنبي من الأنبياء، مثلما يكلم الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم وقت الإذن بالشفاعة، وكما يكلم عيسى عليه السلام، ليشهد على النصارى الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله.

ومنه ما يكون للمؤمنين بعد دخولهم الجنة، وهو كلامُ إكرامٍ وتنعيم، ومنه ما يكون للكافرين بعد دخولهم النار، وهو كلام توبيخٍ وتقريع، وغير ذلك مما جاءت الأدلة الصحيحة الصريحة دالة عليه.

أما وقوف كل عبد وحده أمام الله تعالى، وتكليم الله لكل عبدٍ بكلام خاص بهذا العبد وحده؛ فقد ورد أن هذا يكون عند الحساب، ولا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر أيضًا.

لكن ينبغي التنبه إلى أنه لا يلزم من الكلام: الرؤية، فإن رؤية الله تعالى شيء آخر.

فليراجع للفائدة حول ذلك جواب السؤالين: (395306)، و(256455).

ثالثًا:

الحديث المشار إليه في السؤال بتمامه، هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم أحدٌ إلا سيكلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه تُرجُمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري (7512)، ومسلم (1016).

فهذا فيه وقوف كل إنسان أمام الله تعالى للحساب، وقد استدل به الشيخ ابن باز رحمه الله على تكليم الله تعالى لجميع العباد يوم القيامة، المؤمنين والكفار، كما في "مجموع فتاويه" (9/ 263).

1- وبعض الأدلة تصرح أن الكافر (يلقَى) الله تعالى، فيحاسبه ويكلمه كلامًا خاصًّا به، وهو:

قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رؤية العباد ربهم يوم القيامة: (هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟) قالوا: لا، قال: (فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟) قالوا: لا.

فقال صلى الله عليه وسلم: (فوالذي نفسي بيده؛ لا تضارون في رؤية ربكم، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)، قال: (فيلقَى العبدَ، فيقول: أي فُلْ، ألم أكرِمْك، وأسوِّدْك، وأزوِّجْك، وأسخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ، وأذّرْك ترأس وتَرْبع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننتَ أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتَني، ثم يلقى الثاني فيقول: أي فُلْ ألم أكرِمْك، وأسوِّدْك، وأزوِّجْك، وأسخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ، وأذَرْك ترأس، وتَرْبع، فيقول: بلى أي ربِّ، فيقول: أفظننتَ أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنتُ بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذا، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد عليَّ؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه). رواه مسلم (2968).

ففي الحديث: لقاء الله للكافر الذي لم يكن يرجو لقاء الله، وخطابه وحسابه له بلا حجاب ولا ترجمان، وقال ابن كثير رحمه الله عن هذا الحديث: "فهذا فيه تصريحٌ بمخاطبة الله لعبده الكافر"، انتهى من "البداية والنهاية" (19/ 494).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوي" (6/ 487) عن تكليم الله للكفار: "القرآن والحديث يدلَّان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت، لا تكليم تقريبٍ وتكريمٍ ورحمة".

وقال ابن تيمية أيضًا عن حساب الكفار: "وفصل الخطاب: أن الحسابَ يرادُ به: عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب: موازنة الحسنات بالسيئات.

فإن أريد بالحساب المعنى الأول، فلا ريب أنهم يحاسَبون بهذا الاعتبار... وقال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ، وقال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ، والنار دَرَكَات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذابًا من بعض، لكثرة سيئاته، وقلة حسناته؛ كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخولهم الجنة"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (4/ 305).

2- وبعض الأدلة تصرح بوقوف المؤمن - الذي يأتي بذنوب - يوم القيامة أمام الله تعالى، فيدنيه ويحاسبه، ويكلمه كلامًا خاصًّا به، ثم يغفر له ذنوبه في ذلك الموقف، منها:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يُدْنَى المؤمنُ من ربه، حتى يضعَ عليه كنفه، فيقرِّره بذنوبه: تعرف ذنبَ كذا؟ يقول: أعرف، يقول: ربِّ أعرف، مرتين، فيقول: ستَرتُها في الدُّنيا، وأغفرها لك اليوم ...) الحديث، رواه البخاري (4685)، ومسلم (2768).

رابعًا:

ويستثنى من هذا الوقوف واللقاء للحساب نوعان من العبيد:

(فالنوع الأول): مَن يدخلون الجنة من غير حساب، وهم الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم فقال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) رواه البخاري (6472)، ونحوه عند مسلم (218).

وفي حديث الشفاعة الطويل: (... فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحدٍ قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل مِن أمَّتك مَن لا حساب عليهم، من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ...) الحديث رواه البخاري (4712)، ومسلم (194).

فظاهر النصوص أن هؤلاء لا يقفون موقف الحساب، الذي يكلم الله فيه كل عبد كلامًا خاصًّا به، لكن الله يكلمهم إذا كلم المؤمنين في الجنة.

وقد شرحنا ذلك في إجابة السؤال: (563273)، فليراجع.

ويراجع للفائدة أيضًا جواب السؤالين: (4203)، و(225591).

(والنوع الثاني): الأنبياء والرسل، فإنهم أعلى الخلق منزلة يوم القيامة، ولا شك أنهم أعلى منزلة من النوع الأول.

ولكن الله تعالى يسأل الرسل لكي يوبخ الذين كذبوهم، وليس هذا موقف سؤال الأنبياء لعرض أعمالهم ووزن حسناتهم.

كما قال الله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ، وقال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "سؤال الله للرسل: مَاذَا أُجِبْتُمْ؛ لتوبيخ الذين كذبوهم، كسؤال الموءودة: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ لتوبيخ قاتلها"، انتهى من "دفع إيهام الاضطراب" (ص100).

والحاصل مما سبق:

أن الله يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ويوقف جميع الناس في انتظار العرض عليه تعالى لا يُستثنى من ذلك أحد.

وأما وقوف كل إنسان وحده أمام الله تعالى بعد بدء الفصل والقضاء، أي: لوزن الحسنات والسيئات، أو للتقريع والتوبيخ، فيستثنى من ذلك صنفان: الأنبياء، ومن يدخلون الجنة بغير حساب. 

والله أعلم.

المراجع

الإيمان باليوم الآخر وأشراط الساعة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android