معنى "العبادة ابتغاء وجه الله" هو: الإخلاص وطلب ثواب الله تعالى في الآخرة، وهذا من لوازم إثبات وجه الله تعالى صفة ذاتيةً مختصةً به تعالى لائقةً به من غير تشبيهٍ، ولا تنافي بين إثبات الصفة وإثبات لازمها.
ما معنى أن تكون العبادة ابتغاء وجه الله؟
السؤال 556337
أنا مُرتبك بشأن عبارة "العبادة ابتغاء وجه الله"، أبحث عن معلوماتٍ حولها دون (تأويل) لصفة الله تعالى، أخشى الوقوع في عقيدة منحرفة مثل أولئك الذين يدَّعون أنهم يعبدون الله تعالى فقط لإرضائه، دون الرجاء في الجنة أو الخوف من عقابه، هل أشكُّ في صفات الله تعالى؟ هل هذا يعني أنني أشكُّ في مُحتوى القرآن؟ هل ارتكبتُ الشِّرك بالبحث عن معلومات حول عبادة الله ابتغاء وجهه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
لا حرج في السؤال عن صفات الله تعالى ولا محظور، بل السؤال عما يجب اعتقاده من صفات الله، ومعاني أسمائه وصفاته وأفعاله، لغرض تعلم ذلك: مِن أولى ما يَجب تعلُّمُه مما أنزله الله تعالى من الحق، فإنَّ العلمَ بالله تعالى هو أفضل العلم، وهو الذي يَكسِب العبدَ خشيةَ الله وتعظيمَه.
وما السؤالُ إلا واحدٌ من أهم طرق التعلم والمعرفة، سواء عند ورود الإشكال أو من غير ذلك.
"قال ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ: (إنما يخافُني مِن عبادي؛ مَن عرف جلالي، وكبريائي، وعظمتي).
فأفضل العلم: العلمُ بالله، وهو العلم بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته، ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إليه والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه.
ويتبع ذلك: العلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبُّه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة"، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله، "مجموع رسائله" (1/ 41).
وما من أحد إلا وهو محتاج إلى السؤال للتعلُّم، وما من عالم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ومعاني كلامه؛ إلا كان سائلًا متعلمًا يومًا ما، ومستشكلًا ومتوقفا في مسائل؛ إلى أن يعلِّمه اللهُ إياها.
كما قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: "إنَّ الرجلَ لا يُولَد عالمًا، وإنَّما العِلمُ بالتَّعلُّم"، رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (13/ 339 - عوّامة).
ثم الأمر بعد ذلك أنَّ: "مَن تبيَّن له الحقُّ في شيءٍ من ذلك: اتَّبَعه، ومن خفيَ عليه: توقَّف حتى يبيِّنه اللهُ له، وينبغي له أن يستعين على ذلك بدعاء الله، ومِن أحسن ذلك: ما رواه مسلمٌ في صحيحه عن عائشة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام مِن الليلِ يصلي يقول: (اللهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تَحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنك؛ إنك تَهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم)"، كما في "مجموع الفتاوي" لابن تيمية (12/ 103).
والمقصود: أن العلم لا يكون إلا بالتعلم، وأن السؤال طريق للعلم، وأن حسن السؤال نصف العلم، فيجب الإعراض عن كل ما يصد عن ذلك، والاستعاذة بالله من وساوس الشياطين وخطرات النفس، والتوكل على الله والاستعانة به في تعلم العلم النافع، وفي العمل الصالح.
ثانيًا:
قال الله تعالى في سورة البقرة: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ.
قال الشيخ السعدي في "تفسيره" (ص 116): "إخبارٌ عن نفقات المؤمنين الصادرة عن إيمانهم، أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن المقاصد الردية، ويوجب لهم الإخلاص".
وقال تعالى في سورة الرعد: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ.
قال السعدي كذلك (ص 416): "ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ؛ لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحُظْوَة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان"، انتهى.
وقال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ، وما شاكل ذلك من الآيات.
فذكَر اللهُ تعالى (ابتغاءَ وجهِه) عزَّ وجلَّ، و(إرادةَ وجهِه) تباركَ وتعالى، في هذه الآياتِ، وفي غيرِها، ولا يَخرُج المعنى في شيء من ذلك عن: توحيد القصد والطلب، بأن يكون مراد العبد هو طلبَ مرضاة الله وثوابِه تعالى، وتحقيق الإخلاص لله، وقصدِ إرضائه وحده سبحانه.
وليس هناك تعارض بين: جعل هذا المعنى هو المراد من (ابتغاء وجه الله) و(إرادة وجه الله تعالى)، وبين: إثبات صفة الوجه لله تعالى، صفةً ذاتيةً مختصةً به عز وجل.
بل نفس هذه الآيات ونحوها مما فيه (إرادة وجه الله) على معنى الإخلاص إليه تعالى = هي مما يستدل به أهل السنة والجماعة على إثبات صفة الوجه الذاتية لله تعالى، كما فعل الإمام ابن خزيمة في "التوحيد" (1/ 24)، قال:
"باب: ذكر إثبات وجه الله، الذي وصفَه بالجلال والإكرام في قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، ونفى عنه الهلاك، إذا أهلك الله ما قد قضى عليه الهلاك، مما قد خلقه الله للفناء لا للبقاء، جل ربنا عن أن يهلك شيء منه، مما هو من صفات ذاته"، انتهى.
فأثبت الوجه صفة ذات لرب العالمين تعالى، وساق من أدلة ذلك من القرآن قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وقوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، وقوله تعالى: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى.
وغير ذلك من الآيات، التي ذكَر الله تعالى فيها ابتغاء وجهه عز وجل، أو إرادة وجهه تعالى، بمعنى: الإخلاص لله، وإرادة ثواب الآخرة، مع كونها أدلة على إثبات صفة الوجه الذاتية له تعالى.
وكذلك فعَل عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله، كما في "الرد على المريسي" (2/ 703).
وأما أدلة السُّنَّة على إثبات صفة الوجه؛ فقد أورد ابن خزيمة فيها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إنك لن تُخلَّف بعدي فتعملَ عملًا تريد به وجهَ الله؛ إلا ازددتَ به رفعةً ودرجةً)، وحديث: (مثَلُ المجاهد في سبيل الله ابتغاءَ وجهِ الله، مثَلُ القائم المُصلِّي حتى يَرجعَ المجاهدُ)، وحديث: (من أدى زكاةَ مالِه، طيِّبَ النَّفسِ بها، يريدُ بها وجهَ الله والدارَ الآخرة ...)، وغيرَ ذلك من الأحاديث التي فيها: إرادةُ وجهِ الله، وابتغاءُ وجهِ الله، تبارك وتعالى.
والمراد: أنه لا تعارض بين إثبات (صفة الوجه) لله تعالى صفةً ذاتية مختصة به عز وجل، وبين تفسير ابتغاء وجهه وإرادة وجهه تعالى بالإخلاص طلبا لثواب الله ونعيمه.
والعبدُ الذي يَعلم أنَّ الله تعالى موصوفٌ بصفة الوجه، صفةً ذاتيةً مختصةً به تعالى، وأنَّ أعظم النعيم: نعيم النظر إلى وجهه تعالى في الآخرة؛ لا شكَّ أنه يكون حريصًا على أن يخلص الدين لله، وأن يطلب ثواب الله فيدخل الجنة، ليحصِّل نعيم النظر إلى وجهه تعالى.
فالنظر إلى وجه الله تعالى لا يكون إلا في الجنة، وأنواع النعيم في الجنة هي ثواب الله للمخلصين المبتغين الثواب.
فالمقصود:
1- أنَّ الإخلاص لله وابتغاء ثوابه تعالى (وهو معنى ابتغاء وجهه تعالى)؛ هو طريق المؤمن إلى النظر إلى وجهه تعالى في الآخرة.
2- وأنَّ إثبات صفة الوجه الذاتية لله تعالى؛ هو مما يحرك العبد ليطلب ثواب الله ومنه: النظر إلى وجهه عز وجل.
فالمعنيان متعاضدان، بل متلازمان، كل منهما يلزم منه الآخر، ويؤدي إليه.
وإثبات لازم الصفة، لا يقتضي نفيَ الصفة أو تعطيلَها أو تأويلَها، كما بيَّنَّاه في الجواب: (277531) فليراجع، ويُنظر كذلك الجواب: (558147).
ثالثًا:
إذا تبيَّن بما سبق أن إثبات صفة الوجه، لا يعارض ابتغاء وجه الله تعالى أي: الإخلاص وطلب ثوابه تعالى، بل المعنيان متلازمان؛ فلا ينبغي – حينئذ - أن يَخشى مُثبِتُ الصفةِ الذاتية من الانحراف إلى عبادة الله، بدون طلبٍ لثوابه ولا هربٍ من عقابه، كما زعم بعض الناس.
لأنا قد بيَّنَّا أنَّ إثبات الصفة الذاتية يلزم منه طلب الثواب، وأن طلب الثواب يلزم منه إثبات الصفة ورجاء النظر إلى وجهه تعالى.
وينبغي أيضًا التنبه إلى أن النظر إلى وجه الله تعالى في الآخرة، هو إحدى لذَّات المؤمنين في الآخرة، بل هو أعظم النعيم واللذة، فهو بذلك أعظم ثوابٍ، وليس نعيم الآخرة محصورا في التلذذ بالمخلوقات حسب.
فإذا قصدَ المثبتُ لصفة وجه الله تعالى - على الحقيقة – بعبادته لله: أن يتلذَّذ بالنظر في الآخرة إلى وجهه تعالى، لا التلذُّذ بشيء من مخلوقات الآخرة غير ذلك؛ فليس هذا ممن يعبد الله من غير رجاء ولا خوف، فقد أخلص في عبادة الله، طالبا أعظم اللذات في الآخرة وأعلاها، وهي النظر إلى وجهه تعالى، وهو – بالتبع - خائف من فوات هذه اللذة، فهو بذلك ممن يعبد الله (راغبا راهبا).
ومعلوم أنه ما من أحد ممن يثبت الصفة الذاتية له تعالى، إلا وهو يرجو أن ينظر إلى وجهه تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"و(العابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه)، هو أيضًا: (راجٍ خائفٌ راغبٌ راهبٌ)؛ يرغَب في حصول مراده، ويرهب من فواته.
قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا، ولا يتصور أن يخلو داع لله - دعاء عبادة أو دعاء مسألة - من الرغب والرهب، من الخوف والطمع.
وما يذكر عن بعض الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات العامة؛ فهذا قد يُفسَّر مرادُه بأنَّ المقرَّبين يريدون (وجه الله)، فيقصدون التلذَّذ بالنَّظر إليه، وإن لم يكن هناك مخلوق يتلذَّذون به، وهؤلاء يرجون حصول هذا المطلوب، ويخافون حرمانه؛ فلم يَخلوا عن الخوف والرجاء، لكن مَرْجوهم ومَخُوفهم بحسب مطلوبهم"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (10/ 240).
وقال ابن القيم رحمه الله:
"قال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ..."، فذكر آيات نحو ذلك ثم قال: رحمه الله
"وهذه الإرادة لوجهه تعالى، موجِبة للذَّة النظر إليه في الآخرة. كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق: أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين).
فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذَّة النظر إلى وجه الله، وعلى ثبوت الشوق إلى لقائه؛ وعند الجهمية: لا وجهَ له سبحانه، ولا يُنظَر إليه، فضلًا أن يَحصل به لذة"، انتهى من "مدارج السالكين" (3/390).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسير قوله تعالى: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ:
"وقوله تعالى: إِلَّا ابْتِغَاءَ أي: إلا طلب؛ ووَجْهِ اللَّهِ: المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن من دخل الجنة نظر إلى وجه الله"، انتهى من "تفسيره الفاتحة والبقرة" (3/ 363).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟