أولاً:
العين حق، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا رواه مسلم (2188).
ثانياً:
أكثر من الدعاء أن يرفع الله عنك هذا البلاء؛ ومن أعظم أسباب استجابة الدعاء، شدة الافتقار والذل والبكاء بين يدي الله عند مناجاته، والإطالة في الشكوى إلى الله؛ فإن فيه ذلاً وافتقاراً إلى الله عز وجل، والله يحب من عبده الافتقار إليه، والتذلل بين يديه، سبحانه.
وكان من دعائه الشريف ، صلى الله عليه وسلم ، أيضا : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي ) يَعْنِي فَرْجَهُ .
رواه الترمذي (3492) وحسنه ، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .
وفي دعاء آخر : (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ) رواه أبو داود (1544) وصححه الألباني .
وفي الحديث الآخر : (اللهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ) رواه أحمد (51) وصححه محققو المسند .
انظر: فتوى رقم: (198616).
ثالثاً:
توكل على الله، وأحسن الظن بالله تعالى أن الله سيفرج عنك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) رواه البخاري (7405) ومسلم (2675). وانظر لرفع الرجاء وحسن الظن بالله: إجابة رقم: (272434).
رابعاً:
إذا كان هذا هو الغالب في حالك، فينبغي عليك أن تدع مخالطة الناس، قدر طاقتك، إلا لما لا بد لك منه من أمر معاشك، إن لم تجد من يكفيك ذلك.
قال النووي رحمه الله في "شرحه على مسلم" (14/ 173):
"قال القاضي: في هذا الحديث = يعني: حديث: (العين حق ) = من الفقه: ما قاله بعض العلماء: أنه ينبغي إذا عُرف أحد بالإصابة بالعين أن يُجتنب ويتحرز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يكفيه ويكف أذاه عن الناس، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المجذوم الذى منع عمر رضي الله عنه والعلماء اختلاطهم بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها إلى حيث لا يتأذى به أحد".
وهذا الذي قاله هذا القائل: صحيح متعين، ولا يعرف عن غيره تصريح بخلافه، والله أعلم" انتهى.
وانظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (7/ 85).
وقال ابن القيم رحمهم الله: «العين سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمَعِين؛ تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكيَ السلاح، لا منفذ فيه للسهام: لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح، وذاك من الأجسام والأشباح.
وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المَعِين، وقد يَعِين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني.
وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعًا» انتهى من "زاد المعاد" (4/154).
خامساً:
يجب عليك أن تبرك دائما وتذكر الله دائما؛ لأنك بمجرد النظر قد تصيب ولو لم تعجب بالشيء. وكما تقدّم ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ، ثم دعا بماء فأمر عامراً أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره ، وأمره أن يصب عليه" . رواه مالك (1747)، وابن ماجه (3509)، وأحمد (15550)، وصححه الألباني.
سادساً:
ارق نفسك ؛ فإن العين كثيراً ما تكون بسبب شياطين حاضرة، أو قد تكون أنت مصاباً بشياطين . وقد جاء في الحديث" الْعَيْنُ حَقٌّ، وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ " رواه أحمد (15/ 417)، والطبراني في "مسند الشاميين" (1/265).
ولفظ الطبراني: "ويحضرها" ، وفي حاشية مسند أحمد : "قال السندي: قوله: "يحضر بها"، أي: معها، أي: عندها الشيطان وحسد ابن آدم" انتهى.
وقال العراقي في "طرح التثريب" (8/ 198): " إسناد جيد". وضعفه الألباني في "الضعيفة" (2364).
وقد كان هناك شخص يُوصَف بأن عينه تصيب وأنها حارة -كما يقال- فعُرض على راقٍ، فوصف له علاجاً نافعاً، فكان العلاج كالتالي:
قراءة سورة البقرة يومياً، والحجامة في نقرة الرأس كل ثلاثة أشهر لتواجد الشياطين في الرأس ، والاغتسال يومياً في البيت بماء البحر (ما لا يقل عن 21 يوماً)، فشُفي بإذن الله تعالى، وذهب ما به من إعانة الناس وحسدهم .
وقد ذكر العلماء وأهل الخبرة، أن الحجامة إذا وقعت في الموضع الذي أثر فيه السحر أو العين نفعت بإذن الله. انظر: إجابة: (319199).
وانظر في الموقع: أحكام الرقية من المس والسحر والعين وسائر الأمراض.
والاغتسال بماء البحر: هو من جنس العلاج بالملح ونحوه، وكذلك العلاج بالسدر: أجازه السلف مع عدم وجود نص من الكتاب أو السنة عليه. ومن المستحسن القراءة عليه. كما سيأتينا في كتاب وهب رحمه الله.
وروى عبد الرزاق في مصنفه (23509) عن عائشة رضي الله عنها : "أنها كانت لا ترى بأسا أن يعوذ في الماء ثم يصب على المريض".
وانظر: إجابة رقم: (174298)، (533076).
والأصل في التداوي الحل والإباحة. فالتداوي بالسدر أو ماء البحر أو ماء الآبار ونحوها من الأدوية المباحة ليس من باب التعبّد فلا يكون بدعة؛ بل هو من باب التداوي.
وقد "سئل مالك عن النشرة بالأشجار والأدهان؟
قال: لا بأس بذلك، وبلغني أن عائشة سُحرت فقيل لها في منامها: خذي من ماء من ثلاثة آبار يجري بعضها إلى بعض واغتسلي به ففعلت فذهب عنها ما كانت تجد" انتهى من "الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ" لابي زيد القيرواني (ص: 239).
وعلق عليه ابن رشد قائلاً: "المعنى في جواز هذا بيّن؛ لأن الأدهان والأشجار قد يكون فيها دواء ينفع من ذلك المرض مع ما يذكر عليها من أسماء الله رجاء التبرك بها" انتهى من "البيان والتحصيل" (18/600).
وقال الإمام عبد الرزاق رحمه الله في مصنفه (8/ 459) : "وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت. والنشرة العربية: أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وشماله من كل ثمر يدقه، ويقرأ فيه، ثم يغتسل به" انتهى.
قال الحافظ في "الفتح" رحمه الله (10/ 234): " أثر الشعبي ...هو أعلى ما اتصل بنا" انتهى.
قال الإمام عبد الرزاق رحمه الله في مصنفه (8/ 459) : "وفي كتب وهب: أن تؤخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه في الماء، ويقرأ فيه آية الكرسي، وذوات قل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله، وهو جيد للرجل، إذا حبس من أهله" انتهى.
وفي فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (1/94):
"جاء إلي شخص بملح وقال لي: انفث فيه فنفثت ثم سأَلت شيخنا فأَجاب:
هذا ليس فيه بأْس، والناس توسعوا فيها من جهات: الأولى البطىْ، فإنها كلما كانت أَنفع، وما دام لها أَثر فإنها تصلح. وأَيضًا الاستعمال ، وإلا فليس من شرطها أَن تكون على معين فإنها قراءة. وإذا كانت ليست من التراب الذي في حائل فإنه قيل إنه مشى فيه بعض الصحابة" انتهى.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله "عن حكم استخدام رش الماء والملح في زوايا المنازل المسكونة بالجن والشياطين ، واعتبار ذلك من الأسباب الحسية للاحتراز من أذاهم بإذن الله تعالى ، حيث يكثر تواجدهم في الزوايا وهم يكرهون الملح ولا يستسيغونه ؟
فأجاب : لا بأس بطرح الملح في الماء حتى يذوب ، ثم يرش به زوايا المنزل من الداخل والخارج ، فقد جرب ذلك ، فوجد مفيدا في حراسة المنازل وطرد المتمردين من الجن والسلامة من أذاهم ، فإنهم قد يتسلطون على بعض القراء والمعالجين ، فيجوز استعمال ما ينفع في التحرز من شرهم وأذاهم ، وكذا يشرع قراءة بعض الأذكار والأوراد والتعوذات في ماء ثم يرش به المنزل الذي يتواجد فيه الجن والشياطين ؛ فإنه يبعدهم بإذن الله تعالى" والله الشافي" انتهى من "موسوعة شرعية في علم الرقى" لأبي البراء أسامة بن ياسين المعاني (5/ 46).
وسئل ا.د سعد الحميد: هل ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في التداوي بماء البحر ؟ فأجاب: لم يرد، لكن باب الطب والرقى الأمر فيه واسع. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا"...." انتهى بتصرف.
والاغتسال بالماء للاستشفاء له أصل، وذلك كما في الاغتسال للعين، وقول الله تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) [ص/ 42].
وقد ورد نص في علاج الملح مع الرقية للسموم ؛ فعن علي بن طالب رضي الله عنه قال :
قَالَ: لَدَغَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ، لَا يَدَعُ مُصَلِّيًا، وَلَا غَيْرَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا، وَيَقْرَأُ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (عوامة) (12/76)، والطبراني في المعجم الأوسط (6/91)، وفي المعجم الصغير للطبراني (2/ 87)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/518)، وحسنّ إسناده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (5/ 111)، وصححه الالباني في "الصحيحة" ( 548 ) ، و"المشكاة" (4567).
وماء البحر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ) رواه أبو داود (83)، وصححه الألباني".
سابعاً:
إذا علمتَ أن شخصاً معيناً قد تضرر بسببك، فالواجب عليك أن تتوضأ، وتعطيه أثر وضوئك، أو تعطيه أثرا منك كبقية من شرابك أو شيء يباشر جسدك، من لباس كثوب أو طاقية أو فنيلة أو شُرّاب، فيوضع على ماء ويغسل به المعان.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ رواه أبو داود (3880)، وصححه الألباني.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "القول المفيد على كتاب التوحيد" (1/ 99):
"ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، وهو الاستغسال، وهي أن يؤتى بالعائن، ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله. وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب.
وأما العائن، فينبغي إذا رأى ما يعجبه أن يبّرك عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: "هلا برّكت عليه" أي: قلت: بارك الله عليك" انتهى.
وانظر: إجابة رقم: (20954).
ثامناً:
لك أن تتزوج، ولا يصح أن الورثة سيكونون مثلك، ولا نعلم لذلك أصلا. وقد قال الله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/16.
وما دمت تحافظ على ذكر الله والتبريك، وإذا جامعت أهلك تقول "بسم الله اللهم جنبنا .. فلا يضر الشيطان ذريتك بإذن الله تعالى. لما روى البخاري (6388) ومسلم (1434) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا ).
وفي رواية للبخاري (3283) ( لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ ) .
انظر: إجابة رقم: (135477).
ويُشرع لك قبل أن يهب لك الله أولاداً، بل قبل أن تتزوج: أن تدعو للذرية، وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يحفظهم الله منه ومن شره؛ كما قالت أم مريم عليها السلام (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران/ 36].
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "فيه مشروعيَّةُ إعاذةِ الإنسانِ أبناءَه بالله عزَّ وجلَّ من الشَّيطان الرَّجيم، ومِن شرِّ الخَلْق؛ كما في قوله تعالى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)" انتهى من "تفسير سورة آل عمران" (1/230).
تاسعا:
من المستحسن أن يشرب جميع أهل البيت من كأس واحد، ويُستثنى من ذلك من يعاني من مرض مُعدٍ، فيُمنع من الشرب منه حتى يُشفى. والمقصود من ذلك أن من يُصاب بعين من شخص من أهل بيته، فإن أثر العين يذهب سريعاً بسبب مشاركة الجميع في الشرب، مما يُرجى معه الشفاء بإذن الله تعالى.
وهكذا كان الناس، وما زال الكثيرون في البيت الواحد؛ لا يتحرّزون من الشرب من إناء واحد .
وقد جاء في صحيح البخاري (1635) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: "اسْقِنِي" ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ قَالَ : "اسْقِنِي، فَشَرِبَ مِنْهُ".
ورواه أحمد في مسنده (3/341) بلفظ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ كَانَ مَعَهُ، قَالَ: وَأَتَى السِّقَايَةَ، فَقَالَ: " اسْقُونِي "، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا يَخُوضُهُ النَّاسُ، وَلَكِنَّا نَأْتِيكَ بِهِ مِنَ البَيْتِ، فَقَالَ: "لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ".
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "التعليق على صحيح البخاري" (472) عند ذكر فوائد الحديث : "أنه لا ينبغي للإنسان أن يستنكف عما شرب الناس به؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُنّة، وهو يدل على أنه لا ينبغي للإنسان الاستنكاف؛ وأن يقول: لا أشرب من الكأس الذي شرب منه الناس، ولا أشرب من الكأس الذي يضع الناس فيه أيديهم، وما أشبه ذلك.
ولا شك أن هذا أنفع بكثير، وأصحّ؛ لأن الأطباء قالوا: إن الإنسان إذا تحرّز من كل شيء في مأكله ومشربه: لم يكن عنده المناعة لاستقبال الجراثيم وغيرها، وإذا كان لا يتحرّز فإنه يكون عنده مناعة، ولهذا سمعت أنهم في الدول المتقدمة في دنياها، بدأوا يتمسحون بالمناشف التي يتمسح منها كل الناس، ويقولون: هذا أولى؛ لما في ذلك من المقاومة، وهذا ليس ببعيد؛ لأن الداء الباطني كالداء الظاهري" انتهى.
وأضاف الشيخ ابن عثيمين رحمه الله على ما تقدم في "فتاوى نور على الدرب" (6/2) وقال: "نعم، لو فرض أن أحداً من الناس مصاب بوَباء جرت العادة أنه معدٍ، فهذا ليس من المستحسن أن يشرب الإنسان في هذا الإناء الذي شرب فيه هذا المصاب بالمرض الذي جرت العادة بأنه يُعدِي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: )فر من المجذوم فرارك من الأسد) رواه البخاري (5707) ، ولكن مع هذا، يجب أن نؤمن بأن العدوى لا تكون معدية بطبيعتها الذاتية، ولكنها معدية بإذن الله عز وجل، فإن الله تعالى قد جعل لكل شيء سبباً" انتهى.
والله أعلم.