ظاهر النصوص أن كلَّ ما خلقه الله يقول له: (كن)، ولهذا كانت كلمات الله لا نفاد لها، وقد يجمع الله تعالى لبعض المخلوقات بين قوله (كن) وخلقه بيديه، كآدم عليه السلام، والواجب الوقوف عند حدود ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، في أسمائه وصفاته وأفعاله.
هل كل الأشياء خلقت بقوله تعالى: (كن فيكون)؟
السؤال: 595005
سؤالي يتعلّق بعقيدة أهل السنّة والجماعة في باب قدرة الله تعالى على الخلق، فقد ورد في القرآن الكريم قول الله عز وجل: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
سؤالي هو:
هل يجب أن يقول الله تعالى للشيء: "كن" حتى يكون، أم إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق ما يشاء وكيفما يشاء دون التقيّد بقولٍ أو كيفية محددة؟ وهل "كن فيكون" هي صيغة إخبارية عن قدرته المطلقة، أم أنها شرط لازم لحدوث الخلق؟
أرجو من فضيلتكم بيان العقيدة الصحيحة في هذا الباب، بما يوافق ما عليه أهل السنة والجماعة.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
أخبر الله تعالى أنه إذا قضى أمرا أو أراد شيئا؛ فإنما يقول له: (كن)؛ فيكون، في سياق الآيات الدالة على تمام قدرته تعالى وكمال قيوميته واستغنائه عن العالمين، كما قال الله تعالى في سورة البقرة برهانًا على استغنائه تعالى عن الولد: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقال تعالى في آل عمران في ذكر خلق عيسى عليه السلام من غير أبٍ: كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وكذلك في آل عمران: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وكذلك قال تعالى في سورة مريم برهانًا على استغنائه تعالى عن الولد: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
وقال تعالى في سورة النحل حجة على منكري البعث: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وفي سورة يس حجةً على منكري البعث قوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وقال تعالى في سورة غافر بعد ذكر أطوار خلق الإنسان ثم مماته: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، حجة على منكري البعث كذلك.
يقول الطبري رحمه الله في تفسير آية النحل:
"يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائناهم، ولا في غير ذلك ما نخلق ونكوّن ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كُلفة علينا"، انتهى من تفسيره (14/ 222).
وهذه الآيات كما تدلُّ على أنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء، ولا يتعذر عليه مطلوب، ولا يفوته مرادٌ، وأنه حيٌّ قيومٌ مستغنٍ عن العالمين؛ فهذا لا يتعارض مع دلالة الآيات كذلك على أنه تعالى يخلق بقولِه وكلامه تعالى، أي: بقوله للشيء (كُن)؛ فيكون، فدلالة الآيات تشمل المعنيين.
قال الإمام ابن خزيمة رحمه الله:
"أعلمَنا الله جل وعلا في محكم تنزيله: أنه يخلُق الخلقَ بكلامه وقوله؛ فقال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فأعلمَنا جلَّ وعلا أنه يكوِّن كلَّ مكوَّنٍ من خلقه بقوله: كُنْ"، انتهى المقصود نقله من "التوحيد" (ص 289 - دار الآثار).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "إن الله قد قال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وقال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وقال: وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فهذا يقتضي: أنه إذا أراد شيئًا؛ فإنما أمْرُه أن يقول له: (كُنْ)؛ فيكون، وقوله: إِذَا أَرَادَ شَيْئاً عام في ما يريده، وهو لم يخلق شيئًا إلا وقد أراده، فاقتضى هذا أنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له: (كن)"، انتهى من "الصفدية" (2/ 71).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله، قليلًا أو كثيرًا، يكون بكلمة (كن)؟
الجواب: ظاهر النصوص أن كلَّ ما خلقه الله يقول له: (كن)، ولهذا كانت كلمات الله لا نفاد لها، قال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"، انتهى من "تفسير سورة الأنعام" (ص184).
ثانيًا:
كما دلت النصوص أن الله تعالى يخلق ما يشاء بكلامه، بأن يقول للشيء (كُنْ)؛ فيكون، فكذلك دلت نصوص الكتاب والسنة أنه خلق آدم عليه السلام بيده، ثم تمَّم خلقه وأحسنه بأن قال له (كُن).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن آدم عليه السلام خلق من تراب وماء، فصار طينا، ثم أيبس الطين، ثم قال له: كن فكان"، انتهى من "الجواب الصحيح" (3/ 317).
ولا تعارض بين الأمرين؛ كيف وقد جمع الله جل جلاله بينهما في صفة خلق آدم عليه السلام، فقال سبحانه: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) آل عمران/59.
فالله جل جلاله خلق آدم عليه السلام، تعالى بيديه، تشريفا له، ثم قال له: كُنْ، فكان، كما بيَّن تعالى بقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
قال الإمام الطبري، رحمه الله: "إن شبه عيسى في خلقي إياه من غير فحل فأخبرْ به، يا محمد، الوفدَ من نصارى نجران عندي، كشبه آدمَ الذي خلقتُه من تراب، ثم قلت له: (كن)، فكان، من غير فحل ولا ذكر ولا أنثى.
يقول: فليس خلقي عيسى من أمه، من غير فحل، بأعجب من خلقي آدم من غير ذكر ولا أنثى، وأمري إذ أمرته أن يكون فكان لحمًا. يقول: فكذلك خلقى عيسى: أمرتُه أن يكون فكانَ" انتهى، من "تفسير الطبري" (6/ 468 ط التربية والتراث).
وقال ابن كثير، رحمه الله: "يقول تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب كَمَثَلِ آدَمَ؛ فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أُم، بل خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؛ فالذي خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأَولى والأَحرى. وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأَولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا.
ولكن الربَّ جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم: 21]. وقال ههنا: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ؛ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال". انتهى، من "تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي" (2/ 353).
ثالثًا:
تبيَّن بما سبق أن مبلغ علمنا الذي أخبرنا الله عز وجل به، وهو ظاهر النصوص كما فهمها السلف والأئمة: أن كل ما يخلقه الله عز وجل من شيءٍ: يقول له (كن)، فيكون الشيء كما أراد تعالى.
وكلمة (كُنْ) من كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفات كماله تعالى وعز وجل، والله تعالى لا أول لوجوده، ولا آخر له، ولا أول لوجود صفاته ولا آخر، فالله تعالى لم ينفك عن صفة من صفاته في وقتٍ، ولن ينفك عن شيء منها قط، تعالى وتقدَّس.
أي: فلا يسأل: هل الله غنيٌّ عن صفة الكلام التي أخبرنا أنه يخلق بها الخلق، ولا يُسأل: هل يوجد أثر الصفة بدون الصفة؟! أو هل يحتاج الله إلى صفة الكلام ليخلق المخلوقات؟!
فكل ذلك تقعُّرٌ لائق بأهل علم الكلام المذموم، الذين تكلموا في ذات الله وصفاته بالمحالات، وأوردوا الأغلوطات، وهم إنما سألوا هذه الأسئلة لتصورهم ذاتًا خالية من الصفات.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ردًّا على من أورد نحو هذا في صفتي القدرة والعلم:
" وإذا قيل: إن ذلك يتضمن الحاجة إلى صفة، فهو كقول القائل إن ذلك يتضمَّن الحاجة إلى ذاته، وهو غني بنفسه عن كل ما سواه، ولا يقال هو غني عن نفسه، فإن نفسه المقدسة الموصوفة بصفة الكمال المستلزمة لذلك؛ هي الغنية.
فإذا قيل: هو غنيٌّ عن ذلك، كان مثل قول القائل: هو غني عن نفسه، أو: غني عن غناه، أو: غني عما لا يكون غنيًا إلا به، وكقوله: الحيُّ الذي تجب الحياة له؛ غني عن حياته، أو: واجب الوجود؛ غنيٌّ عن وجوده، والقديم عن قدمه، ونحو ذلك"، انتهى من "درء التعارض" (5/ 42).
فالله تعالى: غنيٌّ بنفسه، المتصفة بصفات الكمال، ومنها صفة الكلام، التي من آثارها: وجود المخلوقات، فلا يقال بعد ذلك: هل (يشترط) أن يتكلم ليخلق، ولا: هل يقدر على الخلق دون التقيّد بقولٍ أو (كيفية محددة)؟!
وبالجملة: فالواجب هو الوقوف مع دلالة النصوص التي أخبر الله تعالى بها عن نفسه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والكف عن التفتيش فيما وراء ذلك، فإن الله تعالى قد قضى ألا يحيط العباد به علمًا.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟