هل يقال: إن لله شكلًا ؟

السؤال: 603181

يقول بعض العلماء في بلادنا إن لله تعالى شكلاً، بينما يقول آخرون: إنه لا يصحُّ أن يُقال إن له شكلاً، أو ليس له شكل. والآن أودُّ أن أعرف الجواب الصحيح.

ملخص الجواب

صفات الله توقيفية، فلا يوصف بأن له شكلا؛ لعدم ورود ذلك، ولأن من معاني الشكل: المِثل والشبيه، والله منزه عن ذلك، وإنما تثبت له الصورة كما ورد في الأحاديث، مع عدم التخيل والتوهم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

صفات الله توقيفية، أي موقوفة على ورود النص، فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يرد وصف الله بأن له شكلا.

والشكل كما في القاموس: "الشبه، والمثل، ويكسر[شِكل]، وما يوافقك ويصلح لك، تقول: هذا من هواي، ومن شكلي، وواحد الأشكال: للأمور المختلفة المشكلة، و[الشكل] صورة الشيء المحسوسة والمتوهمة، [والجمع] : أشكال وشكول" انتهى من "القاموس المحيط"، ص1019.
وللمزيد ينظر: "تاج العروس" (29/ 269).

ومعلوم أن الله تعالى ليس له شبه ولا شبيه ولا مثل ولا نظير، كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الشورى/11.

وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) الإخلاص/4، وقال: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) مريم/65.

ثانيا:

الثابت في السنة أن لله صورة، كما روى البخاري (6227) ومسلم (2841) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآن).

وروى مسلم (2612) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ).

وفي حديث الشفاعة الطويل: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة) رواه البخاري (7440) ومسلم (182).

وصورته تبارك وتعالى: صفة من صفاته، لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لفظ الصورة في الحديث، كسائر ما ورد من الأسماء والصفات، التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله اختصت به، مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه، واستواءه على العرش، ونحو ذلك" انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (3/ 396) ط. مكة.

وقال: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ...

ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة، جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصفهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة" انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (3/ 202).

وروى ابن بطة في "الإبانة" (7/ 266) عن أبي طالب، قال: "سمعت أبا عبد الله [أحمد بن حنبل]، يقول: " من قال: إن الله تعالى خلق آدم على صورة آدم: فهو جهمي؛ وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ " انتهى.

وقال ابن قتيبة رحمه الله: "الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك، لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه، لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" انتهى من "تأويل مختلف الحديث" ص 221

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: "والمعنى عند أهل العلم أن الله خلق آدم سميعا بصيرا، متكلما إذا شاء، وهذا وصف الله، فإنه سميع بصير متكلم إذا شاء ، وله وجه جل وعلا.

وليس المعنى التشبيه والتمثيل ، بل الصورة التي لله غير الصورة التي للمخلوق، وإنما المعنى أنه سميع بصير متكلم إذا شاء ومتى شاء، وهكذا خلق الله آدم سميعا بصيرا ذا وجه وذا يد وذا قدم ، لكن ليس السمع كالسمع وليس البصر كالبصر، وليس المتكلم كالمتكلم ، بل لله صفاته جل وعلا التي تليق بجلاله وعظمته ، وللعبد صفاته التي تليق به ، صفات يعتريها الفناء والنقص ، وصفات الله سبحانه كاملة، لا يعتريها نقص ولا زوال ولا فناء ، ولهذا قال عز وجل : ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) وقال سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص:4)؛ فلا يجوز ضرب الوجه ولا تقبيح الوجه". انتهى من مجموع فتاوى الشيخ 4/226.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "إن الذي قال: "إن الله خلق آدم على صورته" رسول الذي قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11]؛ والرسول لا يمكن أن ينطلق بما يكذب المرسل، والذي قال: "خلق آدم على صورته": هو الذي قال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر" (1)، فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة: على صورة القمر من كل وجه، أو تعتقد أنهم على صورة البشر، لكن في الوضاءة والحسن والجمل واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟!

فإن قلت بالأول، فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه! وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!

وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال, وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء، أن يكون مماثلاً له من كل وجه...

فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون أدم عليها؟

قلنا: إن الله عز وجل له وجه وله عين وله يد وله رجل عز وجل، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان، فهناك شيء من الشبه، لكنه ليس على سبيل المماثلة، كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر، لكن بدون مماثلة.

وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن جميع صفات الله سبحانه وتعالى، ليست مماثلة لصفات المخلوقين، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل" انتهى من "شرح العقيدة الواسطية" (1/ 108).

وينظر: جواب السؤال رقم: (398534).

فالصورة ثابتة لله تعالى.

ومع أن "الصورة" من معاني "الشكل" كما سبق نقله عن القاموس، وشرحه؛ فإنه لا يقال: لله شكل؛ لأمرين:

الأول: أن "الشكل"، وإن كان يحتمل معنى صحيحا، يصح إضافته لله جل جلاله؛ فكذلك يحتمل معنى، أو معاني باطلة في حق الله؛ وما كان ذلك فإنه يجتنب؛ لئلا يتوهم قائله، أو سامعه، إطلاق هذا الباطل في حق الله تعالى.

والأمر الثاني: أن ذلك لم يثبت، وإنما الوارد: "الصورة"، والواجب الوقوف عند حد ما ورد، وعدم تعديه؛ فصفات الله تعالى توقيفية، لا يقال منها بشيء إلا ما ورد به النص.

ثالثا:

أهل السنة يثبتون الصفات الواردة، ويثبتون الصورة، لكنهم يمنعون التوهم والتخيل، فليس لنا أن نتوهم لله صورة؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، والله أخبرنا عن صفاته، ولم يخبرنا كيف صورته، والشيء إنما يعلم برؤيته أو برؤية نظيره أو بالخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في حقه تعالى، ولهذا يجب منع التخيل والتوهم.

قال الطحاوي رحمه الله: " لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام" انتهى من "عقيدة الطحاوي رحمه الله"، ص 8.

وقال ابن قدامة رحمه الله: " لا تمثّله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] " انتهى من "لمعة الاعتقاد"، ص 5.

والحاصل:

أنه لا يقال: لله شكل، وإنما يقال: له صورة، كما ورد في النصوص، وليس كمثله شيء سبحانه.

والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android