أجمع أهل السنة والجماعة أن كل شيء كان أقرب إلى العرش وإلى جهة العلو؛ فهو أقرب إلى الله تعالى، وهذا قرب مكاني حسي، من لوازم الإيمان بصفة العلو، ولا يلزم أن يكون الأقرب حسا أفضل أو أقرب منزلة.
هل يقال بأن ما كان في العلو الحسي أقرب إلى الله؟
السؤال 609915
هل القول بأن قمة الجبل أقرب إلى الله تعالى من سفحه هو من مسائل العقيدة التي اختلف فيها علماء أهل السنة، أم أنهم مُجمِعون عليها؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لم يختلف أحد من أهل الحديث - أهل السنة والجماعة – في أن الله تعالى فوق جميع المخلوقات، فذات الله تبارك وتعالى في العلو، فوق العرش وفوق جميع المخلوقات، وهو تعالى بائن منفصل عن جميع العالَم.
وعلو الله عندهم علو حقيقي، فهو تعالى فوق العالم بذاته، سبحانه وعز وجلَّ.
وينظر للفائدة جواب السؤال: (992)، و(11035).
وأجمع أهل السنة أن العرش هو سقف العالم وأعلى شيء من المخلوقات، فهو نهاية المخلوقات من جهة فوق، وليس فوقه إلا رب العالمين تعالى.
وينظر للفائدة جواب السؤال: (393246)، و(47048).
ومقتضى ذلك كله ولازمه عند جميع أهل السنة: أنَّ العرش أقرب مكانا من الله تعالى، قربا حسِّيًّا مكانيًا، وكل مخلوق أقرب من غيره إلى العرش وجهة العلو؛ فهو أقرب إلى الله تعالى في الحسِّ والمكان.
وليس بين أهل السنة خلاف في ذلك، وأدلة ذلك بيِّنة في الكتاب والسنة، ولذلك تتابع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على ذكر ذلك، وهو من جملة ردودهم على الحلولية من الجهمية الأوائل القائلين إن الله في كل مكان.
قال الإمام عثمان الدرامي في "الرد على المريسي" (1/ 504):
"فيقال لهذا المعارض المدعي ما لا علم له: من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله تعالى من أسفله؟ لأنه من آمن بأن الله فوق عرشه فوق سماواته، علم يقينًا أن رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة، ثم كذلك إلى الأرض.
كذلك روى إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ابن المبارك أنه قال: (رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفله). وصدق ابن المبارك؛ لأن كل ما كان إلى السماء أقرب، كان إلى الله أقرب"، انتهى.
وما رواه الدارمي عن شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك صحيح الإسناد جليل، فالدارمي إمامٌ ثبت حجة، من أئمة المتثبتين، مجمَع على إمامته وفضله وتثبته، وشيخُه هو إسحق بن راهويه شيخ الإسلام، أحد أفراد الحفظ والتثبت والفقه واتباع السنة.
وقول الدارمي هنا: (رَوى إسحاق)؛ متصل ليس منقطعا كما ظنَّ بعض المبتدعة، فقد اتفق علماء الحديث أن الرواي إذا أدى الحديث بصيغةٍ تحتمل التعليق، عن شيخٍ عاصره، وثبت لقاؤه به وروايته عنه؛ أن روايته متصلة غير منقطعة إذا لم يُعرف بتدليس.
وقد شرح ابن الصلاح ذلك في مقدمته" (ص 65)، ثم قال:
"ومن أمثلة ذلك قولُه: قال فلان كذا وكذا؛ مثل أن يقول نافع: قال ابن عمر، وكذلك لو قال عنه: ذَكَر، أو: فعل، أو: حَدث، أو: كان يقول كذا وكذا، وما جانس ذلك"، انتهى.
والدارمي لم يصفه أحد بتدليس، وابن راهوية من مشايخه الذين لزمهم، وأكثر عنهم الروايةَ والكتابة، وأخذ عنه العلل وغيره.
قال الذهبي في ترجمته: "الدارمي: الحافظ الإمام الحجة، أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، محدث هراة وتلك البلاد ... ولعثمان سؤالات عن الرجال ليحيى بن معين، وله مسند كبير، وتصانيف في الرد على الجهمية، وهو الذي قام على ابن كرام وطرده من هراة، فيما قيل"، انتهى مختصرا من "تذكرة الحفاظ" (2/ 146).
وما قاله ابن المبارك؛ هو أيضا مقتضى إثبات علو الله تعالى الذاتي، كما شرح الدارمي رحمه الله.
ثم شرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا هو مذهب أهل السنة ومقتضى قولهم بعلوه تعالى، وأنه مقتضى دلالة القرآن، فذكر أنهم: "يثبتون أن الله على العرش، وأن حملة العرش أقرب إليه ممن دونهم، وأن ملائكة السماء العليا أقرب إلى الله من ملائكة السماء الثانية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عُرج به إلى السماء، صار يزداد قربا إلى ربه بعروجه وصعوده، وكان عروجه إلى الله، لا إلى مجرد خلق من خلقه، وأن روح المصلي تقرب إلى الله في السجود، وإن كان بدنه متواضعًا، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب"، انتهى من "مجموع الفتاوى" (6/ 7).
وينظر جواب السؤال: (606733).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟