هل قوله تعالى {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} خاص بموسى عليه السلام أم عام عند الفزع؟

السؤال 622130

هل يمكنكم توضيح المقصود بالأمر الوارد في الآية (32) من سورة القصص (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ)؟ وهل يجوز لعامة الناس وضع اليد على القلب عند الفزع، أم إن ذلك كان خاصاً بموسى عليه السلام؟

ملخص الجواب

معنى الآية: أُمر موسى عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه(يده) من الرعب إلى صدره، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. ويجوز لعامة الناس أن يفعلوا ذلك عند الفزع.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

قال ابن الجوزي رحمه الله في "زاد المسير" (3/383):

"وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال:

أحدها: أنَّه لمَّا هرب من الحيّة أمره الله تعالى أن يضمّ إليه جناحه ليذهب عنه الفزغ. قال ابن عباس: المعنى: اضمم يدك إِلى صدرك من الخوف ولا خوف عليك. وقال مجاهد: كلٌّ مَنْ فَزِع فضَمَّ جناحه إِليه ذهب عنه الفَزَع.

والثاني: أنَّه لمَّا هاله بياض يده وشعاعها، أُمِر أن يُدْخِلها في جيبه، فعادت إلى حالتها الأولى.

والثالث: أن معنى الكلام: سَكِّن رَوْعَك، وثَبِّت جأْشَك. قال أبو علي: ليس يراد به الضَّمُّ بين الشيئين، إِنما أُمِر بالعزم على ما أُمِر به" انتهى.

ثانيًا:

في "تفسير الطبري" (18/245- 246):

"قال ابن عباس: " وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ قال: يدك "

قال مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ " مِنَ الرَّهْبِ قَالَ: الْفَرَقُ ". يعني: الخوف.

وعن قتادة: أَيْ مِنَ الرُّعْبِ" انتهى.

في "تفسير القرطبي" (13/ 285): "وما فسروه من ضم اليد إلى الصدر يدل على أن الجيب موضعه الصدر" انتهى.

ثالثًا:

هذه الآية الكريمة إنما هي في شأن موسى عليه السلام، ونداء الله جل جلاله له، وأمره بما أمره به من إتيان فرعون وقومه، وإنذارهم بنذارة الله، وإعلامه بأمر الله لهم بتوحيده، وترك ما هم عليه من الشرك والضلال.

ثم إن الله أيده بهذين البرهانين المذكورين في الآية الكريمة، وهذا كله بصيغة الخطاب الخاص بموسى عليه السلام، كما يدل عليه ضمير الخطاب في الآية. قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.

قال الإمام الطبري، رحمه الله: "يقولُ تعالى ذكرُه: نُودِى موسى: أن يا موسى إنِّي أنا اللهُ ربُّ العالمين، وأن ألْقِ عصاك. فألقاها موسى، فصارت حيةً تَسْعَى، فلما رآها موسى تَهْتَزُّ. يقولُ: تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ كَأَنَّهَا جَانٌّ. والجانُّ: واحد الجنَّانِ، وهى نوعٌ معروفٌ مِن أنواعِ الحيَّاتِ، وهى منها عظامٌ. ومعنى الكلام: كأنها جانٌّ مِن الجنَّان، وَلَّى مُدْبِرًا. يقولُ: وَلَّى موسى هاربًا منها".

"تفسير الطبري" (18/243).

ومع أن السياق ظاهر في خصوص ذلك بموسى عليه السلام، إلا أن جماعة من المفسرين أشاروا إلى أنه هكذا يكون شأن الإنسانِ إذا فَعَلَ ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قَلْبُهُ.

قال البغوي: "وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: أمره الله بضم يده إلى صدره فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية.

وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه.

وقال مجاهد: كل من فزع، فضم جناحه إليه، ذهب عنه الفزع، وما يجد من الخوف.

وقيل: المراد من ضم الجناح: السكون أي سكن روعك، واخفض عليك جأشك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه" انتهى.

وقال ابن عطية رحمه الله في تفسيره (4/287)، وقال: "ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قلبه" انتهى. وانظر أيضا: القرطبي في تفسيره (13/ 284).

وهذا الذي نقل عن ابن عباس ومجاهد: لم نجدها مسندا عنهما في شيء من الكتب، ولم يذكره الطبري، ولم يعول عليه أصلا.

وغاية مثل ذلك: أن يكون من ملح التفاسير، ولطيف القول، لا أنه معنى الآية المطابق لسياقها، ولا هو حاق الكلام، ووجه السياق. ولذلك كانت عبارة ابن كثير عن ذلك المعنى رشيقة، محترسة في تقريره، مكتفية بالإشارة، والرجاء في حصول ذلك. قال رحمه الله في تفسيره (6/235):

"قوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ : قال مجاهد: من الفزع. وقال قتادة: من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية.

والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف.

وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يخف، إن شاء الله، وبه الثقة" انتهى.

والله أعلم.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android