ما حقيقة القراءة المعاصرة للقرآن الكريم؟

السؤال 622922

حضرت في أجد المجالس الرمضانية الثقافية، وثار جدل حول فكرة القراءة المعاصرة للقرآن الكريم، فما حقيقة هذه الفكرة؟ وهل هي صحيحة أم لا؟

ملخص الجواب

ما يُسمّى بـ"القراءة المعاصرة للقرآن" هو أصل إلحادي في آيات الله وكتابه، ينطلق من عدم "الخضوع" لكتاب الله، والتزام شرعه، وأصله، ثم يتعامل مع الكتاب المنزل، كما يعامل كتب البشر، وآراءهم، وأقوالهم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

نزل القرآن بلسان عربي مبين، وفهمه وتفسيره يتطلب ضرورة الإلمام بلغة العرب، ولذا فإن أعمق الناس فهما للقرآن، هم القوم الذين نزل بلغتهم، وكلما بعد الزمان، وقل العلم بالعربية؛ ابتعد الناس عن الفهم الصحيح للقرآن.

وينظر للأهمية، حول قواعد فهم القرآن وتفسيره: جواب السؤال رقم: (244217).

 

ثانياً:

عمل كثير من أصحاب الأفكار المنحرفة على إدخال اللبس على الناس، وزعزعة مقام القرآن في نفوسهم، ومرجعيته العليا في دينهم، من خلال ضلالتهم التي تذرعوا بها لذلك: (القراءة المعاصرة للقرآن الكريم).

ومرادهم بهذه القراءة المعاصرة: فهم القرآن فهما عصريا، منقطعا عن فهم السلف، وإخضاع تفسيره لمناهج العلوم الإنسانية الغربية، ثم الانتقال إلى تأويله تأويلا علمانيا إلحاديا، بل ونقده أيضا، باعتباره "تراثا" يخضع لمناهج التحليل والنقد.

ولا تفرق هذه القراءة بين النص الأدبي الذي ينتجه البشر، وبين الكلام الإلهي المنقول إلى الناس وحيا، فكلاهما سواء، حسب زعمهم.

انظر: "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير" (ص: ٥٦) و"نظرات في القراءة المعاصرة للقرآن الكريم" (ص: ٥).

ومن خلال هذه القراءة يزعم أصحاب هذه الدعوى أنّ ألفاظ القرآن يجب أن تتطور، ومعنى هذا التطوير عندهم تغيير دلالاتها الشرعية، فادعوا مثلا - تطور كلمة (مسلم) و (مؤمن) في القرآن ليشملا المسلمين واليهود والنصارى، نظرا لتطور المفاهيم الاجتماعية والوطنية والسياسية، وادعوا تطور مفهوم (ملة إبراهيم) التي هي عقيدة التوحيد إلى معنى وحدة الأديان المستحدثة، وادعوا تطور مفهوم الحجاب الشرعي، ليشمل كل أنواع لباس التبرج في هذا العصر.

ينظر: "التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم" (ص : ١٤٢).

 

ثالثاً:

سلك أصحاب هذه الدعوى عدة مسالك لنزع القداسة والعصمة عن القرآن الكريم، ومن أبرزها:

1-خطة الأنسنة، والغاية منها: إضفاء الصفة الإنسانية على القرآن، ورفع القداسة عنه بالتسوية بينه وبين الكلام الإنساني.

2-خُطة العقلنة، والغاية منها: إطلاق العنان للعقل في تأويل القرآن، واستعمال المناهج الغربية الحديثة في القراءة، وقد أدى ذلك إلى إنكار الغيبيات ومعجزات الأنبياء الواردة في الكتاب والسنة وتفسيرها تفسيرا ماديا.

3-خطة (التاريخانية)، أي: تاريخية النص المقدس، والغاية منها: ربط النص القرآني بالمكان والزمان اللذين نزل فيهما، ورفض القول بأن في القرآن أحكاما ثابتة دائمة، أي: لا ترتبط صلاحيتها بزمان ومكان، وعلى هذا يرون أن القرآن يلزم قراءته على أنه نص تاريخي بدراسة الظروف التاريخية المحيطة به في كل عصر، فالفهم المعاصر للقرآن يختلف عن التفسير والفهم السابق حين نزوله، وترتب على ذلك إنكارهم للحدود الشرعية، مثل جلد القاذف والزاني، وقطع يد السارق ، وصلب قاطع الطريق، بحجة أنها ليست أحكاما مقصودة لذاتها، وأنها لا تناسب هذا العصر .

رابعاً:

مما سبق يتبين أن ما يسمى بالقراءة المعاصرة للقرآن الكريم ما هي إلى دعوة للخروج على القرآن، والكفر بثوابته، ورسالته من أصلها، وإسقاط هيبة الكتاب العزيز في نفوس المسلمين، ومنزلته في قلوبهم، ومرجعيته العامة لدينهم كله.

وقد أصدر مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السادسة عشرة المنعقدة عام ١٤٢٦هـ / ٢٠٠٥م قرارًا بشأن ذلك، جاء فيه:

"إن ما يسمى بالقراءة الجديدة للنصوص الدينية: إذا أدت لتحريف معاني النصوص ولو بالاستناد إلى أقوال شاذة، بحيث تخرج النصوص عن المجمع عليه، وتتناقض مع الحقائق الشرعية = يعد بدعة منكرة وخطرًا جسيما على المجتمعات الإسلامية وثقافتها وقيمها.

ينظر: قرارات وتوصيات المجمع الفقهي الدولي القرار رقم (١٤٦٩) (ص: ٢٥٧-258).

ويتبين بطلان هذه القراءة التأويلية من وجوه منها:

أولا: أنّ أصحاب هذه الدعوى لا يقيمون وزنًا للسنَّة في تفسير القرآن، فضلا عن تفاسير الصحابة والتابعين؛ بحجة أنها تفسيرات تاريخية غير ملزمة وغير مناسبة لهذا العصر، كما أنهم لا يراعون قواعد التفسير والأصول واللغة، وإنما يُفسرون القرآن بأهوائهم، وآرائهم الفاسدة.

ثانيا: أن حقيقة تفسيرهم تأويلات فاسدة تفضي إلى تحريف معاني القرآن وتعطيل أحكام الشريعة، وهو من جنس تأويلات الباطنية والفلاسفة التي تدور على الإلحاد والكفر باليوم الآخر، وإنكار حقائق الدين، وتأويل الفرائض والأحكام بما يخرجها عن حقيقتها الشرعية، وقد ذم السلف هذا التأويل وحذروا منه ؛ لأنه من أعظم أصول الضلال والانحراف؛ فقد سبقهم إلبها القرامطة والزنادقة من الفلاسفة، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية جانبا من تأويلاتهم الكفرية الفاسدة. ينظر: "مجموع الفتاوى" (۲۹/۳)، و (٦٩/٤)، و (١٠/٢٩٥).

ثالثا : أن هذه القراءة التأويلية من الإلحاد في آيات الله، وقد توعد الله من ألحد في آياته فقال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفُونَ عَلَيْنَا) فصلت/٤٠.

قال الألوسي رحمه الله في تفسير هذه الآية:

"ينحرفون في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، فيحملونها على المحامل الباطلة، وهو مراد ابن عباس بقوله: يضعون الكلام في غير موضعه" انتهى من "تفسير الألوسي" (12/ 378).

رابعا : أن تحريف هؤلاء لمعاني القرآن وتحميلها ما لا تحتمل من الافتراء على الله، وقد قال تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِقَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) يونس: ١٧، وهو أيضا من القول على الله بغير علم الذي قرنه الله بالشرك إشارة إلى أنه من الكبائر، قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلُ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/ ۳۳.

خامسا : أن أصحاب هذه الدعوى ليسوا مؤهلين لتفسير كلام الله أصلا؛ لجهلهم بقواعد التفسير والعلوم الشرعية.

قال النووي رحمه الله: "ويحرم تفسيره - أي القرآن - بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها. والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه" انظر "التبيان في آداب حملة القرآن" (ص: ١٦٥)

سادسا: أن هؤلاء ليست مشكلتهم أصلا مع فهم النص وتفسيره، وإنما مشكلتهم مع النص نفسه، فهم لا يريدون للنص الشرعي - كتابا وسنة - أن يكون له سلطان حقيقي على الحياة، بناء على فكرهم العلماني الإلحادي، ولهذا نجد أنهم يحاولون التشكيك في القرآن نفسه، فتارة يدعون أنه من كلام البشر، وتارة يقولون: إنه من صياغة الواقع، وتارة ينكرون كونه نصا إلهيا، فالعبارات مختلفة، والنتيجة واحدة، وهي إنكار الوحي جملة وتفصيلا.

ويصرح بعضهم بالطعن فيما ورد في كتاب الله من أخبار الأمم السالفة وقصص الأنبياء، ويدعو إلى قيام دراسة نقدية تمحص تلك الأخبار.

يقول أركون، وهو أحد رؤوس هذه المسلك:

"ينبغي القيام بنقد تاريخي، لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات التاريخية، التي أحدثتها الروايات القرآنية، بالقياس إلى معطيات التاريخ الواقعي المحسوس" انتهى من  "الفكر الإسلامي قراءة علمية" (ص: ۲۰۳).

ينظر: "النوازل الفقهية المتعلقة بالقرآن الكريم" (ص: 826).

وخلاصة القول:

أن ما يسمى بالقراءة المعاصرة للقرآن الكريم: هي أصل من أصول الانحراف عن شرع الله، والكفر بكتبه ورسله، والتكذيب بما جاء به رسول الله من عند ربه.

قال ابن الوزير رحمه الله:

"لَا خلاف فِي كفر من جحد ذَلِك الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ للْجَمِيع، وتستر باسم التَّأْوِيل فِيمَا لَا يُمكن تَأْوِيله، كالملاحدة فِي تَأْوِيل جَمِيع الْأَسْمَاء الْحسنى، بل جَمِيع الْقُرْآن والشرائع والمعاد الأخروي، من الْبَعْث وَالْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار.

وَإِنَّمَا يَقع الاشكال فِي تَكْفِير من قَامَ بأركان الاسلام الْخَمْسَة الْمَنْصُوص على إسلام من قَامَ بهَا، إِذا خَالف الْمَعْلُوم ضَرُورَةً للْبَعْض، أَو للأكثر، لَا الْمَعْلُوم لَهُ، وَتَأْول. وَعلمنَا من قَرَائِن أَحْوَاله أَنه مَا قصد التَّكْذِيب، أَو الْتبس ذَلِك علينا فِي حَقه، وَأظْهر التدين والتصديق بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاء والكتب الربانية، مَعَ الْخَطَأ الْفَاحِش فِي الِاعْتِقَاد، ومضادة الأدلة الجلية عقلا وسمعا" انتهى من "إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات" (ص377).

ولا خلاف في أن من كذّب بالقرآن، أو كذّب بشيء منه: فهو كافر، وقد نقل الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم، منهم ابن حزم كما في كتابه "مراتب الإجماع" (ص: ١٧٤)، والنووي في "التبيان في آداب حملة القرآن" (ص:١٦٤).

قال القاضي عياض رحمه الله:

"وأعلم أن ‌من ‌استخف ‌بالقرآن، ‌أو ‌المصحف، ‌أو ‌بشيء ‌منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه، من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته، على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك=

فهو كافر عند أهل العلم؛ بإجماع" انتهى من "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/ 304).

فبان بذلك أن هدف أصحاب هذه الدعوى المنحرفة هو طمس معالم الدين، والترويج للعلمانية ونشرها، متسترين بشعار تجديد ليخفوا تحته تحريفاتهم لمعاني القرآن.

ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (244217)، (287146)، (238616).

وينظر أيضا، لمزيد الفائدة: كتاب "بدعة إعادة فهم النص"، لفضيلة المشرف العام.

والله أعلم.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android