توسط الآية الباعثة على الدعاء بين آيات أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر كما قاله ابن كثير رحمه الله.
ما هي مناسبة توسط آية الدعاء بين آيات الصيام؟
السؤال 622924
ما هي مناسبة توسط آية الدعاء (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) بين آيات الصيام؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
تلمس بعض أهل العلم المناسبات في ترتيب الآيات وارتباطها بما قبله وبعدها، وهذا أمر لا قطع فيه، وإنما هو محاولة لإبراز بعض مظاهر الإعجاز القرآني، وقد يكون ما ذكروه من المناسبات قريبا، وتظهر فيه المناسبة، وقد يكون في بعضه تكلف.
والأمر في هذا يسير، فالقائلون به يرونه اجتهادا في تلمس مظهر من مظاهر الإعجاز، ولا ينزلونه منزلة التفسير المطابق للفظ الآية، ونظامها.
وتوسط بعضهم، فقال به إذا لم يكن فيه تكلف.
قال الفخر الرازي رحمه الله:
"أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط" "تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير" (10/ 110):
وقال الإمام أبو بكر ابن العربي، رحمه الله:
«فإن قيل: فما وجه ذكره لقوله: واتقوا الله إن الله سريع الحساب مع هذه الآية، وليس بينهما ارتباط في الظاهر؟
الجواب: إن ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة البيان علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد؛ عمل منه "سورة البقرة"، ثم فتح الله لنا فيه، فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة؛ ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه". انتهى، من "سراج المريدين في سبيل الدين" (4/ 144).
ومن أنكره من العلماء حمله على ذلك التكلف في كثير مما يقال في ذلك، مما لا يظهر فيه وجه مناسبة.
قال العز ابن عبد السلام رحمه الله:
"المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام: أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره.
فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر. ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك، يصان عنه حسن الحديث، فضلا عن أحسنه. فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة، في أحكام مختلفة، ولأسباب مختلفة؛ وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض" انتهى من "البرهان في علوم القرآن" (1/ 37).
ثانياً:
أما مناسبة ذكر آية الدعاء بين آيات أحكام الصيام، فقد ذكر بعض أهل العلم معاني لطيفة في مناسبة توسط آية الدعاء بين آيات أحكام الصيام نذكر أبرزها وأوضحها.
قال ابن كثير رحمه الله:
"وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللةً بين أحكام الصيام:
إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده... عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة). فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله، وولده ودعا. انتهى "تفسير ابن كثير" (1/ 509).
وقال الرازي رحمه الله:
"المسألة الأولى: في كيفية اتصال هذه الآية (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)= بما قبلها، وجوه:
الأول: أنه تعالى لما قال، بعد إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه: (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [البقرة: 185]، فأمر العبد بعد التكبير، الذي هو الذكر، بالشكر= بيَّن أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد، مطلع على ذكره وشكره، فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه.
والثاني: أنه أمر بالتكبير أولا، ثم رغَّبه في الدعاء ثانيا، تنبيها على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدَّم عليه الثناء، فقال أولا:
(الذي خلقني فهو يهدين) [الشعراء: 78]، إلى قوله: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) [الشعراء: 82]، وكل هذا ثناء منه على الله تعالى. ثم شرع بعده في الدعاء فقال: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) [الشعراء: 83]؛ فكذا هاهنا أمر بالتكبير أولًا، ثم شرع بعده في الدعاء ثانيا" انتهى من "تفسير الرازي" (5/ 260).
وقال النيسابوري رحمه الله:
"قوله سبحانه: (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي) وجه اتصاله بما قبله: هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر، وبالشكر؛ نبههم على أنه مطَّلع على ذكرهم وشكرهم، فيسمع نداءهم، ويجيب دعاءهم، ولا يخيب رجاءهم.
أو أنه أمرهم بالثناء، ثم رغبهم في الدعاء؛ تعليما للمسألة، وتنبيها على حسن الطلب" انتهى من "تفسير النيسابوري" (1/ 505).
وقال البيضاوي رحمه الله:
"واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة، وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم، مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه" "تفسير البيضاوي" (1/ 125).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟