المحبة الجبلية الطبيعية للزوجة والولد ونحوها هي من فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي محمودة ما دامت في إطارها الشرعي، والكمال الحقيقي يكمن في تهذيب هذه المحبة وتوجيهها، وجعل محبة الله تعالى هي الحاكمة عليها والمقدمة عند التعارض.
هل من كمال المحبة لله التخلي عن المحبة الطبيعية؟
السؤال 627901
هناك نوع من المحبة، وهي: المحبة الجبلية الطبيعية؛ كحب الولد، وحب الزوجة، وحب المال، وما شابه، وبرغم أن الإنسان لا يُعاقب عليها، فهل الأكمل في ذلك أن لا يحب لا ولده ولا زوجته إلا لله فقط، فيحبهم بقدر قربهم من الله، وبقدر ما يقربوه لله، فيكون معياره الوحيد لله، ويتخلص من أي نوع حب أخر ولو مباح، ولو جبلي، فلا يرى إلا بنظرة الشريعة، ولا يرى إلا أن كل هؤلاء ما هم إلا وسائل للقرب لله عز وجل فقط، ولا يعتد بأي معايير أخرى، حتى ولو مباحة وطبيعية جبلية، فهل هذا أكمل الوجوه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
المحبة ليست نوعاً واحداً، بل هي مراتب وأنواع تتفاوت في حكمها ودرجتها فـ "محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته".
ومن المعلوم أن المحبة من حيث تعلقها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: محبة دينية شرعية تتعلق بالله تبارك وتعالى، وهذه على نوعين:
الأول: محبة أصلية تتعلق بذاته عز وجل وأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: محبة تابعة تتعلق بمحبوبات الرب تبارك وتعالى.
القسم الثاني: محبة دينية غير شرعية، وهي المحبة مع الله عز وجل، وهذه على نوعين:
الأول: محبة شركية تقدح في أصل التوحيد وتضاده وتناقضه، بل تذهبه بالكلية، ويخرج بسببها المرء عن دينه، ويصبح كافرًا بالله العظيم.
الثاني: محبة محرمة تقدح في كمال التوحيد الواجب، وتنقص من كمال الإخلاص، ولكنها لا تخرج من الإسلام.
القسم الثالث: محبة طبيعية خلقها الله في قلوب العباد وجبلهم عليها، وهذه إذا لم توصل إلى خير، ولا تسببت في شر لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب، كانت في حيز المباح.
ولمزيد من التفاصيل حول المحبة وأنواعها انظر جواب السؤال رقم (276).
ثانياً: هل الأكمل التخلص المحبة الطبيعية (الجبلية)؟
إن التصور الذي يرى أن الكمال يكمن في "التخلص من أي نوع حب آخر ولو مباحاً ولو طبيعياً جبلياً"، هو تصور غير صحيح. فالكمال ليس في اقتلاعها من القلب، فهذا أمر غير ممكن طبعاً، ولو كُلف به الناس لكان تكليفاً بما لا يطاق، بل الكمال في جعلها تابعة لمحبة الله.
فالمحبة الطبيعية: هي محبة فطرية، وميل يلائم طبع الإنسان جَبَلَ الله خلقه عليه؛ لما فيه من المنافع العظيمة، والمقاصد الشرعية، والحكم المرعية، ولكن قد يدخل ما هو محبوب لله في هذه المحبة فتكون محمودة، وقد يلابسها ما هو مبغوض لله فتكون مذمومة، كل ذلك بحسب نية صاحبها وقصده، وبحسب ما تؤول إليه هذه المودة والمحبة؛ فإن كانت نتائجها وما تؤدي إليه مما يحبه الله ويرضى عنه كانت محمودة، وأثيب عليها صاحبها، وإن أدت إلى محرم لا يرضاه الله ولا رسوله r كانت مذمومة، واستحق صاحبها العقاب، فإن لم تؤد إلى هذا ولا ذاك، كانت في حيّز المباح، وتحت حكم الجواز، فلم يتعلق بها مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب، وبعض أهل العلم يعبّر عنها بالمحبة المشتركة؛ أي: يشترك فيها جميع الخلق، فجعلها في مقابل المحبة الخاصة بالله تبارك وتعالى، وهي على أنواع كما سنذكر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (10/ 607): "والله تعالى خلق في النفوس حب الغذاء، وحب النساء، لما في ذلك من حفظ الأبدان، وبقاء الإنسان؛ فإنه لولا حب الغذاء لما أكل الناس ففسدت أبدانهم، ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل.
والمقصود بوجود ذلك: بقاء كل منهم، ليعبدوا الله وحده، ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره". انتهى.
ويقول ابن القيم رحمه الله في "الداء والدواء" (ص444): "وبقي قسم خامس: ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم، والزوجة والولد= فتلك لا تُذَمّ إلا إذا ألهَتْ عن ذكر الله، وشغلتْ عن محبته، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: 9]، وقال: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: 37]". انتهى.
فالمحبة الطبيعية إذن أصل فطري لا يُذم لذاته، وإنما يُنظر إلى آثاره ومآلاته، ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب، إلا أنها قد تؤثر فتنفع أو تضر صاحبها، ونفعها يحصل إن كانت سبباً في حصول الطاعة، وترك المعصية، كما أن ضررها يتحقق بخلاف ذلك؛ وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في "الروح" (2/ 709 ط عطاءات العلم): "فهذه المحبة -الفطرية الطبيعية- ثلاثة أنواع: فإن أحبَّها لله توصُّلًا بها إليه، واستعانةً على مرضاته وطاعته؛ أُثيب عليها، وكانت من قِسْم الحبِّ لله، فيثاب عليها، ويلتذُّ بالتمتع بها. وهذا حال أكمل الخلق الذي حُبِّب إليه من الدنيا: النساءُ والطيب، وكانت محبتُه لهما عونًا له على محبة الله وتبليغِ رسالاته والقيام بأمره.
وإن أحبَّها لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولم يؤثِرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي، كانت من قسم المباحات، ولم يعاقَبْ على ذلك، ولكن ينقصُ من كمال محبته لله والمحبة فيه.
وإن كانت هي مقصودَه ومرادَه، وسعيُه في تحصيلها والظفر بها، وقدَّمها على ما يحبُّه الله ويرضاه منه= كان ظالمًا لنفسه، متَّبعًا لهواه". انتهى.
ولمزيد من التفاصيل انظر جواب السؤال رقم (542379).
ثالثاً: وجه الكمال في المحبة، وكيفية توجيه المحبة الطبيعية (الجبلية):
الكمال الذي ينبغي أن يطمح إليه المؤمن في محبته لزوجته وولده في أمرين أساسيين:
1. ألا تقدم هذه المحبة على محبة الله ورسوله: وهذا هو المعيار الفارق بين المحبة المباحة والمحبة المذمومة.
2. أن تُصرف هذه المحبة لتكون "لله"، وفي "مرضاة الله"؛ وهذا هو التحدي الحقيقي ووجه الكمال.
يقول ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان" (2/ 863 ط عطاءات العلم): " فمن المحبة النافعة: محبة الزوجة وما ملكت يمينُ الرجل، فإنها مُعينة على ما شرع الله سبحانه له من النكاح وملك اليمين، من إعفاف الرجل نفسه وأهله، فلا تطمح نفسه إلى سواها من الحرام، ويُعِفّها فلا تطمح نفسها إلى غيره، وكلما كانت المحبة بين الزوجين أتمّ وأقوى، كان هذا المقصود أتمَّ وأكمل، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: ١٨٩]، وقال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]. وفي الصحيح عنه r أنه سئل: من أحبُّ الناس إليك؟ فقال: عائشة. ولهذا كان مسروق رحمه الله يقول إذا حدث عنها: حدثتني الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، حبيبة رسول الله r، الُمَبرَّأة من فوق سبع سماوات. وصحَّ عنه أنه قال: حُبّبَ إليّ من دنياكم: النساءُ والطيبُ، وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة.
فلا عيب على الرجل في محبته لأهله، وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبَّه وحبَّ رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة، وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة.
وكذلك كان رسول الله يحب الشراب البارد الحلو، ويحب الحلوى والعسل، ويحب الخيل، وكان أحبَّ الثياب إليه القميص، وكان يحب الدُّبَّاء، فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهمّ والقلب على التفرغ لمحبة الله.
فهذه محبة طبيعية تتبع نيّة صاحبها وقصده بفعل ما يحبه. فإن نوى به القوة على أمر الله تعالى وطاعته كانت قُرْبة، وإن فعل ذلك بحكم الطبع والميل المجرد لم يُثَبْ ولم يعاقب، وإن فاته درجةُ مَنْ فعله متقربًا به إلى الله". انتهى.
ويقول كذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "القول المفيد على كتاب التوحيد" (2/ 44): "القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:
النوع الأول: المحبة لله وفي الله، وذلك بأن يكون الجالب لها محبة الله، أي: كون الشيء محبوبا لله تعالى من أشخاص; كالأنبياء، والرسل، والصديقين، والشهداء، والصالحين. أو أعمال; كالصلاة، والزكاة، وأعمال الخير، أو غير ذلك. وهذا النوع تابع للقسم الأول الذي هو محبة الله.
النوع الثاني: محبة إشفاق ورحمة، وذلك كمحبة الولد، والصغار، والضعفاء، والمرضى.
النوع الثالث: محبة إجلال وتعظيم لا عبادة; كمحبة الإنسان لوالده، ولمعلمه، ولكبير من أهل الخير.
النوع الرابع: محبة طبيعية; كمحبة الطعام، والشراب، والملبس، والمركب، والمسكن.
وأشرف هذه الأنواع النوع الأول، والبقية من قسم المباح; إلا إذا اقترن بها ما يقتضي التعبد صارت عبادة; فالإنسان يحب والده محبة إجلال وتعظيم، وإذا اقترن بها أن يتعبد لله بهذا الحب؛ من أجل أن يقوم ببر والده، صارت عبادة، وكذلك يحب ولده محبة شفقة، وإذا اقترن بها ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد؛ صارت عبادة.
وكذلك المحبة الطبيعية; كالأكل والشرب، والملبس والمسكن؛ إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا "حبب للنبي النساء والطيب"، من هذه الدنيا; فحبب إليه النساء; لأن ذلك مقتضى الطبيعة، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب; لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين، والله طيب لا يقبل إلا طيبا.
فهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة؛ صارت عبادة، قال النبي r: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به; فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه". انتهى.
وتقسم المحبة المشتركة إلى أنواع كما ذكر ابن القيم رحمه في "طريق الهجرتين وباب السعادتين" (2/ 641): "والمحبّة المشتركة ثلاثة أنواع:
أحدها: محبّة طبيعية مشتركة، كمحبّة الجائع للطعام، والظمآن للماءِ، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثاني: محبّةُ رحمةٍ وإشفاقٍ، كمحبّة الوالد لولده الطفل، ونحوها. وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثالث: محبّة أنسٍ وإلفٍ، وهي محبّة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبّة الإخوة بعضهم بعضًا.
فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبّة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبَّة اللَّه. ولهذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحبّ الحلواءَ والعسل، وكان أحبّ الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحبّ اللحم إليه الذراع. وكان يحبّ نساءَه، وكانت عائشة رضي الله عنها أحبَّهنَّ إليه. وكان يحبّ أصحابه، وأحبُّهم إليه الصدِّيق رضي الله عنه". انتهى.
ولمزيد من التفاصيل حول المحبة وأنواعها وأحكامها انظر جواب السؤال رقم (305166)، ورقم (254485)، ورقم (257654)، ورقم (154606)، ورقم (949).
الحاصل:
الأكمل في حقك -أيها السائل الكريم- أن تجعل هذا المحبة "قنطرة" لمحبة الله، ووسيلة لزيادة قربك منه. فأحب زوجتك وولدك حباً طبيعياً، وارحمهم، وأحسن إليهم، وقم بحقوقهم على الوجه الأكمل، واجعل معيارك في "التقديم والإيثار" هو الله عز وجل. فإذا رأيت من ولدك أو زوجتك طاعة لله، زاد حبك لهما، وإذا رأيت منهما تقصيراً في حق الله، أبغضت فعلهما، وبذلك تجتمع في قلبك أنواع المحبة وتنتظم تحت سلطان محبة الله عز وجل، وتكون حياتك كلها لله.
وعليه؛ فاجتهد في أن تكون محبتك الجبلية عوناً لك على طاعة الله، ولا تكلّف نفسك ما لم يكلّفك الله به من التخلص من المشاعر الفطرية، فإنما يُطالب العبد بعمل قلبه وجوارحه، لا بما جُبل عليه من غير اختيار. وهذا هو عين الكمال الذي أرادته الشريعة، وهو توجيه الفطرة السليمة نحو مرضاة الله، لا مصادمتها.
ولمزيد من الفائدة حول موضوع المحبة ينظر كتاب: القواعد في توحيد العبادة للدكتور محمد باجسير(1/ 558)
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟