الاختلاف في التفسير واقع، ولكنه ليس على وجه واحد، فكثيرا ما يكون اختلاف المفسرين اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، وهو الغالب في كلام السلف. وهذا لا اشكال فيه، فكل مفسر نظر للآية من جهة مختلفة، كما هو الحال في تفسيرهم لقوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم).
فمنهم من فسر الصراط المستقيم بالقرآن، ومنهم من فسره بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من فسره بالإسلام.
وهذا لا إشكال فيه؛ فكل التفسيرات التي ذكروها مؤداها واحد.
قال ابن كثير رحمه الله:
"اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول". انتهى من "تفسير ابن كثير"(1/137). وقد سبق بيان ذلك مفصلاً في الموقع فيرجع إليه (349173).
وأما النوع الثاني من الاختلاف: فهو اختلاف التضاد، ولهذا الاختلاف أسبابه المنطقية، وأبرز أسباب هذا الاختلاف:
- تفاوت المفسرين في معرفة السنة النبوية
وذلك أنه قد لا يبلغ الحديث أحد الصحابة أو التابعين، فيجتهد في المسألة، فيدلي برأي مخالف لما قال به النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يتراجع عن رأيه حين يصله الحديث.
مثال ذلك: اختلاف بعض الصحابة في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت حملها، هل تنقضي عدتها بوضع الحمل، فينطبق عليها قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) (الطلاق:4)؟ أو تعتد بأربعة أشهر وعشراً، وهي عدة المتوفي عنها زوجها، كما في قوله سبحانه: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (البقرة:234)، فقد رأى ابن عباس رضي الله عنهما أن المتوفى عنها زوجها: إذا كانت حاملاً، تعتد بأبعد الأجلين، ورأى ابن مسعود أنها إذا وضعت حملها قبل تمام الأربعة أشهر وعشر، فعدتها بوضع الحمل.
- اختلافهم في أسباب النزول
اختلافهم في أسباب النزول: مثاله الآيات الواردة في صدر سورة التحريم؛ وقد نزلت تعقيباً على ما حدث في بيت النبوة، حين حرَّم رسول الله على نفسه شيئاً أحله الله له، وأسر بذلك إلى إحدى زوجاته، فنبأت به عائشة رضي الله عنها، فنزل القرآن الكريم بآيات بينات فيها عتاب لرسول الله، وتوجيه لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن. وقد وردت روايات متعددة في أسباب نزول صدر سورة التحريم، ورد في بعضها أن الآيات نزلت في قصة تحريم الرسول شرب العسل على نفسه، وبعضها في قصة تحريمه أم إبراهيم "مارية القبطية" على نفسه.
- مراعاة السياق
فبعض المفسرين يفسر الآية مراعيًّا للسياق الذي وردت فيه، وبعضهم يفسرها مراعيا مدلولات ألفاظ الآية في نفسها، وبعضهم يستحضر سبب النزول، وهكذا.
مثال ذلك قوله عز وجل: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة:195)، فقد قيل في المراد بالإلقاء في (التهلكة) أقوال عديدة، بيد أن السياق يرجح أن المراد -كما اختار الطبري- الأمر بالإنفاق في سبيل الله، والنهي عن ترك النفقة فيها؛ لأن ترك النفقة في سبيل الله مستوجب لعذابه سبحانه. وهذا الاختيار للمراد من الإلقاء في (التهلكة) مستفاد من سياق الآيات.
- الاشتراك اللغوي
ما كان الاختلاف فيه راجعاً إلى احتمال اللفظ أمرين، أو أكثر، وهو ما يسمى بالاشتراك اللغوي، كلفظ (قسورة) في قوله تعالى: (فرت من قسورة) (المدثر:51)، فيُحتمل أن يراد به الرامي، ويُحتمل أن يراد به الأسد.
ويكثر ذلك من الألفاظ المشتركة، التي اتحد لفظها واختلف معناها، كلفظ (القرء)، فإنه يطلق على الحيض، ويطلق أيضا على الطهر؛ فلأجل ذلك اختلفوا في معناه.
5-الاختلاف في العموم والخصوص
مثال ذلك اختلافهم في تفسير قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات) (البقرة:221): فمن المعلوم أن النصرانيات واليهوديات مشركات، لكنهن لا يدخلن في عموم هذه الآية، بدليل قوله تعالى في سورة المائدة: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (المائدة:5).
فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله سبحانه: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) قال: نُسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب، أحلهن للمسلمين، وحرم المسلمات على رجالهم.
وذهب فريق إلى أن الآية على عمومها، يدخل فيها كل مشركة من أي أصناف الشرك كانت، غير مخصوص منها مشركة دون مشركة، وثنية كانت، أو مجوسية أو كتابية، ولا نسخ منها شيء.
- الاختلاف في الإطلاق والتقييد
و(الإطلاق) تناول واحد غير معين، و(التقييد) تناول واحد معين، أو موصوف بوصف زائد؛ فقد يري بعض المفسرين بقاء المطلق على إطلاقه، ويرى آخرون تقييد هذا المطلق بقيد ما.
من ذلك: عتق الرقبة في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، فقد وردت في كفارة اليمين مطلقة في قوله تعالى: (أو تحرير رقبة) (المائدة:89)، ووردت مقيدة في كفارة القتل الخطأ، في قوله عز وجل: (فتحرير رقبة مؤمنة) (النساء:92).
فحَمَلَ بعض المفسرين المطلق على المقيد، وقالوا: لا تجزئ الرقبة الكافرة. وأبقى بعضهم المطلق على إطلاقه، فقالوا: تجزئ أي رقبة مؤمنة أو غير مؤمنة.
- الاختلاف في القول بالنسخ
فقد يقول بعض المفسرين بالنسخ لمجرد التعارض، ولو أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لما وجدوا تعارضاً بين النصوص يدعو إلى القول بالنسخ، فإعمال النص خير من إهماله، ولقد توسع المتقدمون في إطلاق التعبير بـ"النسخ"، حتى أدخلوا فيه ما ليس منه، فاعتبروا التخصيص والبيان والتقييد من قبيل النسخ؛ وإن لم يكن ذلك حقيقة النسخ، بحسب ما استقر عليه اصطلاحه.
قال ابن القيم: "ومن تأمل في كلامهم -يعني المتقدمين- رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وذهب عنه به إشكالات، أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر".
والمثال على هذا الاختلاف اختلافهم في قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) (البقرة:256)، فقد قال فريق من أهل العلم: إن الآية منسوخة؛ لأنها نزلت قبل أن يفرض القتال.
والصواب: أن الآية غير منسوخة.
- اختلاف القراءات القرآنية
نحو قوله تعالى: (وقالت هيت لك): قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح التاء، (هِيتَ)، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء (هَيْتُ). وقرأ الباقون بفتح الهاء وسكون التاء (هَيتْ)، وقرأ هشام -كما روي عنه إبراهيم بن عباد- (هِئتُ) بكسر الهاء وضم التاء، أي: تهيأت لك.
ومدار القراءات حول معنى واحد وهو: هلم وأقبل، فلقد تهيأت لك.
- اختلافهم في فهم حروف المعاني
فقد يدل الحرف على أكثر من معنى، كما في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم) فقيل: (الباء) للملاصقة. وقيل: للتبعيض.
ومثال ذلك أيضاً اختلافهم في (من) الواردة في قوله تعالى: (وخلق منها زوجها) (النساء:1)؛ قيل: إنها تفيد التبعيض؛ لأن حواء خُلقت من بعض آدم عليه السلام. وقيل: إنها بيانية؛ لأن حواء خُلقت من جنس آدم، وخلقها الله من جنسه؛ لتتحقق الألفة والوئام والمودة، والانسجام؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل.
- الاختلاف في مرجع الضمير
مثاله قوله عز وجل: (إنه ربي أحسن) (يوسف:23)، فروي عن مجاهد أن الضمير يعود على (السيد)، يعني: زوج المرأة. وصحح أبو حيان عود الضمير إلى الله تعالى، أي: "إن الله ربي أحسن مثواي؛ إذ نجاني من الجب، وأقامني في أحسن مقام"، وهذا هو الراجح؛ لأن مراعاة يوسف عليه السلام لحقوق الله تعالى، وصونه لنعمه، يتضمن مراعاة حقوق العباد، وقوله تعالى في ختام الآية: (إنه لا يفلح الظالمون).
انظر: "أسباب اختلاف المفسرين للدكتور محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع".
وننصحك أيضا بمراجعة كتاب: "اختلاف السلف في التفسير، بين التنظير والتطبيق"، د. محمد صالح سليمان.
والله أعلم