الجمعة 13 محرّم 1446 - 19 يوليو 2024
العربية

اقتناء الكلب ولمسه وتقبيله

السؤال

الاحتفاظ بكلب يعدُّ من النجاسات، لكن إذا أبقى المسلم كلباً لمجرد حراسة البيت، وأبقاه خارجه، ووضعه في مكان في آخر المجمع، فكيف يمكنه أن يطهر نفسه؟ وما هو الحكم إذا لم يجد تراباً أو طيناً لينظف به نفسه؟ وهل يوجد هناك أية بدائل لتنظيف المسلم نفسه؟ في بعض الأحيان يقوم المذكور باصطحاب الكلب معه للجري، وهو يربت عليه، ويقبله... إلخ.

ملخص الجواب

لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لصيد أو حراسة ماشية وزرع، ويجوز اتخاذه لحراسة الدور بشرط أن تكون خارج المدينة وبشرط عدم توفر وسيلة أخرى، ولا ينبغي للمسلم تقليد الكفار في الركض مع الكلاب، ولمس فمه وتقبيله مسبب لأمراض كثيرة.

الحمد لله.

حكم اقتناء الكلاب

حرَّم الشرع المطهر على المسلم اقتناء الكلاب، وعاقب من خالف ذلك بنقصان حسناته بمقدار قيراط أو قيراطين كل يوم، وقد استثني من ذلك اقتناؤه للصيد ولحراسة الماشية ولحراسة الزرع.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أوْ صَيْدٍ، أوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) رواه مسلم (1575).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنِ اقْتَنَى كَلْباً إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أوْ ضَارِياً نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) رواه البخاري (5163) ومسلم (1574).

هل يجوز اقتناء الكلب لحراسة البيوت؟

قال النووي رحمه الله:

"اختلف في جواز اقتنائه لغير هذه الأمور الثلاثة كحفظ الدور والدروب، والراجح: جوازه قياساً على الثلاثة عملاً بالعلَّة المفهومة من الحديث وهي: الحاجة" انتهى من "شرح مسلم" (10/236).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"وعلى هذا فالمنـزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أنْ يتخذ الكلب لحراسته، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرماً لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان، فعليهم أنْ يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه، وأما لو كان هذا البيت في البر خالياً ليس حوله أحدٌ فإنَّه يجوز أنْ يقتني الكلب لحراسة البيت ومَن فيه، وحراسةُ أهلِ البيت أبلغُ في الحفاظ مِن حراسة المواشي والحرث" انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (4/246).

وفي التوفيق بين رواية "القيراط" و"القيراطين" أقوال:

قال الحافظ العيني رحمه الله:

  • يجوز أنْ يكونا في نوعين مِن الكلاب، أحدُهما أشدُّ إيذاءً.

  • وقيل: القيراطان في المدن والقرى، والقيراط في البوادي.

  • وقيل: هما في زمانين، ذكر القيراط أولاً، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين. "عمدة القاري" (12/158).

هل الكلب نجس؟

وأما قول السائل: "الاحتفاظ بكلب يعدُّ من النجاسات" فهو غير صحيح على إطلاقه؛ إذ النجاسة ليست في ذات الكلب بل في ريقه حين يشرب من إناء، فمن لمس كلباً أو لمسه كلب فإنه لا يجب عليه تطهير نفسه لا بتراب ولا بماء، فإن شرب الكلب من إناء فإنه يجب عليه إراقة الماء وغسله سبع مرات بالماء وثامنة بالتراب إن كان يريد استعماله، فإن جعله خاصّاً للكلب لم يلزمه تطهيره.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (طُهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ) رواه مسلم (279).

وفي رواية لمسلم (280): (إِذَا وَلَغَ الكُلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"وأما الكلب فقد تنازع العلماء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه طاهرٌ حتى ريقه، وهذا هو مذهب مالك. والثانـي: نجس حتى شعره، وهذا هو مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثالث: شعره طاهـر، وريقه نجسٌ، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه.

وهذا أصحُّ الأقوال، فإذا أصاب الثوبَ أو البدنَ رطوبةُ شعره لم ينجس بذلك" انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/530).

وقال في موضعٍ آخر:

"وذلك لأنَّ الأصل في الأعيان الطهارة، فلا يجوز تنجيس شيء ولا تحريمه إلا بدليلٍ؛ كما قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُّرِرْتُم إِلَيْهِ) الأنعام/119، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُم حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ) التوبة/115... وإذا كان كذلك: فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: (طُهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعاً، أولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ)، وفي الحديث الآخر: (إذَا وَلَغَ الكَلْبُ…) فأحاديثُه كلُّها ليس فيها إلا ذكر الولوغ لم يذكر سائر الأجزاء، فتنجيسها إنما هو بالقياس...

وأيضاً: فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رخَّص في اقتناء كلب الصيد والماشية والحرث، ولا بد لمن اقتناه أنْ يصيبه رطوبةُ شعوره كما يصيبه رطوبةُ البغل والحمار وغير ذلك، فالقول بنجاسة شعورها والحال هذه من الحرج المرفوع عن الأمة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (21 /217، 219).

والأحوط: أنه إن مس الكلب وعلى يده رطوبة، أو على الكلب رطوبة أن يغسلها سبع مرات إحداهن بالتراب، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"وأما مس هذا الكلب فإن كان مسه بدون رطوبة فإنه لا ينجس اليد، وإن كان مسه برطوبة فإن هذا يوجب تنجيس اليد على رأي كثير من أهل العلم، ويجب غسل اليد بعده سبع مرات، إحداهن بالتراب" انتهى من "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (11/246).

كيفية تطهير نجاسة الكلب

وأما كيفية تطهير نجاسة الكلب، فقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال: (41090)، (46314).

وأن الواجب غسل نجاسة الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، ومع وجود التراب فالواجب استعماله، ولا يجزئ غيره، أما إذا لم يجد تراباً، فلا حرج من استعمال غيره من المنظفات كالصابون.

هل يجوز تقبيل الكلاب؟

وما ذكره السائل من تقبيل الكلاب فهو مسبب لأمراض كثيرة، والأمراض التي تصيب الإنسان نتيجة مخالفة الشرع بتقبيل الكلاب أو الشرب من آنيتها قبل تطهيرها كثيرة.

ومنها: "مرض الباستريلا " وهو مرضٌ بكتيري، يوجد السبب المرضي له طبيعياً في الجهاز التنفسي العلوي للإنسان والحيوانات، وتحت ظروفٍ خاصَّةٍ يغزو هذا الجرثوم الجسم محُدِثاً المرض.

ومنها: "الأكياس المائية" وهو من الأمراض الطفيلية التي تصيب الأحشاء الداخلية للإنسان والحيوان، وتكون أعلى إصابة لها في الكبد والرئتين، يليها التجويف البطني، وبقية أعضاء الجسم.

ويسبب هذا المرض دودة شريطية تُسَّمى (ايكاينكوس كرانيلوسيس) وهي دودة صغيرة طول البالغة منها (2 – 9) ملم، تتكون مِن ثلاث قطعٍ، ورأس، ورقبة، ويكون الرأس مزوداً بأربع ممصات.

وتعيش الديدان البالغة في أمعاء المضائف النهائية، المتمثلة بالكلاب والقطط والثعالب والذئاب.

وينتقل هذا المرض إلى الإنسان المولع بتربية الكلاب، حين يقبله، أو يشرب مِن إنائه.

انظر كتاب: "أمراض الحيوانات الأليفة التي تصيب الإنسان" للدكتور علي إسماعيل عبيد السنافي.

والخلاصة: لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لصيد أو حراسة ماشية وزرع، ويجوز اتخاذه لحراسة الدور بشرط أن تكون خارج المدينة وبشرط عدم توفر وسيلة أخرى، ولا ينبغي للمسلم تقليد الكفار في الركض مع الكلاب، ولمس فمه وتقبيله مسبب لأمراض كثيرة.

والحمد لله على هذه الشريعة الكاملة المطهرة، والتي جاءت لإصلاح دين ودنيا الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: الإسلام سؤال وجواب