هذا تحذير من الإكثار من المحرمات الصغائر، مع ترك التوبة منها، توبة مخصوصة، اغترارا بأداء الفرائض التي تكفِّر هذه الصغائر، فإن تكفير الصغائر بالفرائض ليس مطلقا، بل له شروط وموانع، إذا فقد منها شيء، بقي العبد عرضة لأن يؤخذ بتلك الصغائر الكثيرة التي لم يتب منها، فيهلك حينئذ.
إذا كان ترك الكبائر يكفِّر الصغائر، فكيف يقال إن كثرتها تهلك صاحبها؟
السؤال: 585901
أرى أنه تناقض ظاهري صريح بين حديث: (إياكم ومحقرات الذنوب)، ووعد الله بأن يغفر السيئات، والأحاديث الكثيرة، التي مثل: الصلاة إلى الصلاة تمحو الذنوب الصغيرة، ومن المستبعد قول العلماء الذين يقولون بأن مقصد الحديث إذا استحقر الذنب صار ذنبا أعظم؛ لأنه إذا كان ذلك هو المقصد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى، ويقول: إياكم واستحقار الذنب، وليس مستحقرات الذنوب؛ لأنه هكذا نهى عن الذنب الذي يستحقر، ولم ينه عن استحقارها في الحديث، ولا يمكن أن يكون المقصد الذين يصرون؛ لأن المصر هو الذي يستمر على الذنب ولا يتوب، فإذا كان المقصود أن السيئات ستكفر فقط بالتوبة، فالآية والحديث واضحان، ولم يذكرا ذلك، وعندما اشترط الله تعالى لتكفير السيئات باجتناب الكبائر لم يذكر شرط التوبة معه، ولو كان كذلك لذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وفي جميع الأحاديث إنها تمحوها مع التوبة، ولا يمكن أيضا أن يكون المقصد إذا أذنب العبد كثيرا من الذنوب الصغيرة، وقتها ممكن أن يهلكه؛ لأن الحديث صريح أن الصلاة إلى الصلاة تكفر الذنوب الصغيرة، وباقي الأحاديث أيضا، فلا يلحق الذنوب الصغيرة أن يتكاثر أصلا إذا كان العبد محافظا على صلاته، فكيف نجمع بين أحاديث وآيات صريحة أن الذنوب الصغيرة تكفر إذا اجتنبنا الكبائر، وتكفر من صلاة إلى صلاة، ومن جمعة إلى جمعة، وصيام، وكل هذه الأحاديث.
أرجو أن توضحوا لي جيدا، وأعذروني على الإطالة؛ لأنني أريد جمعا يقنعني.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر هو صريح دلالة القرآن والسنة الصحيحة، وقد قضى الله تعالى أن من اجتنب كبائر الذنوب فإنه يكفر عنه صغائرها، وهو ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا.
كما في قول الله تبارك وتعالى: إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين، وعَدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات؛ غفر لهم جميع الذنوب والسيئات، وأدخلهم مدخلًا كريمًا كثير الخير، وهو الجنة المشتملة على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ويدخل في اجتناب الكبائر: فعلُ الفرائض التي يكون تاركها مرتكبًا كبيرةً، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصوم رمضان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفِّرات لما بينهما، ما اجتنبت الكبائر).
وأحسن ما حُدَّت به الكبائر؛ أن الكبيرة: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة، أو نفيُ إيمانٍ، أو ترتيبُ لعنةٍ أو غضبٍ عليه"، انتهى من "التفسير" (ص176).
ثانيًا:
روى أحمد في المسند (22808) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب! فإنما مثَل محقَّرات الذنوب كقومٍ نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (11/329)، وصحح إسناده محققو المسند، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (389).
قال العيني: "والمحقَّرات جمعُ (محقَّرة)، وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها"، انتهى من "عمدة القاري" (23/ 80).
وقد دل المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث على أن المراد: هو ما يُحتقَر ويُتهاوَن به من الذنوب الصغائر، لا الكبائر، وأن هذه المحرَّمات الصغائر، إذا أكثر منها العبدُ ولم يتب منها، فإن أثرَها يَعظُم، فإذا أُخذَ بها؛ هلك.
فاجتماع صغائر الذنوب الكثيرة؛ يحصل به ما لا يحصل بالذنب والاثنين، وذلك كما أن العود الواحد والعودين لا يوقد بهما نار كافية لإنضاج الخبزة؛ فإذا اجتمعت الأعواد، وشبت فيهن النار: أنضجت ... وأحرقت!!
ففي الحديث: التحذير من (أثر) اجتماع كثير الصغائر المحرَّمات بلا توبة، وأنَّ العبد إذا أُخِذ بها؛ أهلكته، وهذا يعني أنَّ اجتناب هذا العبد للكبائر، لم يكن كافيا لتكفير هذه المحرَّمات الصغائر، ولو في صورة من الصور.
ومن ثم: حمَل بعض أهل العلم معنى (الإهلاك بالصغائر) الوارد في الحديث على معنى أنَّ: الإكثار من هذه الصغائر المحرمات من غير توبة، يؤدي إلى الاعتياد على ارتكابها، وأن: "اعتيادها يؤدي إلى ارتكاب الكبائر، (من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)، فيكون الهلاك: بالكبائر التي تؤدي إليها الصغائر"، كما قال السندي في "حاشية المسند ط. الأوقاف القطرية" (3/331).
وعلى هذا المحمل: يؤول الأمر إلى أن "الإهلاك"، إنما يكون "حقيقة" و"فعلا" بـ"الكبائر"؛ غير أن هذه "المحقرات"، لما كانت هي معبر الكبائر، والطريق التي ولج العاصي إلى الكبائر منها؛ نسب الإهلاك إليها، لمكان "التسبب" فيه، ولو بوساطة غيرها.
ونظير ذلك قول ابن القيم: "ومن ها هنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أن القُبْلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت" انتهى من "الداء والدواء" (ص125).
مع أنه يجب التنبه: إلى أن هذه الصغائر هي أيضا: من جملة المحرَّمات، وقد جاء الأمر المخصوص بالتوبة منها، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
"قد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر، فقال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، إلى قوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وأمرَ بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، انتهى من "جامع العلوم والحكم" (1/ 446).
فإذا كان الله تعالى قد أمر بالتوبة من الصغائر أمرًا مخصوصًا، وحكم بأن الظالمين هم الذين لم يتوبوا منها؛ فلا شكَّ أن (ترك التوبة) من الصغائر المحرمات واعتيادها؛ له أثر في إفساد القلب، حتى إن وقع تكفيرها بمجرد اجتناب الكبائر، أي: بلا توبة مخصوصة، فمن أثرها أنها (بريد الكبائر) كما سبق.
وقد شرح العلماء أثر الذنوب على قلب الإنسان وتدينه لله تعالى، فمن ذلك قول ابن القيم رحمه الله:
"ومنها - وهو من أخوفها على العبد - أنها تُضعِف القلبَ عن إرادته، فتقوَى إرادةُ المعصية، وتضعُف إرادةُ التوبة، شيئًا فشيئًا، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذّابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، ممُصِرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنَتْه"، انتهى من "الجواب الكافي" (ص141).
فالمداوم على المعاصي الصغائر، المكثر منها، الذي لا يقصدها بتوبة مخصوصة: سالكٌ سبيلَ إضعاف إرادة قلبه للطاعة والتوبة، وسالك سبيل تقوية إرادته للمعصية والفسق، فهو ممن يحوم حول حمى الكبائر، ويوشك أن يقع فيه، فتوشك الصغائر المحرمات أن تتكاثر عليه، فبذلك تكون الصغائر سبب هلاكه.
وكذلك: فإن الصواب أن معنى الإصرار على الصغائر هو العزم وعقد القلب على إتيان المعصية، وإن لم يكثر من فعلها، لعارض أو لعدم القدرة، أو لمانع من أقدار الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة:
"والإصرار: هو العزم على العود، ومن أتى صغيرة وتاب منها، ثم عاد إليها، لم يكن قد أتى كبيرة"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (22/ 62).
وهذا العزم من أعمال القلب، وليس من أعمال الجوارح، فهذا العزم القلبي ذنب من ذنوب الباطن، ويُكْتَسب بإلف المعصية واعتيادها، الذي يحصل بالتكرار والإكثار عادة، حتى يصل إلى الأُنْس بالمعصية، والفرح بها، والحرص عليها، فيعزم على الاستمرار فيها.
قال السندي في "حاشيته على المسند" (3/331) في شرح حديث محقرات الذنوب:
(إما لأن اعتيادها يؤدي إلى ارتكاب الكبائر، من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فيكون الهلاك بالكبائر التي تؤدي إليها الصغائر...
وإما لأن اعتيادها يؤدي إلى قلة المبالاة بها، وهو يوجب الهلاك...
وإما لأن الإصرار على الصغيرة: كبيرة، وهو محمل الحديث).
ثالثًا:
ذهب بعض العلماء إلى أن الصغائر غير مقطوع بتكفيرها بمجرد أداء الفرائض، بل لا بد من الأداء على الكمال والإحسان، أي: لا بد من إقامة الفرائض حق الإقامة، لا مجرد أدائها، وأما مجرد الأداء بلا إحسان وإكمال، فهذا لا يُقطع معه بتكفير الصغائر.
وهو ما أشار إليه الحافظ ابن رجب إذ قال:
"قد يقال: لا يقطع بتكفيرها، لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال: جاءت مقيدةً بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة، وحينئذ؛ فلا يتحقق وجود حُسْن العمل الذي يوجب التكفير"، انتهى من "جامع العلوم والحكم" (1/ 447).
ومراده رحمه الله: أن الأحاديث التي من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تغش الكبائر) كما رواه مسلم (233)، جاء تقييدها بأحاديث أخرى، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة؛ إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها) رواه مسلم (227)، وقوله: (يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله) رواه مسلم (228)، فإن فيها اشتراط إحسان العمل، لا مجرد الأداء.
فالفريضة التي تقوى على تكفير الصغائر: لها شروط من الإحسان وحسن الإقامة، وليست كل فريضة، وكلما زاد ثواب العمل، وتكفيره للصغائر، كان المطلوب فيه من حسن الأداء أبلَغ وأقوى.
ونظير ذلك: الصوم؛ فقد جاء البيان مصرحا: أن الصوم الذي ينفع صاحبه ، وتترتب عليه آثاره: إنما هو الصوم الكامل، عن المفطرات، وعن المعاصي أيضا.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ رواه البخاري ( 1804 ) .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " ليس الصيام من الشراب والطعام وحده ، ولكنه من الكذب والباطل واللغو.
ولهذا ذكر بعض السلف أن الصوم إنما يكون "جُنَّة" لصاحبه، إذا كان يحافظ على سلامته، وتلك حال الجنة التي تقي صاحبها من طعن عدوه.
قالت حفصة بنت سيرين رحمها الله : الصيام جُنَّة ، ما لم يخرقها صاحبها ، وخرقها الغيبة !
وينظر جواب السؤال رقم: (66699).
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه؛ غفِر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري (159)، ومسلم (226)، فلا بد من الإحسان في الوضوء، وألا يحدث نفسه بشيء في الصلاة، حتى يغفر له ما تقدم من ذنبه، وهذه مغفرة أوسع من مغفرة ما بين الفريضتين.
وقال ابن القيم رحمه الله:
"وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّراتٌ لما بينهنَّ، إذا اجتُنِبَت الكبائر).
وهذه الأعمال المكفِّرة لها ثلاث درجات". ثم ذكر أولى هذه الدرجات فقال رحمه الله: "أن تقصر عن تكفير الصغائر، لضعفِها، وضعفِ الإخلاص فيها، والقيام بحقوقها؛ بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الدّاء، كميّةً، وكيفيةً".
ثم قال رحمه الله: "تأمَّلْ هذا، فإنَّه يزيل عنك إشكالات كثيرة"، انتهى المراد نقله من "الجواب الكافي" (ص 289).
وشرح ابن القيم أيضًا هذا المعنى شرحًا حسنا في "الوابل الصيب"، فكان مما قاله رحمه الله في (ص17):
"ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، كما في "السنن" و"مسند الإمام أحمد" وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد ليصلي الصلاة وما كُتِب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خُمسها)، حتى بلغ عُشرها.
وينبغي أن يُعْلَم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فَتَفاضُلُ الأعمال عند الله تعالى بِتفاضُلِ ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة وتوابعها، وهذا العمل الكامل هو الذي يكفِّر تكفيرًا كاملًا، والناقصُ بِحَسَبِه.
وبهاتين القاعدتين تزول إشكالاتٌ كثيرة، وهما:
تفاضلُ الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان، وتكفيرُ العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه.
وبهذا يزول الإشكال الذي يورده من نَقَص حظُّه من هذا الباب، على الحديث الذي فيه: إن صوم يوم عرفة يُكَفِّر سنتين، ويوم عاشوراء يُكَفِّر سنة، قالوا: فإذا كان دأبه دائمًا أنه يصوم يوم عرفة، فصامه، وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة؟
وأجاب بعضهم عن هذا: بأن ما فَضَلَ عن التكفير؛ ينال به الدرجات.
ويالله العجب! فليت العبد إذا أتى بهذه المكفِّرات كلِّها، أن تُكَفَّر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض!
والتكفيرُ بهذه مشروطٌ بشروطٍ، موقوفٌ على انتفاء موانع في العمل وخارجه، فإنْ عَلِم العبد أنه جاء بالشروط كلِّها، وانتفت عنه الموانع كلُّها، فحينئذ يقع التكفير.
وأما عَمَلٌ شَمِلتْهُ الغفلة، أو لأكثره، وفَقَدَ الإخلاص، الذي هو رُوحه ولُبُّه، ولم يُوف حَقّه، ولم يقدّره حق قدره = فأيُّ شيء يكفِّر هذا العمل؟!
فإنْ وثق العبد من عمله، بأنه وفّاه حقَّه الذي ينبغي له ظاهرًا وباطنًا، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره، ولا مُبْطِل يحبطه؛ من عُجْبٍ، أو رؤيةِ نفسه فيه، أو مَنٍّ به، أو يطلب من العباد تعظيمه به، أو يستشرف بقلبه لمن يعظِّمه عليه، أو يُعادي من لا يعظمه عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته فهذا أيُّ شيء يُكَفِّر؟!
ومحبطاتُ الأعمال ومفسداتُها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه ..."، انتهى المقصود نقله، ويراجع سائره وسباقه ولحاقه، فإنه نفيس.
والمقصود هنا:
أن مما يصح أن يحمل عليه حديث: (إياكم ومحقرات الذنوب)، أن يقال:
هذا تحذير من الإكثار من المحرمات الصغائر، مع ترك التوبة منها، توبة مخصوصة، اغترارا بأداء الفرائض التي تكفِّر هذه الصغائر، فإن تكفير الصغائر بالفرائض ليس مطلقا، بل له شروط وموانع، إذا فقد منها شيء، بقي العبد عرضة لأن يؤخذ بتلك الصغائر الكثيرة التي لم يتب منها، فيهلك حينئذ، فالسلامة في التوبة منها، والحرص على عدم إتيانها من الأصل؛ وعلى حد قول القائل:
إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ سَلْمَى وَجَارَتهَا … أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَى حَالِ بِوَادِيْهَا
وكذلك؛ فإن من أتم الفرائض وحسّنها واستكملها، فإن حرصه على تمام الأجر يمنعه عن الذنوب، وقد قال الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
قال الشيخ السعدي رحمه الله:
"والفحشاء: كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس، والمنكر: كل معصية تنكرها العقول والفطر.
ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر:
أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها"، انتهى من "تفسيره" (ص632).
ومحصَّل ما سبق:
1- أن الصغائر محرمات، وقد أمر الله تعالى بالتوبة منها، والاعتياد عليها يضعف القلب ويضعف إرادة التوبة فيه، ويقوي فيه إرادة المعصية، ثم قد يقع في الكبائر بسبب ذلك، ومن هنا كان الإكثار من الصغائر مهلكا، لأنه سبب الهلاك.
2- وليس كل فريضة توجب تكفير الذنوب الصغائر، بل لذلك شروط وموانع، ومن الشروط الإحسان وفي أدائها، وإقامتها حق الإقامة، وهذا قد لا يقدر عليه كثير من الناس، فحينئذ لا تقوى الفرائض على تكفير الصغائر، فالسلامة توجب على العبد أن يتجنب كل حرام، ولو كان صغيرة، وأن يتوب من كل صغيرة يستزله بها الشيطان أو نفسه الأمارة بالسوء.
وينظر جواب السؤال (587154)
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟