أولا:
قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا النساء/31
جاء في التفسير الوسيط - مجمع البحوث (2/ 800):
"المعنى: إِن تبتعدوا - أيها المسلمون - عن الذنوب الكبائر التي نهى الله عنها، وتوعدكم على فعلها، فأَطعتم الله ورسوله - كان ثمرة ذلك، أن نكفر عنكم سيئاتكم، ونستر عليكم معاصيَكم التي لم تبلغ حدَّ الكبيرة - بسبب هذه الطاعة، وندخِلَكُم دار النعيم حيث تقيمون فيها مكرمين، وتحْيَون فيها حياة لا يشوبها كدر ولا عناءٌ.
وهذا مظهر آخر من مظاهر الرحمة الإلهية الشاملة، يتمثل في هذا الوعد الكريم من الله لعباده المتقين .. وفي إِسباغ فضله عليهم بالثواب الجزيل، الذي يزيد أضعافا على ما يستحقون». انتهى.
وقال الإمام الطبري، رحمه الله: "فمن اجتنب الكبائر التي وعد الله مجتنبَها تكفيرَ ما عداها من سيئاته، وإدخاله مُدخلا كريمًا، وأدَّى فرائضه التي فرضها الله عليه= وجد الله لما وعده من وعدٍ منجزًا، وعلى الوفاء له ثابتًا". انتهى، من "تفسير الطبري" (8/ 254 ط التربية والتراث).
وقال الإمام النووي، رحمه الله، في قول الله عز وجل: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) النساء/30-31=:
«ومعنى الآية، والله أعلم: الذين يجتنبون المعاصي، غير اللمم؛ يُغفر لهم اللمم. كما في قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)؛ فمعنى الآيتين: أن اجتناب الكبائر، يُسقط الصغائر، وهي اللمم. وفسره ابن عباس بما في هذا الحديث؛ من النظر واللمس ونحوهما، وهو كما قال. هذا هو الصحيح في تفسير اللمم.
وقيل: أن يلم بالشيء ولا يفعله. وقيل: الميل إلى الذنب ولا يصر عليه. وقيل غيرُ ذلك، مما ليس بظاهر. واصل اللمم، والإلمام: الميل إلى الشيء وطلبه، من غير مداومة. والله اعلم». انتهى، من شرح النووي على مسلم (16/ 206).
وقال الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله: «أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ؛ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر؛ لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرًا.
فالفائدة من قولهم: يؤخذ بها؛ أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر، فهو تحت المشيئة والخطر». انتهى، من تفسير العثيمين: النساء (1/ 269).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود، رضي الله عنه: "إِنَّ فِي النِّسَاءِ لَخَمْسُ آيَاتٍ مَا يَسُرُّني بِهِنَّ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا مَرُّوا بِهَا يَعْرِفُونَهَا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كريمًا، وَقَوْلُهُ عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لدنه أجرًا عظيمًا، وَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دون ذلك لمن يشاء … الْآيَةَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يجد الله غفورًا رحيمًا".
رواه سعيد بن منصور في "كتاب التفسير" من "سننه" (659)، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (277)، قال الشيخ سعيد الحميد في التعليق على "سنن سعيد": "سنده ضعيف للانقطاع بين عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود وأبيه، وهو حسن لغيره".
ثانيًا:
استُشكل معنى هذه الآية الكريمة، وما دلت عليه من "تكفير السيئات"، التي هي "الصغائر"، كما يدل عليه المقابلة بين "كبائر ما تنهون عنه" و "سيئاتكم"= بأمرين:
الأمر الأول:ما جاء من الأحاديث في تكفير الأعمال الصالحة ومباني الإسلام العظام لما سواها من السيئات.
ومن ذلك: ما رواه مسلم (233) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ).
ومنه: ما رواه مسلم أيضا (1162)، عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله قال: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يكفر السنة التي قبله).
وقد تقرر أن الذي هذه الأعمال إنما تكفر "الصغائر" من الذنوب، وأما الكبائر: فإنها لا يكفرها إلا التوبة النصوح إلى رب العالمين. كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم (163383) ورقم (176290)
ووجه الإشكال: أنه إذا كانت الصغائر تكفر باجتناب الكبائر؛ فما الذي بقي لكي تكفره الصلوات الخمس، وصوم عرفة، ونحو ذلك من مكفرات الذنوب؟
واستشكل أيضا، مع معنى الآية: ما رواه أحمد في المسند (22808) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب! فإنما مثَل محقَّرات الذنوب كقومٍ نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (11/329)، وصحح إسناده محققو المسند، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (389).
قال العيني: "والمحقَّرات جمعُ (محقَّرة)، وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها"، انتهى من "عمدة القاري" (23/ 80).
ووجه الإشكال: أنه إذا كانت الصغائر تكَفَّر عن صاحبها باجتناب الكبائر؛ فما الذي بقي من محقرات الذنوب، حتى تهلك صاحبها؟!
وقد سبق الجواب مفصلا عن هذا الحديث، ومعناه، وتوجيه ما ذكر فيه من الترهيب من محقرات الأعمال، وما يُخاف على صاحبها، في جواب السؤال رقم (585901).
وأما آية النساء، وما يشبه معناها، فقد حملها أهل العلم على وجوه من المعاني، في بيان مرادها، ودفع الإشكال عن دلالتها:
الوجه الأول:
أن التكفير إنما يكون – حقيقة – بهذه الطاعات ونحوها من الأعمال العظيمة، التي من جملة فضائلها: تكفير الصغائر عن صاحبها. وأما "اجتناب الكبائر": فهو "شرط" في انتفاع العامل بهذه الرغيبة في أعماله، حتى تقوى على تكفير سيئاته؛ فإن "لم يجتنب الكبائر"؛ ضعفت أعماله عن مقام التكفير، وفاتت صاحبها تلك الفضيلة.
قال ابن عبد البر رحمه الله: «وهذا يبين لك ما ذكرنا، ويوضح لك أن الصغائر تكفَّر بالصلوات الخمس، لمن اجتنب الكبائر.
فيكون على هذا: معنى قول الله عز وجل: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم = الصغائر؛ بالصلاة والصوم والحج، وأداء الفرائض، وأعمال البر.
وإن لم تجتنبوا الكبائر، ولم تتوبوا منها: لم تنتفعوا بتكفير الصغائر؛ إذا واقعتم الموبقات المهلكات. والله أعلم». انتهى، من التمهيد - ابن عبد البر (3/ 155 ت بشار).
وقال ابن العربي: «قولُه: (خرجتْ كلُّ خطيئةٍ نَظر إليها مع الماءِ، أو مع آخِر قَطرِ الماء، حتَّى يخرُجَ نَقِيًّا من الذُّنُوبِ)= وإنّما هذا في الصّغائر دون الكبائر؛ لأنّ الله يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية؛ فجعل اجتناب الكبائر شرطًا في غفران ما دونها». انتهى، من المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 119).
وقال ابن القطان الفاسي، رحمه الله: «المتقرِّرَ هو أن الكبائر لا يكفِّرها إلَّا التَّوبة منها.
وأمَّا غير ذلك من الذنوب؛ فاختلف الناس فيه، هل يكفي في تكفيرها الطاعات، ما عدا التوبة منها، وأنها إذا أتبعت السيئة الحسنة مَحَتْها؟ أو لا بدَّ مع ذلك من ضمِّ التَّوبة إلى الطاعة؟.
والصحيح عندي: هو أن صغائر الذنوب مكفَّرة بالطاعة، إذا اجتُنبت الكبائر:
إما أن يكون كلُّ صِنف من أصناف الطاعات، يكفِّر أيَّ صنف فُرض وجوده من أصناف الصغائر.
وإمَّا أن يخصَّ صنفاً من الذنوب، صنف من الطاعات، من غير اشتراط ضميمة التوبة منها في ذلك». انتهى، من إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر (ص106).
الوجه الثاني:
أن التكفير يقع باجتناب الكبائر؛ لكن لا بد أن يكون مع ذلك "الاجتناب" والترك للكبائر؛ الإتيان بالطاعات، وفرائض الأعمال.
قال القرطبي، رحمه الله: «فالله تعالى يغفر الصغائر، باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب، وهي إقامة الفرائض.
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر.
وروى أبو حاتم البستي .. عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ثم قال: (والذي نفسي بيده) ثلاث مرات، ثم سكت. فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر السبع؛ إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة، حتى إنها لتصفق) ثم تلا (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)». انتهى، من تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (5/ 158).
وقال أبو عبد الله القرطبي، أيضا: «.. فدل القرآن على أن في الذنوب كبائر وصغائر، خلافًا لمن قال كلها كبائر، حسب ما بيناه في سورة النساء.
وأن الصغائر، كاللمسة والنظرة: تُكفّر باجتناب الكبائر؛ قطعًا، بوعده الصادق، وقوله الحق؛ لا أنه يجب عليه ذلك.
لكن: بضميمة أخرى إلى الاجتناب، وهي إقامة الفرائض، كما نص عليه الحديث...
على هذا جماعة أهل التأويل، وجماعة الفقهاء، وهو الصحيح في الباب». انتهى، من التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (1/ 220).
وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله:
"على تقدير ورود السؤال، فالتخلص منه بحمد الله سهل.
وذلك: أنه لا يتم اجتناب الكبائر، إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها، لم يعد مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر فوقف التكفير على فعلها. والله أعلم.
وقد فصل شيخنا الإمام البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة، فقال:
تنحصر في خمسة:
أحدها: أن لا يصدر منه شيء البتة؛ فهذا يُعاوَض برفع الدرجات.
ثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفَّر عنه جزما.
ثالثها: مثله، لكن مع الإصرار؛ فلا تكفر، إذا قلنا إن الإصرار على الصغائر كبيرة.
رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة، وصغائر.
خامسها: أن يأتي بكبائر، وصغائر، وهذا فيه نظر؛ يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر، بل تكفر الصغائر. ويحتمل أن لا تكفِّرَ شيئًا أصلا. والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته، لا يعمل به، فهنا لا تكفِّرُ شيئا؛ إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحض الكبائر، أو تكفر الصغائر؛ فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لدورانه بين الفصلين، فلا يعمل به». انتهى، من فتح الباري (2/ 12 ط السلفية).
الوجه الثالث، وهو قريب من السابقين:
أن أداء الفرض سبب للتكفير، لكن ليس على وجه الاستقلال، بل بانضمام السبب الآخر إليه، وهو اجتناب الكبائر؛ فكل منهما جزء علة التكفير، ولا يتم التكفير إلا باجتماعهما معا.
فليس هاهنا سبب، والآخر شرط له، بل هما جميعا متعاونان على التكفير. وما زاد من عمل صالح بعد ذلك، فإن الله لا يضيعه على صاحبه، بل يأجره عليه من فضله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: «هذا الشرط [=اجتناب الكبائر] جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ فأداء الفرائض، مع ترك الكبائر: مقتضٍ لتكفير السيئات.
وأما الأعمال الزائدة، من التطوعات: فلا بد أن يكون لها ثواب آخر». انتهى، من الإيمان الأوسط (ص339).
وقال ابن القيم، رحمه الله: "... كاتّكال بعضهم على صوم يوم عاشوراء، أو يوم عرفة، حتّى يقول بعضهم: يوم عاشوراء يكفّر ذنوب العام كلّها، ويبقى صوم يوم عرفة زيادة في الأجر؟!
ولم يدر هذا المغتر: أنّ صوم رمضان، والصلوات الخمس: أعظم وأجلّ من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء؛ وهي إنما تكفر ما بينها، إذا اجتُنِبَتْ الكبائر.
فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة: لا يقوى على تكفير الصغائر؛ إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموعُ الأمرين على تكفير الصغائر.
فكيف يكفِّر صومُ يومِ تطوّعٍ كلَّ كبيرة عملها العبد، وهو مصرّ عليها، غير تائب منها؟! هذا محال.
على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء مكفرًا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعًا من التكفير.
فإذا لم يصرّ على الكبائر، تساعدَ الصومُ، وعدمُ الإصرار، وتعاونا على عموم التكفير.
كما كان رمضان، والصلوات الخمس، مع اجتناب الكبائر، متساعدَين، متعاونَين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه قد قال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: 31].
فعُلم: أنّ جعل الشيء سببًا للتكفير، لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير. ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم، منه مع انفراد أحدهما. وكلّما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل".
وقيل، وهو الوجه الرابع:
أن "الاجتناب" المذكور في الآية الكريمة، ليس مرادا بها كل ترك للكبيرة، بل الترك والاجتناب الذي هو "توبة" من صاحبها؛ فإذا تاب العبد من "كبائر" ذنوبه؛ اندرجت الصغيرة في ضمن ذلك، وكفِّرت عن صاحبها، من غير اشتراط توبة خاصة بها.
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني، رحمه الله: «فإذا تاب المؤمن من الكبائر، اندرجت الصغائر في ضمنها؛ لقوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31].
ولكن لا يُطْمِعُ نفسه في ذلك، بل يجتهد في التوبة عن جميع الذنوب، كبيرها وصغيرها». انتهى، من الغنية لطالبي طريق الحق (1/ 230).
وقال أبو العباس القرطبي، رحمه الله: «وقوله: (إذا اجتنبت الكبائر): يدل على أن الكبائر إنما تغفر بالتوبة، المعبر عنها بالاجتناب، في قوله تعالى: إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم.
وقد تقدم القول في الكبائر: ما هي. فقوله: حتى يخرج نقيًّا من الذنوب يعني به: الصغائر.
ولا بُعدَ في أن يكون بعض الأشخاص تغفر له الكبائر والصغائر، بحسب ما يحضره من الإخلاص بالقلب، ويراعيه من الإحسان والأدب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». انتهى، من المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1/ 492).
وأقره على مجمل كلام الإمام المحقق ابن دقيق العيد، فقال بعدما ذكره: «وعلى ذهني أني سمعت بعضَهم يذكر الاتفاقَ على أن الكبائر لا تُغفر إلا بالتوبة، فإن صحَّ ذلك بطريق ثابت، فهو دليل على التخصيص الذي ذكروه.
وأما قوله: بالتوبة المعبَّر عنها بالاجتناب في قوله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31]= ففيه غَور، ينفي فيه مذهب المعتزلة، ويردُّه إلى مذهبه؛ ليحملَ المجاز في لفظة الاجتناب، وحملُها على التوبة». انتهى، من شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (4/ 617).
وقيل، وهو الوجه الخامس:
إن هذه الأعمال من شأنها أن تكفر عن صاحبها، ما عساه يكون عليه من ذنوب ولمم، لم يتب منه. فإن كان قد تاب توبة عامة، قبل عمل هذه الفضائل، وافترضنا -جدلاً- أنه ليس عليه ذنب تكفره؛ فهذا لم لا يمنع أن تكون هذه الأعمال مكفرات لما يصادفها من ذنب. ولعله أن ترفع درجته، ويعطى أجرا، كفاء هذا التكفير الذي فاته.
قال الإمام شهاب الدين القرافي، رحمه الله: «سؤال: قال العلماء: المراد بالتكفير الصغائر، وفي الكتاب العزيز: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم؛ فجعل اجتناب الكبائر مكفِّرًا. وروي أن الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن، وأن الجمعة كذلك، وأن رمضان كذلك. وإذا حصل التكفير بإحدى هذه، لا تكون الأخرى مكفرة؛ وإلا يلزم تحصيل الحاصل، وهو محال؟!
جوابه: معناه: أن كل واحد منها شأنُه التكفير؛ فإن فعل شيئا، كُفِّر؛ وإلا، فلا ينتفي كونُه من شأنه ذلك». انتهى، من الذخيرة للقرافي (2/ 530).
وقال علاء الدين ابن العطار، رحمه الله: «فإن قيل: اجتناب الكبائر مكفر للصغائر، في قوله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 31]، فإن اجتُنبت الكبائر، وكُفرت الصغائر، فما تكفر الصلوات الخمس، ورمضان، والحج والعمرة، والوضوء، وغير ذلك مما ذكر؟
قلنا: إنما جعلت مكفرة؛ إن وَجدت ما تكفره.
فإذا لم تجد ما تكفره؛ كانت رفعَ درجاتٍ لصاحبها. والله أعلم». انتهى، من العدة في شرح العمدة (3/ 1572).
ولمعرفة الفرق بين "الذنب" و"السيئة"، ومعرفة السبيل إلى تكفيرهما: ينظر جواب السؤال رقم (373662).
والخلاصة:
أن الله جل جلاله قد وعد عباده مغفرة سيئاتهم التي هي صغائر، ولو ماتوا عليها من غير توبة؛ بأمرين معا، يتعاونان على حصول هذه المغفرة، وهما: اجتناب كبائر الإثم والفواحش. والثاني: أداء فرائض الله تعالى التي فرضها على عباده، من الطهارة والصوم والصلاة ونحو ذلك.
والله أعلم.