أولًا:
هذه العبارة تنسب إلى أبي بكر الواسطي، رحمه الله.
وقد ترجم له الذهبي بقوله:
«محمد بن موسى، الأستاذ أبو بكر الفرغاني الزاهد، شيخ الصوفية.
نشأ بواسط، واستوطن مرو. وكان من أكابر تلامذة الجنيد والنوري.
قيل: لم يتكلم أحد في أصول التصوف قبله. وكان عالمًا بشريعة الإسلام، وله كلام نافع.
ومن كلامه: قد ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءات». انتهى، من "تاريخ الإسلام" (7/ 618 ت بشار).
وانظر: "طبقات الصوفية" (ص232)، "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" (10/ 349).
وقد نسب هذه العبارة إلى ابن الفرغاني – أبي بكر الواسطي -: الأستاذُ أبو القاسم القشيري، كما في "شرح أسماء الله الحسنى" له (74)، وعن القشيري: نقلها القاضي عياض، رحمه الله، ثم غير واحد من المصنفين.
قال القاضي عياض رحمه الله:
وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ الْمُحَقِّقِينَ: التَّوْحِيدُ: إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ، وَلَا مُعَطَّلَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ.
وَزَادَ هَذِهِ النُّكْتَةَ الْوَاسِطِيُّ رحمه الله بَيَانًا، وَهِيَ مَقْصُودُنَا، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَاتِهِ ذَاتٌ، وَلَا كَاسْمِهِ اسْمٌ، وَلَا كَفِعْلِهِ فِعْلٌ، وَلَا كَصِفَتِهِ صِفَةٌ؛ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُوَافَقَةِ اللَّفْظِ اللَّفْظَ.
وَجَلَّتِ الذَّاتُ الْقَدِيمَةُ أَنْ تَكُونَ لَهَا صِفَةٌ حَدِيثَةٌ، كَمَا اسْتَحَالَ أَنْ تَكُونَ لِلذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ رضي الله عنهم". انتهى، من "الشفا بتعريف حقوق المصطفى " (1/ 474).
ثانيًا:
(جلَّتِ الذاتُ القديمةُ أن يكون لها صفةٌ حديثةٌ، كما استحال أن يكون للذات المحدَثة صفةٌ قديمةٌ).
العنوان الأساس لهذه العبارة: هو ما سبق في كلام القاضي عياض، رحمه الله: التَّوْحِيدُ: إِثْبَاتُ ذَاتٍ غَيْرِ مُشْبِهَةٍ لِلذَّوَاتِ، وَلَا مُعَطَّلَةٍ عَنِ الصِّفَاتِ.
وهذا معنى صحيح، لا ريب فيه: أنه لا يصح لعبد توحيده حتى يؤمن بالله جل جلاله، ويثبت له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى؛ وكما أن ذاته سبحانه: لا تشبه الذوات؛ فكذلك صفاته، كل صفاته: لا تشبه أيا من صفات الخلائق.
وقد قال الله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) الشورى/11
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: "القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات" انتهى، من "التدمرية" (ص43).
ثالثًا:
زادت العبارة وجها تفصيليًّا، من وجوه مخالفة صفات الله جل جلاله، لصفات خلقه. قال:
(جلَّتِ) تقدَّست وتنزَّهت (الذات القديمة) وهي ذات الله تبارك وتعالى (أن يكون لها صفةٌ حديثةٌ) أي صفة مخلوقة، يتصف الله بها، أو حدثَتْ له بعد عدم؛ فصار ربنا تعالى موصوفا بها بعد أن كان غير موصوف بها؛ فهذا يتنزه الله جل جلاله عنه؛ فإنه كان ولا يزال، سميعا بصيرا، موصوفا بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، له الكمال من ذلك، أزلاً، وأبداً، سبحانه.
و(كما استحال) وامتنع (أن يكون للذات المحدَثة)، وهي كل ذات مخلوقة، وكل ما سوى الله مخلوق: (صفةٌ قديمةٌ)، لم تزَل؛ فإن المخلوق قد وُجد بعد أن كان عدمًا، وصفات المخلوق كلها تابعة له، فكلها صفات مخلوقة حادثة، بعد أن كانت عدما، فإن الصفة تتبع الموصوف.
فكيف يكون للمخلوق صفة قديمة، لم تزل؛ والموصوف بها: مخلوق، حادث؛ لم يكن قبل خلق الله له: شيئاً مذكوراً؟! هذا محال في العقول.
وعلى هذا المعنى الظاهر من العبارة: لا يكون فيها إشكال، ولا شيء من بدع النفاة، كما سيأتي زيادة بيان له؛ وقائلها ممن له علم بالشريعة، كما ذكروا في ترجمته، وتعظيم لحدودها، ثم هو متقدم الصحبة للشيوخ الأولين، ومات قبل أن تفشو بدع النفاة، ويأخذها عنهم الصوفية، وأرباب الطريق.
رابعا:
صفات الله تعالى الثابتة له عز وجل نوعان: صفات ذاتية، وصفات فعليَّة.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفا بها، كالعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة والعلو والعظمة، ومنها الصفات الخبرية: كالوجه واليدين والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعليةً، باعتبارين، كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"، انتهى من "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" (ص 25).
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بنصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، ويجرونها على ظاهرها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
فمذهب أهل السنة والجماعة في جميع صفات الله تعالى الذاتية والفعلية: أنه عز وجلَّ لم يكُن في وقت من الأوقات معطَّلًا عن صفة من صفاته تعالى، وأن صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين.
لكن الفرق بين الذاتية والفعلية، أن الصفات الذاتية هي صفات ملازمة لذات الله تعالى أزلا وأبدًا، لا تتجدّد تجدُّد الصفات الفعلية.
فأما الصفات الذاتية فهي الملازمة لذاته تعالى، لم يكن في وقت من الأوقات معطَّلًا عن العلم أو القدرة، أو الإرادة، أو الوجه، أو اليدين، أو غيرها من صفات ذاته تعالى.
وأما الصفات الفعلية، فإن الله تعالى إذا اختار ألَّا يفعلَ شيئًا، فهذا لا يعني أنه غير قادر على فعله، فإنه تعالى لم يزل قادرًا على الفعل والترك، ولا يزال قادرًا، فهو موصوف بالصفة من الأزل، وإلى الأبد.
أي: أن الله تعالى ما زال متمكنا من الكلام متى شاء، وبما شاء، وما زال قادرًا أن يخلق العرش متى شاء ثم يستوي عليه، سبحانه وتعالى، وإنما يختار الله تعالى الفعل ووقته، أو عدم الفعل؛ وفق حكمته تعالى، وكما يشاء سبحانه وتعالى، وعز وجل.
وهذا معنى قول أهل السنة في الصفات الفعلية: إنها قديمة النوع، أي: أنه تعالى لم يزل متمكنًا من الفعل والترك، قادرًا عليهما، فيختار ما يشاؤه تبارك وتعالى.
فإذا اختار أن يتكلم بكلمة مخصوصة، في وقت مخصوص، فاعلم أنه تعالى لم يكن قبل ذلك ممنوعًا من الكلام، ولم يجبره أحد على الكلام وقتَ أن تكلم، ولا أجبره أحد على كلام دون كلام، بل يتكلم بمشيئته واختياره تعالى؛ سبحانه وتعالى، وتقدست أسماؤه.
وكلماته تعالى المخصوصة التي تكلم بها في وقت المخصوص: حادثة متجدِّدة، أي: لم توجد إلا وقت أن تكلم الله بها، لا قبله، ولا بعده، فهذا معنى قول أهل السنة: إن الصفة الفعلية حادثة الآحاد، أو متجدِّدة.
وأما تمكن الله تعالى من الكلام وقدرته على الكلام، فهذه صفة قديمة أزليَّة، لا أوّل لها، فلا يوصف الله تعالى بالعجز عن الكلام في وقت من الأوقات.
ومثل ذلك يقال في جميع الصفات الفعلية، وهذا هو معنى قول أهل السنة والجماعة: الصفات الفعلية تتعلق بمشيئة رب العالمين، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها.
قال الإمام أبو عبد الله بن بطة رحمه الله:
"... لم يزل، ولا يزال الله، بصفاته واحدًا، وكذلك علم الله، وحكمة الله، وقدرة الله، وجميع صفات الله تعالى، وكذلك كلام الله عز وجل، فتفهَّموا حكمَ الله، فإن الله لم يزل بصفاته العليا وأسمائه الحسنى؛ عزيزًا، قديرًا، عليمًا، حكيمًا، ملكًا، متكلِّمًا، قويًّا، جبارًا، لم يخلق علمه، ولا عزه، ولا جبروته، ولا ملكه، ولا قوته، ولا قدرته، وإنما هذه صفات المخلوقين.
والجهمي الخبيث؛ ينفي الصفات عن الله، ويزعم أنه يريد بذلك أن ينفي عن الله التشبيه بخلقه، والجهمي الذي يشبه الله بخلقه لأنه يزعم أن الله عز وجل كان ولا علم، وكان ولا قدرة، وكان ولا عزة، وكان ولا سلطان، وكان ولا اسم حتى خلق لنفسه اسما، وهذه كلها صفات المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لأن [جميع] المخلوقين من بني آدم: كان ولا علم، خلقه الله جاهلًا ثم علَّمَه، قال الله عز وجل: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وكان ولا كلام حتى يطلق الله لسانه، وكان ولا قوة ولا عزة ولا سلطان؛ حتى يقوِّيه الله ويعزَّه ويسلطه، وهذه كلها صفات المخلوقين.
وكل من حدثَت صفاته، فمحدَث ذاته، ومن حدث ذاته وصفته؛ فإلى فناء حياته، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"، انتهى من "الإبانة الكبرى" (6/ 149).
واعلم أن العبارة المسئول عنها قد يذكرها بعض المتكلمين المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد، ويكون مرادهم نفيَ اختيار الله ومشيئته، وعدمَ تجدد أفعاله تعالى القائمة بذاته، سبحانه، فهم بذلك يعطِّلون صفاته تعالى الفعلية، وهو مذهب باطل، مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والسلف وأئمة السنة.
كما بيّنَّاه في الأجوبة: (341845)، و(305009)، و(482155).
والله أعلم.