66

ما المعنى المقصود من قوله تعالى: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ)؟

السؤال: 604520

في سورة البقرة , في قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف و أداء اليه باحسان , ما المقصود بالمعروف و احسان و لماذا الاولى جاءت معرفة ب ال و كلمة احسان جاءت نكرة

ملخص الجواب

قوله (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) خطاب لأولياء الدم الذين عفو عن القصاص إلى الدية أن يطلبوها بالمعروف من غير تعسف ولا شطط، وقوله (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) خطاب للجاني الذي عليه الدية أن يقوم بأدائها لأولياء الدم بإحسان من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

قال الله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ‌مِنْ ‌أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ البقرة/ 178.

في الآية الكريمة خطاب لأولياء الدم وخطاب للجاني.

أما الخطاب لأولياء الدم الذين عفوا عن القصاص إلى الدية أن يطلبوها بالمعروف من غير تعسف ولا شطط.

والخطاب الثاني للجاني الذي عليه الدية أن يقوم بأدائها لأولياء الدم بإحسان من غير مماطلة ولا تعب ولا بخس حق.

وعن عبد الله بن عباس -من طريق جابر بن زيد- فمن عفي له قال: هو العَمَد يرضى أهلُه بالدية؛ فاتباع بالمعروف أُمِر به الطالِب، وأداء إليه بإحسان قال: يُؤَدِّي المطلوبَ بإحسان"

وعن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: فاتباع بالمعروف يقول: فعلى الطالب اتِّباعٌ بالمعروف إذا قَبِل الدِّيَة، وأداء إليه بإحسان من القاتل في غير ضرورة ولا مَعْكٍ -يعني: المدافعة-" انتهى من "موسوعة التفسير المأثور" (3/ 289).

قال البغوي رحمه الله:

"قوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر المفسرين...، وقوله تعالى: فاتباع بالمعروف أي على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه، ووأداء إليه بإحسان أي على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه" انتهى من "تفسير البغوي - طيبة" (1/ 191).

وقال البيضاوي رحمه الله:

"والمراد به وصية العافي بأن يطلب الدية بالمعروف فلا يعنف، والمعفو عنه بأن يؤديها بالإِحسان: وهو أن لا يمطل ولا يبخس" "تفسير البيضاوي" (1/ 122).

وقال الشيخ السعدي رحمه الله:

"فإذا عفا عنه وجب على الولي، -أي: ولي المقتول- أن يتبع القاتل بِالْمَعْرُوفِ من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه.

وعلى القاتل أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان" انتهى من "تفسير السعدي" (ص84).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

وقوله تعالى: فمن عفي له: المعفو عنه القاتل؛ و من أخيه المراد به المقتول ــ أي من دم أخيه فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص؛ وحينئذ على العافي اتباع بالمعروف عند قبض الدية، بحيث لا يتبع عفوه منًّا، ولا أذًى؛ و شيء نكرة في سياق الشرط؛ فتعم كل شيء قليلاً كان، أو كثيراً.

وقوله تعالى: فاتباع خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب اتباع بالمعروف؛ والاتباع بالمعروف يكون على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يَتَّبعوا القاتل بالمعروف.

قوله تعالى: وأداء إليه أي على القاتل إيصال إلى العافي عن القصاص؛ وهي معطوفة على "اتباع"؛ والضمير في إليه يعود إلى العافي بإحسان؛ والمؤدَّى: ما وقع الاتفاق عليه.

قوله تعالى: بإحسان أي يكون الأداء بإحسان وافياً بدون مماطلة؛ والباء للمصاحبة - يعني أداءً مصحوباً بالإحسان - وإنما نص على "الإحسان" هنا؛ و "المعروف" هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا يكفّر عنه إلا الإحسان ليكون في مقابلة إساءته؛ أما أولئك العافون فإنهم لم يجنوا؛ بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية" انتهى من "تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة" (2/ 297).

ثانياً:

أما سؤالك: لِمَ جاءت (بِالْمَعْرُوفِ) مُعَرَّفةً بـ(أل)، بينما جاءت (بِإِحْسَانٍ) نكرةً؟

فلم نقف – فيما وقفنا عليه من مراجع – على تنبيهٍ صريحٍ لأئمة التفسير واللغة على هذه النكتة بعينها، غير أنّه يمكن أن يُلتمس – والله أعلم – وجهٌ حسنٌ في ذلك:

ففي تعريف (المعروف) بـ(أل) في قوله: (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) إشعار بأنه المعروف المعهود المستقر شرعًا وعرفًا بين الناس في باب المطالبة بالدية؛ لأن وليَّ الدم هو صاحبُ الطلب، وقد يحملُه الانفعال أو إرادة التشفي على الشطط والتغليظ في المطالبة، فجاء قيدُ (المعروف) ليحصر الاتباع في إطارٍ من العدل والرفق وما جرت به العادة المألوفة، فلا يُرهق الغريم ولا يتجاوز حدود المعاملة المعتادة.

وقد أشار الرازي إلى هذا المعنى فقال: “الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجري فيها على العادة المألوفة" انتهى من تفسير الرازي (5/ 228).

وفي مجيء (إحسان) نكرة في قوله: (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) إشارة – في الجملة – إلى إطلاق جنس الإحسان وتنوع صوره، أي: يؤدّي ما عليه على أكمل وجهٍ ممكن، فيدخل في ذلك: حسن الأداء، وعدم المماطلة، وطيب النفس، واجتناب المنّ أو الأذى، ونحو ذلك من وجوه البر.

ولو عُرِّفت (بالإحسان) لاحتمل أن ينصرف الذهن إلى إحسانٍ مخصوص أو متعيَّن، فجاءت نكرةً لتشمل وجوه الإحسان الممكنة.

والخلاصة:

أن المعروف: هو العدل والرفق في المطالبة على الوجه المتعارف عليه؛ ولذلك جيء به معرفًا.

والإحسان: هو حسن الأداء والقيام بالحق على أحسن حال؛ ولذلك جيء به نكرةً ليشمل وجوه الإحسان المتنوعة.

وللفائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع (416012) (205290) (444667).

والله أعلم

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android