أسماء الله تعالى لا حصر لها، وقد ثبت وصح منها الكثير، وإحصاء تسعة وتسعين اسما ثابتا منها أمر ممكن، فلا إشكال والحمد لله.
ما وجه ترتيب الفضل على إحصاء أسماء الله وهي غير محددة؟
السؤال: 605086
ورد في الحديث النبوي: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)، ولكن الإشكال أنه منذ ما يقرب من ١٥٠٠ عام، لسنا على يقين تام من قائمة هذه الأسماء التسعة والتسعين، ويبدو أن الأمر مجرد اجتهاد وتخمين، فهناك خلافٌ حول بعض الأسماء مثل العدل والماجد.
السؤال إذن:
ما الحكمة من ورود مثل هذا الحديث ما دامت الأسماء التسعة والتسعون المحددة والمنزلة من عند الله غير واضحة على وجه اليقين؟ فهذا الأمر قد يقودنا إلى الوقوع في الضلال من خلال دعاء الله بأسماء خاطئة، وهو ما يعني أنه لا يمكن لأحدٍ منا أن يستوفي شروط هذا الحديث على وجه الخصوص، نرجو التوضيح.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
روى البخاري (2736) ومسلم (2677) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
وليس هذا حصرا لأسماء الله تعالى في هذا العدد، بل أسماء الله تعالى لا حصر لها؛ لما روى أحمد (3704) عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا) فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: (بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (199).
فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ دليل على أن من أسماء الله تعالى الحسنى ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه، وهذا يدل على أنها أكثر من تسعة وتسعين.
لكن من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله تعالى، دخل الجنة.
قال النووي رحمه الله في "شرح صحيح مسلم" (17/ 5): "اتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ حَصْر لأَسْمَائِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاء غَيْر هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ، وَإِنَّمَا مَقْصُود الْحَدِيث: أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَة وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّة، فَالْمُرَاد الإِخْبَار عَنْ دُخُول الْجَنَّة بِإِحْصَائِهَا، لا الإِخْبَار بِحَصْرِ الأَسْمَاء" انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد؛ فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" فجعل أسماءه ثلاثة أقسام:
قسم سمى به نفسه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه.
وقسم أنزل به كتابه فتعرّف به إلى عباده.
وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدا من خلقه، ولهذا قال: (استأثرت به) أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: (فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن) رواه البخاري ومسلم، وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته ومنه قوله: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما" انتهى من "بدائع الفوائد" (1/ 293) طبعة عطاءات العلم.
وعلى هذا؛ فلا يقال: إن الإحصاء متعذر للخلاف في بعض الأسماء، بل الإحصاء ممكن لتسعة وتسعين اسما ثابتا،ـ من جمة أسماء كثيرة، فإن الأسماء التي تنسب إلى الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، منها الثابت ومنها غير الثابت.
ولأجل تقرر إمكان ذلك، ما زال العلماء والمصنفون يعتنون بجمع ذلك وضبطه.
ثانيا:
ثم إن عدم ثبوت تعيين هذه الأسماء التسعة والتسعين بالنص، لا يعني: أن ذلك يفتح بابا للضلال في تعيينها، كما في السؤال، معاذ الله؛ بل هو فتح لباب الاجتهاد في طلبها من الكتاب والسنة، وهذه عبودية لله، ثم الاجتهاد في التحري، في كل ما يغلب على ظن المكلف أنه من الأسماء الحسنى، فيعتني بإحصائه، ضبطا، وتعيينا، وذكرا، وتعبدا لله بمقتضاه؛ فيفتح أبوابا من العبودية والتعلق بالله وأسمائه وصفاته الحسنى، وعدم هجران شيء منها، ويفتح على العبد من أبواب المحامد والمعارف، ما لعله أنفع له من مجرد تعيين الأسماء.
ثم قس ذلك على ليلة القدر، وعظيم منزلتها في الشرع، وكان من حكمة الله في شرعه، ورحمته في قدره: أنه لم يعين لعباده هذه الليلة من ليالي العشر؛ فكان على الحريص الموفق أن يطلبها في كل ليالي العشر، لا يفتر فيها ليلة. وفي ذلك من أبواب الخير والفتوحات، ما لا يخفى على موفق. ولا يقال: إن ذلك يفتح باب الخلاف، أو الضلال، في طلبها، وتعيينها.
ثالثا:
أقرب ما وقفنا عليه في جمع الأسماء الحسنى، ما جمعه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه: "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى".
قال رحمه الله: "وقد جمعتُ تسعة وتسعين اسما مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن كتاب الله تعالى:
الله ... الأحد ... الأعلى ... الأكرم ... الإله ... الأول
الآخر ... الظاهر ... الباطن ... البارئ ... البر ... البصير
التواب ... الجبار ... الحافظ ... الحسيب ... الحفيظ ... الحفي
الحق ... المبين ... الحكيم ... الحليم ... الحميد ... الحي
القيوم ... الخبير ... الخالق ... الخلاق ... الرؤوف ... الرحمن
الرحيم ... الرزاق ... الرقيب ... السلام ... السميع ... الشاكر
الشكور ... الشهيد ... الصمد ... العالم ... العزيز ... العظيم
العفو ... العليم ... العلي ... الغفار ... الغفور ... الغني
الفتاح ... القادر ... القاهر ... القدوس ... القدير ... القريب
القوي ... القهار ... الكبير ... الكريم ... اللطيف ... المؤمن
المتعالي ... المتكبر ... المتين ... المجيب ... المجيد ... المحيط
المصور ... المقتدر ... المقيت ... الملك ... المليك ... المولى
المهيمن ... النصير ... الواحد ... الوارث ... الواسع ... الودود
الوكيل ... الولي ... الوهاب.
ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الجميل 1 الجواد 2 الحكم 3 الحييُ 4 الرب 5 الرفيق 6 السُّبوح 7 السيد 8 الشافي 9 الطيب 10 القابض 11 الباسط 12 المقدم 13 المؤخر 14 المحسن 15 المعطي 16 المنان 17 الوتر 18.
هذا ما اخترناه بالتتبع: واحد وثمانون اسما في كتاب الله تعالى، وثمانية عشر اسما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان عندنا تردد في إدخال (الحفي)، لأنه إنما ورد مقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً وكذلك (المحسن) لأننا لم نطلع على رواته في الطبراني، وقد ذكره شيخ الإسلام من الأسماء.
ومن أسماء الله تعالى ما يكون مضافا مثل: مالك الملك، ذي الجلال والإكرام" انتهى من "القواعد المثلى" ص 15
وقد رجحنا أن المحسن من أسماء الله تعالى، كما في جواب السؤال رقم: (155382).
وينبغي الانتباه لما ذكره الشيخ في آخر كلامه، وهو أن هناك أسماء مضافة، مثل مالك الملك، وذي الجلال الإكرام.
قال شيخ الإسلام: " وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة، وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين" انتهى من وينظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 485)، "تفسير السعدي"، ص 948
وعلى هذا؛ فيكون ما جمعه الشيخ ابن عثيمين من الأسماء الثابتة أكثر من تسعة وتسعة، أي إذا أضفنا لها الأسماء المضافة، كمالك الملك وأرحم الراحمين وذو الجلال والإكرام.
رابعا:
يحصل الخلاف بين العلماء في بعض الأسماء بناء على:
1 - ضابط ما يكون اسما، وما لا يكون.
فمن أهل العلم من يشترط أن يرد الاسم مطلقا، غير مقيد، وهذا هو الأظهر. وعليه؛ فلا يجعلون من أسمائه (الحفي)، لأنه ورد مقيدا في قوله تعالى: قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا مريم/47
ومثله: الغافر، والفاطر، والمنتقم.
2 - الخلاف في صحة دليل الاسم، كالمعز، والحنان، والبديع.
وينظر: جواب السؤال رقم: (307585)، ورقم: (531246)، ورقم: (531203).
ومن ذلك: اسم العدل، وقد " ورد ذكره في طريق الوليد بن مسلم عند التِّرمذيِّ، والطَّبرانيِّ، وابنِ حبَّان، وابنِ خزيمة، والبيهقيِّ، وابن منده، وفي جمع: 1- الخطابيِّ. 2- ابنِ منده. 3- الحليميِّ0 4- البيهقيِّ0 5- ابن العربيِّ. 6- القرطبيِّ. 7- ابنِ القيِّم. 8- السعديِّ. 9- الشرباصيِّ. 15 - نور الحسن خان" انتهى من "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى" للدكتور محمد بن خليفة التميمي، ص179
والطريق المذكورة في رواية الحديث: ضعيفة؛ لكن ما زال العلماء يتداولون الجمع الذي فيها.
ومن ذلك: اسم الماجد، وقد " ورد في طريق الوليد بن مسلم عند الترمذي، والطبراني، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن منده. وفي طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، وفي جمع: 1- الخطابي. 2- ابن منده. 3- الأصبهاني. 4- الشرباصي" انتهى من "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى" للدكتور محمد بن خليفة التميمي، ص240
لكن صح عند أحمد (21367) والترمذي (2495) وابن ماجه (4257) من حديث أبي ذر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ... وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ، وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ، اجْتَمَعُوا، فَسَأَلَنِي كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ، مَا نَقَصَنِي، كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِشَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ انْتَزَعَهَا، كَذَلِكَ لَا يَنْقُصُ مِنْ مُلْكِي، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ صَمَدٌ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ والحديث صححه شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند. وضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي".
فعلى القول بصحة الحديث يضاف اسم الماجد إلى الأسماء التي صححها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
والحاصل:
أن إحصاء تسعة وتسعين اسما ثابتا لله أمر ممكن، وقد حرص كثير من العلماء على فعل ذلك بناء على ما صح لديهم.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟