أولاً:
ثبت ذكر (الظل) و(الظلال)، التي هي جمع (الظل) في الجنة، في آيات عدةٍ من آي القرآن الكريم، فضلا عما ثبت فيه من الحديث الشريف. ولم يذكر (الظل) في الجنة إلا في مقام تعداد نعم الله عز وجل على أهل الجنة؛ فهو من تمام نعيمهم وراحتهم في جنات الخلد.
قال الله تعالى: إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ * وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ المرسلات/ 41-42.
وقال تعالى: وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا الإنسان/14.
وقال تعالى: إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ * هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ يس/ 55-56.
وقال تعالى: وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ * فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ * وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ * وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ الواقعة/27-30.
وقال تعالى: مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ [الرعد/35.
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه – أنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شجرة، يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، لَا يقطعها، واقرؤا إن شئتم: (وظل ممدود). رواه البخاري (4599) ومسلم (2826).
قال الإمام الطبري، رحمه الله: وقوله: (أكلها دائمٌ وظلها) ، يعني: ما يؤكل فيها، (3) يقول: هو دائم لأهلها، لا ينقطع عنهم، ولا يزول ولا يبيد، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهاية= (وظلها) ، يقول: وظلها أيضًا دائم، لأنه لا شمس فيها. انتهى، من "تفسير الطبري" (16/ 472).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، رحمه الله: "قوله: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ الآية. وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك، وهو قوله: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أهل النار ليس كذلك بقوله: انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ. وقوله: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ* فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف، فيذكر بعضها في موضع، فإِنّا نتبين بقيةَ تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر. ومثَّلنا لذلك بظل أهل الجنَّةَ؛ فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ، وقد وصفه بأوصاف أخر في مواضع أخر، وقد بينا صفات ظل أهل الجنَّةَ المذكورة في غير ذلك الموضع، كقوله: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا وقوله: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، إلى غير ذلك من أوصافه". انتهى، من "أضواء البيان" (3/ 162-163).
ثانيًا:
الإشكال المذكور إنما يطرأ على بعض الأذهان، لظنها أن الظل لا يكون إلا عن ضوء الشمس؛ وهذا غير صحيح، لا من الناحية الطبيعية، ولا من الناحية الغيبية.
أما من الناحية الطبيعية، وما يراه الناس: فما زالوا يرون ظلا للأشياء، الذي تسلط عليها الضوء، ولو لم يكن ضوء الشمس؛ بل لو كان ضوء "شمعة"؛ فإن "الشاخص" أمامها، إذا حجب الضوء عما وراءه، انطبعت على السطح المقابل صورة ظله.
وهذا أمر ظاهر معلوم، لا يحتاج إلى بيان؛ فقط أدنى التفاتة تدل عليه.
وبناء على ذلك؛ نقول:
إن الجنة، ولو لم يكن فيها شمس ولا قمر، لا يبعد أن يكون هنالك من الأنوار الدائمة، ما ينتج عنها ظل دائم.
فعَنْ قَتَادَةَ، (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 62] قَالَ: " لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا كُلَّ سَاعَةٍ.
وَالْبُكْرَةُ وَالْعَشِيُّ: سَاعَاتَانِ مِنَ السَّاعَاتِ، لَيْسَ ثَمَّ لَيْلٌ، إِنَّمَا هُوَ ضَوْءٌ وَنُورٌ" رواه أبو نعيم في "صفة الجنة" . وروي مرفوعا بإسناد ضعيف.
وقال الشوكاني، رحمه الله، في تفسير قوله تعالى: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا)
"والمعنى: أن ظلال الأشجار قريبة منهم، مظلة عليهم، زيادة في نعيمهم، وإن كان لا شمس هنالك." انتهى. من "فتح القدير للشوكاني" (5/ 422).
وجاء في "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري، رحمه الله (2/ 593): الظل غير مختص بما يحجب عن نور الشمس، بل عام في كل نور كنور القمر في الدنيا، وأنوار الجنة في العقبى. انتهى.
على أن صورة الظل، في لغة العرب، لا يلزم أن تكون ناشئة عن الشاخص لنور وراءه.
قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) (النحل: 48).
قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداة، وهو ما لم تنله الشمس" انتهى من "تهذيب اللغة" (15/ 414).
وقال الراغب الأصفهاني، رحمه الله: "الظِّلُّ: ضدُّ الضَّحِّ، وهو أعمُّ من الفيء، فإنه يقال: ظِلُّ اللّيلِ، وظِلُّ الجنّةِ، ويقال لكلّ موضع لم تصل إليه الشّمس: ظِلٌّ". انتهى، من "المفردات" (535).
والحاصل:
أن الظل لا يشترط في حصوله وجود الشمس. والجنة فيها أنوار، سوى الشمس؛ فلا يستغرب وجود الظل فيها.
على أن الظل في لغة العرب: أعم من الفيء الذي يكون عن الضوء؛ فقد يكون ظل، ولا ضوء هناك يعكسه.
وللفائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (591463)، (314536).
والله أعلم.